أنباء وآراء

علم خواص المادة: تغيُّر شكلي فعّال

بوليمر عضوي يُظهِر تحوُّلًا طوريًّا يرتبط بخصائص كهروميكانيكية محسَّنة. وتربط هذه الخاصية بين البوليمرات العضوية، ومواد البيروفسكايت المستخدَمة على نطاق واسع، وقد يكون لها العديد من التطبيقات.

رونالد إي. كوهين
  • Published online:

قد تتغير خصائص المادة بشكل هائل حين تقترب من التحوُّل الطوري. فعلى سبيل المثال، تتحسن الخصائص الكهروميكانيكية للمواد الفيرّوكهربائية بشكل كبير في منطقة تحوُّل تُعرَف باسم "حدّ طور التغيُّر الشكلي"، حيث يدور الاستقطاب الكهربائي للمادة (العزم ثنائي القطب لكل وحدة حجم) من اتجاه إلى آخر. وقد تمت دراسة هذه الظاهرة باستفاضة في مواد البيروفسكايت، بيد أن ليو وزملاءه1 كشفوا - من خلال بحث نُشر لهم مؤخرًا بدورية Nature - عن وجود سلوك مماثل في بوليمر عضوي. وقد يزيح هذا الاكتشاف الستار عن العديد من التطبيقات، في الأجهزة الطبية مثلًا، والملابس المولِّدة للطاقة، وأجهزة السلامة المطورة للهياكل والمَركبات.

تحوِّل المواد النشطة الطاقة من شكل إلى آخر، فعلى سبيل المثال، تحوّل المواد الفيرّوكهربائية الطاقة الكهربائية إلى طاقة ميكانيكية، والعكس صحيح. وتُستخدم المواد الفيرّوكهربائية هذه في تقنيات مختلفة، تتنوع بين نظم الموجات فوق الصوتية الطبية، وأجهزة حقن الوقود، وأجهزة استشعار التصادم في السيارات. كما أن لها تطبيقات في مجالات التبريد، وتوليد الطاقة من الحرارة الزائدة.

والمادة الفيرّوكهربائية الأكثر شيوعًا في الاستخدام هي بيروفسكايت زركونيت تيتانيت الرصاص (وتسمى اختصارًا PZT). ورغم كونها مادة رخيصة، فإنها تحتوي على الرصاص السام، كما أنها عبارة عن سيراميك صلب، لا يمكن إنتاجه إلا في درجات حرارة عالية. ويحدّ محتوى الرصاص الموجود فيها من استخدامها في بعض التطبيقات، مثل المضخات الصغيرة، والمحركات المثبتة بشكل دائم في جسم الإنسان. وقد تم أيضًا تطوير مواد فيروكهربائية أحادية البلورة، تتحلّى بخواص "التقبُّض الكهربائي العالي"، وتتسم بأن كفاءتها في تحويل الطاقة أعلى بكثير من كفاءة مادة PZT، كما أنها تعزِّز دقة نظم الموجات فوق الصوتية الطبية، على سبيل المثال، بيد أنها أغلى بكثير من PZT، وتحتوي أيضًا على الرصاص.

وإلى جانب ذلك، هناك مواد نشطة، قوامها بوليمرات خالية من الرصاص، ويمكن إنتاجها بطريقة غير مكلفة، وتشكيلها بشكل مشابه لتشكيل المواد البلاستيكية، إلا أن كفاءتها في تحويل الطاقة أقل بكثير من مادة PZT. لذا، يقدم ليو وزملاؤه الآن وسيلة لتعزيز كفاءات المواد الفيرّوكهربائية البوليمرية؛ ما يجعلها أكثر قدرة على منافسة المواد الفيرّوكهربائية التقليدية غير العضوية.

وقد تم إنشاء مخطط الطور الجامع بين درجة الحرارة والتركيب لمادة PZT في الخمسينيات من القرن الماضي2. ويتسم حدّ طور التغيُّر الشكلي (أو MPB) الخاص بها بكونه شبه عمودي، وهو موضوع حيث تكون نسبة التيتانيوم إلى الزركونيوم حوالي 50:50. وعلى الجانب الغني بالتيتانيوم من حدّ الطور هذا، تتسم المادة ببِنْية بيروفسكايت، لها شكل رباعي الأضلاع، في حين أنه في الجانب الغني بالزركونيوم تكون بِنْية البيروفسكايت على شكل معيَّن السطوح (الشكل 1أ).

