مستقبليات

ذكريات السماء كرزية اللون

هدية للذكرى

ويندي نيكل
  • Published online:

Illustration by Jacey

أتذكرُ طفولة لم توجد من قبل، وفطائر تفاح ساخنة تبرد على مقاعد الحديقة، وأصابع أقدام صغيرة تغوص في الرمال البيضاء الحارقة، ومعارك بكُرَات الثلج تترك قشورًا رقيقة من الثلج الهش على ياقة معطفي.

شبكة من الوصلات العصبية تُشكِّل عمرًا لم يكن، وأشياء لم تحدث، وأماكن لا وجود لها.

نتهامس بشأن تلك الذكريات أحيانًا، مارينا وأنا؛ فهي طراز X3 الآخر الوحيد المتبقى لدى الشركة.. الموظف الآخر الوحيد المتبقي كأصل من الأصول من تلك المرحلة القصيرة للتقدم البيوتكنولوجي، قبل أن يبدأ المصممون في التفكير مجددًا في كُلفة برمجتنا بمثل هذا التعقيد المفتعل.

"لقد تكلفت البرمجة عشرة آلاف دولار لكل ذاكرة"، قالتها مارينا وهي مستغرقة في التفكير، بينما تدير ملعقتها حول الزبادي الذي تتناوله؛ زبادي بنكهة الفراولة كالمعتاد. تشتريه مارينا بالجالون، وتحضره إلى العمل في سلطانيات ماركة «تابر وير»أنيقة صغيرة طراز ، تكدِّسها إلى جانب عبوات الطعام المكعبة البيضاء التي يستهلكها بقيتنا بلا مبالاة. لطالما ساورتني الشكوك بأن لهذا الأمر علاقة بطفولتها، ولكنني لا أسأل.. ليس أمام الآخرين؛ فلا داعي لجذب المزيد من الانتباه إلى الأحداث الماضية المختلَقة التي يرونها عيوبًا وأمارات على أننا ننتمي إلى زمن بائد.

تساءلت مارينا: "إذا كان بإمكانك شراء شيء إضافي، ماذا كنتِ ستختارين؟"

"لا أعرف"، قلتُها وأنا أسوِّي عبوة طعامي الفارغة، بينما أبقيتُ صوتي خفيضًا، ورأسي إلى أسفل.. "يجب أن نعود إلى العمل".  

"كنت سأشتري حفل عيد ميلاد"، قالتها مارينا وهي تحدق في ملعقتها.. "حفل فيه عائلة؛ أم، وأب، وأخوة، وأخوات".

"لن يكونوا حقيقيين". مارينا وأنا أقرب ما يمكن إلى أن نكون أشقاء؛ فكل منا عضو في الدفعة الجينية نفسها، مُنتَج من الأحواض نفسها، وكل منا مصمّمة لإتقان المهام الكئيبة المُضجِرة المتعلقة بعمليات تبويب وحفظ ملفات ومستندات الشركة.

هزّت مارينا كتفيها، ولعقت الملعقة، قائلة: "على الأقل سيكون لديَّ مَن أتذكره".  

في ذاكرتي المفضلة، أجلس على أرجوحة في الشرفة الأمامية؛ ساقاي منثنيتان تحتي، وأضع كتابًا على حجري، وأرمق غروب الشمس المخضب باللون الأحمر الكرزي فوق حقل فسيح تتناثر فيه طواحين الهواء في كل مكان. نسمة رقيقة تداعب وجهي، فأغلق عيناي؛ وأتنسم هواء التربة الخصبة.

تقول مارينا إنني أحب الهدوء لهذا السبب، والحياة في المدينة تثير أعصابي لهذا السبب أيضًا. إنه خلل..  هكذا سيُطْلِقون عليه في الشركة، إذا عرفوا به.. خلل يفسر سبب عملي بجد؛ لكي لا ينتابني الذعر عندما ينادي رئيس العمل رقمي؛ لاستدعائي إلى مكتبه.

لم أدخل مكتبه قط.

إنها حجرة صغيرة ذات إضاءة مُصْفَرّة تُصدِر أزيزًا، وثمة مجموعة من ثلاث صور مؤطرة، موضوعة فوق مكتب كبير، قياسًا إلى مساحة الحجرة، وتُظْهِر إحدى الصور الثلاث مشهدًا مألوفًا للغاية. لا يسعني إلا أن أحدق، وبالكاد أستطيع فهْم كلماته:

"يجري الآن إخراجك من الخدمة".

"إخراجي من الخدمة؟" أحدق.. ليس فيه، ولكنْ في المنارة التي تظهر في الصورة الفوتوغرافية. المنحدر الصخري، والأمواج. أكاد أشعر بملمس الرمال على أصابع قدماي، وبمذاق الملح على شفتاي.

يواصل حديثه قائلًا: "سوف نجلب طرز X14 جديدة. عندما تسجلين خروجك اليوم في موعد الانصراف، سنزيل شريحتك، وستكونين حرة في البحث عن عمل آخر؛ ولن تكوني مسؤولة من الشركة بعد الآن".

