افتتاحيات

الطماطم هي الحل

ثمار طماطم فاخرة جديدة تُسلِّط الضوء على النهج القديم الذي اعتمدته أوروبا في مجال تحرير الجينات.

  • Published online:

يُنتج العالَم حوالي 800 مليار ثمرة طماطم كل عام، لكنْ كم منها يتمتع بقيمة غذائية عالية؟ أنتجت لنا آلاف السنين من استيلاد النباتات فاكهةً تناسب – في الغالب - المزارعين والبائعين أكثر من المستهلكين؛ إذ يُزرع كروم الطماطم الآن بأسلوب منظم، وينتج الكثير من الطماطم التي تبقى في مكانها، حتى يتم حصادها، وتكون صلبة بما يكفي لشحنها لمسافات طويلة، لكنْ في العديد من الحالات، أكدت الدراسات أن المذاق والقيمة الغذائية قد ضاعا عند نقطة ما في أثناء مسار تطور الطماطم هذا.

يسعى علماء النبات إلى حل هذه القضية. ففي الأسبوع الأول من أكتوبر، وصفت ثلاث أوراق بحثية من مجموعات بحثية مختلفة حول العالم تفاصيل محاولات أَجْرَتها لإنتاج نوع جديد من الطماطم الفاخرة: نوع لا يضحِّي بالطعم في سبيل الملاءمة للظروف. وللقيام بذلك، استخدم الباحثون تقنية تحرير الجينات «كريسبر-كاس9» CRISPR-Cas9، التي مكّنتهم من تعديل جينات محددة في الأنواع البرية قريبة الصلة بالطماطم. والنتيجة - وفقًا لعالِمٍ تذوَّق واحدة من الثمار - هي ثمرة طماطم "عطرية"، يمكنها إعادة تنشيط براعم التذوق.

وهذه الدراسات هي بمثابة حصاد عقود من أبحاث عِلْم الوراثة النباتية المضنية: خزانة مليئة بالجينات التي لها تأثيرات معروفة، يمكن ضبط كل منها؛ لتحويل أحد النباتات البرية الجامحة إلى نبات مستزرَع له قيمة عالية. ويذكِّر هذا العمل بقيمة البحوث الأساسية في نمو النباتات والتنمية. ويوضح كيف يمكن إدخال سمات أخرى مفيدة في المحاصيل الأخرى.

قامت إحدى المجموعات البحثية بتحرير أحد الأنواع البرية قريبة الصلة بالطماطم، يُسمَّى Physalis pruinosa، ويُزرع في أمريكا الوسطى والجنوبية (Z. H. Lemmon et al. Nature Plants 4, 766–770; 2018). وثمار توته لذيذة وحلوة بعض الشيء، إلا أن نمط نموه المترامي، وميله إلى إسقاط ثماره على الأرض، يجعله غير ملائم للزراعة واسعة النطاق. أما النبات المُعدَّل، فكان أكثر إحكامًا، وأنتج ثمارًا أكبر حجمًا.

وعدلت مجموعتان أخريان في نبات آخر، قريب الصلة أيضًا، يسمَّى Solanum pimpinellifolium. وهذا النوع قادر على تحمُّل الإجهاد، كما أنه مقاوِم لمرض البقعة البكتيرية الذي يسبب خسائر فادحة تجاريًّا، لكنّ الباحثين سعوا إلى زيادة حجم وجاذبية ثماره، مع تسهيل التحكم في نمو النباتات (A. Zsögön et al. Nature Biotechnol. http://doi.org/cvf2; 2018; T. Li et al. Nature Biotechnol. http://doi.org/cvfz; 2018). وكانوا يهدفون إلى الجمع بين فوائد S. pimpinellifolium وسمات الطماطم الحديثة، التي تجذب المزارعين والمستهلكين. كما عمل الباحثون أيضًا على زيادة القيمة الغذائية لثمار الطماطم الجديدة الخاصة بهم، أولًا: عن طريق زيادة مستويات الليكوبين، وهو كاروتينويد يرتبط بفوائد صحية؛ وثانيًا: من خلال التركيز على وجود محتوى أكبر من فيتامين (سي).