الشكل 1 | نوعان من التحوّل الطوري. أ، لدى مادة بيروفسكايت زركونيت تيتانيت الرصاص (PZT) غير العضوية استقطابات كهربائية مختلفة (المُشار إليها بالأسهم) على جانبي التحوّل الطوري. وبعيدًا عن منطقة التحول، تكون مادة PZT هذه رباعية الأضلاع على الجانب الغني بالتيتانيوم، وتتخذ شكلًا معيَّن السطوح على الجانب الغني بالزركونيوم. أما في منطقة التحوّل، فيدور الاستقطاب بين الاتجاهين المختلفين، وتكون المادة في الأطوار المتوسطة (أحادية الميل)، (غير موضحة في الشكل). ويُطلق على عملية التحوّل هذه مصطلح "تغيُّر شكلي"؛ بسبب هذه التغيرات في الشكل. اللون الأرجواني يشير إلى الرصاص، والرمادي إلى الأكسجين، والأسود إلى التيتانيوم، أو الزركونيوم. ب، يكشف ليو وزملاؤه1عن نوع مماثل من التحوّل الطوري لنظام البوليمر التساهمي العضوي بولي(فينيليدين فلوريد-كو-ثلاثي فلورو الإيثيلين)، الذي يسمَّى اختصارًا P(VDF-TrFE). توجد التركيبات المفتقرة إلى فينيليدين الفلوريد في هذه المادة فيما يُعرف باسم الطور الحلزوني 3/1 مع تحرك الاستقطاب على طول محور سلاسل البوليمر. وتوجد التركيبات الغنيّة بفينيليدين الفلوريد في طور عابر للمستوى، مع استقطاب متعامد على السلاسل. وللتبسيط، تظهر في الشكل بِنى لسلاسل فينيليدين الفلوريد، بدلًا من البنى لسلاسل المادة P(VDF-TrFE). ويشير اللون البني إلى الكربون، والأزرق إلى الفلور، والأخضر إلى الهيدروجين.

الشكل 1 | نوعان من التحوّل الطوري. أ، لدى مادة بيروفسكايت زركونيت تيتانيت الرصاص (PZT) غير العضوية استقطابات كهربائية مختلفة (المُشار إليها بالأسهم) على جانبي التحوّل الطوري. وبعيدًا عن منطقة التحول، تكون مادة PZT هذه رباعية الأضلاع على الجانب الغني بالتيتانيوم، وتتخذ شكلًا معيَّن السطوح على الجانب الغني بالزركونيوم. أما في منطقة التحوّل، فيدور الاستقطاب بين الاتجاهين المختلفين، وتكون المادة في الأطوار المتوسطة (أحادية الميل)، (غير موضحة في الشكل). ويُطلق على عملية التحوّل هذه مصطلح "تغيُّر شكلي"؛ بسبب هذه التغيرات في الشكل. اللون الأرجواني يشير إلى الرصاص، والرمادي إلى الأكسجين، والأسود إلى التيتانيوم، أو الزركونيوم. ب، يكشف ليو وزملاؤه1عن نوع مماثل من التحوّل الطوري لنظام البوليمر التساهمي العضوي بولي(فينيليدين فلوريد-كو-ثلاثي فلورو الإيثيلين)، الذي يسمَّى اختصارًا P(VDF-TrFE). توجد التركيبات المفتقرة إلى فينيليدين الفلوريد في هذه المادة فيما يُعرف باسم الطور الحلزوني 3/1 مع تحرك الاستقطاب على طول محور سلاسل البوليمر. وتوجد التركيبات الغنيّة بفينيليدين الفلوريد في طور عابر للمستوى، مع استقطاب متعامد على السلاسل. وللتبسيط، تظهر في الشكل بِنى لسلاسل فينيليدين الفلوريد، بدلًا من البنى لسلاسل المادة P(VDF-TrFE). ويشير اللون البني إلى الكربون، والأزرق إلى الفلور، والأخضر إلى الهيدروجين.