"لن أكون مسؤولة من الشركة"، بما يعني أنهم لن يمدوني بطعام، أو مأوى، أو ملابس بعد الآن. "خارج الخدمة"، ما يعني الإعلان بأنني قد تجاوزني الزمن.

"أيّ أسئلة؟"

"نعم".. أشير إلى الصورة: "أين التُقِطَت هذه الصورة؟".

قبل أن أسجل خروجي، إيذانًا بانتهاء يوم العمل، دَسَسْتُ ملاحظة إلى مارينا.. آمِلةً أن تهون عليها خبر إخراجها من الخدمة: "إنها حقيقية. لقد رأيتها. الأماكن التي نتذكرها من طفولتنا موجودة".

أشتري تذكرة حافلة لا أستطيع تحمُّل ثمنها؛ لأذهب إلى ولاية لم تطأها قدماي من قبل، وأتمنى أن يكون مَن بَرْمَج تلك المنارة في عقلي قد استوحاها من خبراته الخاصة، وأن يكون البيت الريفي على مقربة.

قدماي تغوصان في الرمال البيضاء الحارقة، وألعق شفتاي المتشققتين بسبب الملح.  

أحد بائعي الـ"هوت دوج" يعيرني قلمه، فأنقش رسمًا في حجم المنديل، لكنْ لا أحد من متسكِّعي الشواطئ يمكنه التعرُّف على الحقل المليء بطواحين الهواء، ولا أحد يعرف عن وظائف تصلح لطرز X3 التي تم تسريحها من الخدمة.

الرمل يصبح خشنًا. كتفاي تحترقان. والشمس تغوص عميقًا صوب الأفق، والشكوك تتسلل إلى صدري مع برودة الطقس.

ما كان يجب عليَّ أن أغادر المدينة. وما كان يجب أن أفترض أن استناد ذكرى واحدة إلى حقيقة يعني أن كل الذكريات يتحتم أن تكون حقيقية، لكنّ ذلك لا يمنعني من مواصلة السؤال لمرتين.. أربع مرات.. عشر مرات، وكذلك لا يكفكف دموعي المنهمرة عندما يقول أحدهم أخيرًا: "أعرف أين يوجد هذا المكان".

 

وقفتُ عند عتبة الباب، وأنا أعتصر يداي بقوة. أشعر أنني غير متأكدة من حقيقة ما آمله. ورغم ذلك.. يحدوني الرجاء على غير رجاء، وإذ تجيبني امرأة ترتدي بذلة العمل، وتضع وشاحًا أحمر، وتبدو مرتبكة تمامًا مثلما أشعر.

سألتها: "هل تعيشين هنا؟ أعني.. هل تعيشين هنا منذ زمن طويل؟"

"نشأتُ هنا. أنت طراز X3؟"

"نعم".

"لقد عملتُ على طرازك يومًا ما".

"في تعديلات الذاكرة؟"

رَفَعَتْ حاجبًا علاه المشيب، وسألَتْ: "كيف عرفت؟"

أريد أن أسأل عن أرجوحة الشرفة، وعن الكتاب، وعن غروب الشمس نفسه.. أشياء مهمة للغاية، كانت تبثها في طيّات عملها، تاركةً قطعة من نفسها بداخلي.

أريد أن أسأل: كيف انتهى بها الأمر إلى هنا؟.. وهل عندما تم إيقاف تعديلات الذاكرة أصبحت شيئًا بائدًا هي الأخرى؟ هل لم تعد مسؤولة من الشركة؟

أريد أن أسأل عمّا إذا كانت تحتاج إلى تبويب، أو حفظ أي شيء. أريد أن أسأل عن التراب العالق على ركبتيها. أريد أن أسأل عن العراك بكُرَات الثلج، وعن فطيرة التفاح، وما إذا كانت ضوضاء المدينة تثير أعصابها أيضًا، أم لا، وما إذا كان هذا هو سبب عودتها إلى هذا المكان الهادئ ذي النسيم العليل، الذي تفوح منه رائحة التربة الخصبة.

أَخَذَتْ زمام المبادرة، ودَفَعَت الباب الشبكي الخارجي، قائلة: "لم لا ترافقينني لنحتسي بعض الشاي في الشرفة؟ يبدو أن لدينا أشياء مشتركة".

تَبِعْتُها بخطوات يحدوها الأمل، بينما يضيء غروبُ الشمس الكرزي السماءَ. 

ويندي نيكل كاتبة استبصار تخيُّلي، حاصلة على درجة علمية في التعليم الابتدائي. لَدَى ويندي شغف بالرحلات التي تجوب الطرق، ولديها كذلك عادة مريعة، تتمثل في نسيانها أين تركَتْ كوب الشاي الخاص بها. ولمزيد من المعلومات.. قم بزيارة الموقع التالي: wendynikel.com