يقول يورج كودلا من جامعة مونستر بألمانيا، وهو مؤلف رئيس بإحدى الأوراق البحثية الثلاث، إنّ الوصول إلى المنتَج نفسه من خلال الاستيلاد التقليدي كان سيحتاج إلى عقود، بيد أن فريقه استغرق ثلاث سنوات، ويُعَد ذلك مثالًا على خدمة العلم لاحتياجات المجتمع، ويسلط الضوء على الخطوات المعيبة التي يتخذها الاتحاد الأوروبي، التي من شأنها أن تهدد مثل هذا العمل في المستقبل. ففي شهر يوليو، قضت محكمة العدل الأوروبية بأن الأطعمة المنتَجة عن طريق تقنية التحرير الجيني «كريسبر-كاس9» يجب أن تصبح مُلزَمة باللوائح الشاقة نفسها الخاصة بالمحاصيل المعدَّلة وراثيًّا. وستزيد الاختبارات والتجارب الإلزامية الناتجة عن ذلك من تكلفة تطوير منتَج تجاري بشكل كبير، الأمر الذي يجعل تمويل البحوث المتعلقة بهذه المنتجات أقل جدوى.

تُعتبر التكلفة العالية أحد الأسباب التي جعلت المحاصيل المعدلة وراثيًّا - حتى الآن - لا تحقق فائدة تُذكر للمستهلكين؛ فإنتاج مثل هذه النباتات كلف الكثير، وتركِّز الشركات على تطوير محاصيل سلعية، وسمات تجذب المزارعين. وقد تقدَّم كودلا بطلبات مِنَح؛ للحصول على ما يصل إلى مليوني يورو (2.3 مليون دولار أمريكي)، قيد المراجعة الآن، لتمويل الأبحاث المتعلقة بأعماله في مجال تحرير الجينات، لكنّ الممولين يتحملون مسؤولية إنفاق أموالهم بطرق قد تفيد دافعي الضرائب، كما يقول، وإذا لم يكن لهذه المحاصيل مستقبل تجاري في أوروبا، فقد يكون من الصعب تبرير الدفع مقابل تطويرها.

أثار قرار المحكمة الأوروبية - الذي طال انتظاره - حيرة العديد من الباحثين، لكون التقنية تتضمن تعديلات جينية تعطِّل الجين فقط، بدلًا من إعادة كتابته بتسلسل محدد. ومن الناحية العلمية، يرى المدافعون أن الأمر يشبه استخدام مادة كيميائية، أو إشعاع؛ لتوليد طفرات ما، ثم فحص النباتات؛ بحثًا عن سمة مرغوبة، وهو ما لا يصنَّف على أنه تعديل جيني، لكنْ باستخدام «كريسبر-كاس9»، يمكن للباحثين إحداث طفرات في جينات معينة، دون الحاجة إلى فحص آلاف النباتات؛ بحثًا عن كل سمة يريدون إدخالها.

وقد جاء الحكم كالصاعقة، خاصةً أنه في يناير الماضي، قال أحد المحامين العامّين في المحكمة الأوروبية إن مثل هذه المحاصيل لا تحتاج إلى مستوى التدقيق نفسه الذي تخضع له المحاصيل التقليدية المعدلة وراثيًّا. ويسلِّط ذلك الضوء على مدى اختلاف الباحثين مع المسؤولين حول التعديل الجيني في أوروبا. وهكذا، يجب على العلماء والداعمين مواصلة جهودهم للدفاع عن أحدث الأبحاث. وفي هذه الأثناء، ربما يساعد الحصول على ثمار من الطماطم، لها مذاق أفضل، في جلب المزيد من صانعي السياسات؛ لينضموا إلى جانب العلماء والداعمين للأمر.