كبر الصورة

وتعود فكرة حدّ طور التغيُّر الشكلي إلى القرن التاسع عشر، ولا تقتصر على البيروفسكايت، إذ ناقشت ورقة بحثية من عام 1890 أصل مصطلح "التغيّر الشكلي"، أو 3morphotropic، وتشير إلى صياغته في عام 1870 من قِبَل المتخصص في عِلْم المعادن، بول هينريش فون جروث4، الذي أسس – مصادفةً – الدورية العلمية «تزايتشغيفت فور كغيستالوجغافي أوند مينيرالوجي» Zeitschrift für Krystallographie und Mineralogie، وكان أستاذًا لعلم المعادن، وقَيِّمًا على المعادن في مدينة ميونخ.

ويرتبط مصطلح التغيّر الشكلي بمصطلح "متعدد الأشكال"، أو polymorphic؛ فالعناصر متعددة الأشكال هي عبارة عن هياكل بلورية مختلفة للمركّبات التي لها التركيب الكيميائي نفسه، مثل: الجرافيت، والماس، وهما شكلان من أشكال الكربون. وحَدّ الطور بين هذه العناصر المختلفة متعددة الأشكال ليس له استخدام في تطبيقات المواد النشطة. ويرجع ذلك إلى أن الأطوار قد توجد في شكل شبه مستقر، على عكس منطقة مخطط الطور، التي تكون مستقرة فيها. وبالتالي، قد يوجَد الماس مثلًا على سطح الأرض، بل وقد يمكن إنماؤه ليتخذ شكلًا شبه مستقر عند قِيَم ضغط منخفضة.

وعلى النقيض من ذلك، يعبر حدّ طور التغيّر الشكلي عن عملية تحوُّل تحدث بسلاسة، مع تغير شكل البلورات في أثنائها5. واليوم، عادة ما يُنظر إلى حدود طور التغيّر الشكلي في سياق مواد البيروفسكايت غير العضوية، بيد أن جروث قد استخدم المصطلح - في الأصل - لوصف البلورات العضوية، مثل البنزين، حيث تحدث استبدالات كيميائية مختلفة، منها على سبيل المثال: تبديل ذرات الهيدروجين بذرات الكلور4. وفي العقود القليلة الماضية، أُعيد اكتشاف أهمية التغيّر الشكلي للبلورات العضوية، وتم التأكيد على أهميته6.

وقد فكر ليو وزملاؤه في نظام البوليمر الفيروكهربائي التساهمي بولي(فينيليدين فلوريد-كو-ثلاثي فلورو الإيثيلين)، ويسمَّى اختصارًا P(VDF-TrFE)، وأنظمة مخلَّقة تحتوي على مجموعات من فينيليدين الفلوريد (VDF). ووجد الباحثون أن التركيبات المفتقرة إلى فينيليدين الفلوريد كانت موجودة في ما يُعرف باسم الطور الحلزوني 3/1، في حين أن التركيبات الغنيّة بفينيليدين الفلوريد كانت موجودة في الطور العابر للمستوى (الشكل 1ب). وقد بلغت الخصائص الكهروميكانيكية للمادة أقصى حد لها في منطقة التحول بين هذين الطورين، على غرار ما يحدث عند حد طور التغيّر الشكلي في مواد البيروفسكايت غير العضوية.

والنظائر القريبة من مادة P(VDF-TrFE) - من بين مواد البيروفسكايت الأخرى - هي المواد الفيروكهربائية ذات الطبيعة التقبّضية الكهربائية العالية، مثل مادة "تيتانيت الرصاص–نيوبيت الرصاص مغنيسيوم"، وتسمَّى اختصارًا (PMN-PT). وفي التركيبات الغنية بنيوبيت الرصاص مغنسيوم في هذه المادة، وفي نيوبيت الرصاص مغنسيوم النقي، لا يُلاحظ الطور الفيرّوكهربائي، إذ إن الذرات تُزاح من مواقع الشبكة بطريقة غير مرتبة. وبالمثل، لم يشاهد ليو وزملاؤه أي طور فيروكهربائي في تركيبات P(VDF-TrFE) ذات المحتوى القليل من فينيليدين الفلوريد، نتيجة لخلل في سلاسل البوليمر.

وفي حالة مواد البيروفسكايت، اُكتُشف خلال العقود القليلة الماضية أن الصورة البسيطة للحد بين الأطوار البنيوية المختلفة يجب أن تحل محلها منطقة تحوُّل، توجد فيها المواد في أطوار متوسطة (أحادية الميل)8،7. ففي هذه المنطقة من مخطط الطور، يدور اتجاه استقطاب المادة مع تغير التركيب، أو المجالات الكهربائية المستحثة، أو مستويات الإجهاد.

وقد اُكتُشف أيضًا أن التركيب المتغير غير مطلوب لتوليد سلوك شبيه بحدّ طور التغيّر الشكلي، وأنه حتى تيتانيت الرصاص النقي يُظهِر مثل هذا السلوك9. وبشكل أكثر دقة، يتغير شكل تيتانيت الرصاص، من الشكل رباعي الأضلاع إلى الشكل معيّن السطوح، عبر المركبات الوسيطة أحادية الميل، الموضوعة تحت ضغط. وفي منطقة التحول، تتنبأ النظرية بأن الاقتران بين الطاقة الكهربائية والطاقة الميكانيكية سيكون عاليًا جدًّا، أكبر من مثيله في المواد المعروفة عند الضغط المحيط10.

للوهلة الأولى، قد تبدو مادة P(VDF-TrFE) مختلفة عن مواد البيروفسكايت، بيد أن مفهوم دوران الاستقطاب ينطبق أيضًا على نظام البوليمر هذا. وفي أحد الطوريْن، يتحرك الاستقطاب على طول محور سلاسل البوليمر، في حين أنه يتعامد على السلاسل في الطور الآخر. ويدور اتجاه الاستقطاب في منطقة حد طور التغيّر الشكلي11-14.

والآن، إذ لوحظ هذا السلوك - الذي يذكِّرنا بحد طور التغيّر الشكلي - في نظام جزيئي عضوي، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل من الممكن استثارة سلوك مماثل، من خلال تطبيق قدر من الإجهاد، أو مجالات كهربائية، بدلًا من تغيير التركيب الكيميائي؟ وإضافة إلى ذلك، فإن إدراك إمكانية إحداث هذا التأثير عن طريق الإجهاد قد يسمح بضبط المواد بسهولة، ما قد يؤدي إلى ظهور تطبيقات أخرى محتملة.

References

  1. Liu, Y. et al. Nature 562, 96–100 (2018). | article
  2. Haertling, G. H. J. Am. Ceram. Soc. 82, 797–818 (1999). | article
  3. Retgers, J. W. Z. Phys. Chem. 6U, 193–236 (1890). | article
  4. Groth, P. Ann. Phys. 217, 31–43 (1870). | article
  5. Everitt, C. Chemistry in Encyclopaedia Britannica Vol. 6, 11th edn 74 (Cambridge Univ. Press, 1910). 
  6. Kálmán, A. Acta Cryst. B 61, 536–547 (2005). | article
  7. Fu, H. & Cohen, R. E. Nature 403, 281–283 (2000). | article
  8. Noheda, B. et al. Phys. Rev. Lett. 86, 3891 (2001). | article
  9. Ahart, M. et al. Nature 451, 545–548 (2008). | article
  10. Wu, Z. & Cohen, R. E. Phys. Rev. Lett. 95, 037601 (2005). | article
  11. Lovinger, A. J. Science 220, 1115–1121 (1983). | article
  12. Nakhmanson, S. M., Nardelli, M. B. & Bernholc, J. Phys. Rev. Lett. 92, 115504 (2004).  | article
  13. Nakhmanson, S. M., Nardelli, M. B. & Bernholc, J. Phys. Rev. B 72, 115210 (2005). | article
  14. Tsutsumi, N., Okumachi, K., Kinashi, K. & Sakai, W. Sci. Rep. 7, 15871 (2017). | article

رونالد إي. كوهين عضو في مبادرة المواد المتطرفة (Extreme Materials Initiative)، المختبر الجيوفيزيائي، معهد كارنيجي للعلوم، واشنطن العاصمة 20015، الولايات المتحدة الأمريكية، وقسم علوم الأرض والبيئة، جامعة لودفيج ماكسيميليان في ميونخ، ميونخ، ألمانيا، وقسم الفيزياء وعلم الفلك ومركز لندن لتكنولوجيا النانو، كلية لندن الجامعية، لندن، المملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: rcohen@carnegiescience.edu