رؤية كونية

المزارعون يغيِّرون طريقة دراستنا للمناخ

تقول كارولينا فيرا: طلبت العون من أولئك الذين يقررون طريقة زراعة المحاصيل، والوقاية من أضرار الفيضانات، لتحسين جدوى أبحاثي بالنسبة لهم.

كارولينا فيرا
  • Published online:

يعرف سكان حوض نهر ماتانسا - الواقع شرق الأرجنتين - المناطق التي من المتوقع أن تشهد فيضانات. وحينما حشدوا خبراتهم لوضع خريطة للمناطق المعرَّضة لخطر الفيضانات، كانت النتيجة في جوهرها لا تختلف عما توصّلنا إليه — نحن العلماء — مستعينين بعلم المياه، وقياسات مستجمعات المياه. لقد نجحنا كعلماء - بالتعاون مع السكان المحليين - في مقارنة الفيضانات السابقة بكمية الأمطار التي سَبَّبَتها، والتوصُّل إلى تحديد دقيق لكيف يمكن لمقدار ضئيل من الأمطار أن يخلف أثرًا هائلًا. وحاليًّا، نحن بصدد صياغة مهمتنا البحثية في تلك المنطقة حول إمكانية حدوث تأثيرات، وكذا حول القياسات الشائعة علميًّا (مثل الهطْل بالغ الشدة).

كثيرًا ما نَفترِض — نحن العلماء — أن عملية انتقال المعرفة تبدأ من الأبحاث الأساسية التي ينتج عنها تطبيقًأ نتوقع من الآخرين أن يستخدموه تلقائيًّا، لكن التجربة علمتنى مدى محدودية هذا النموذج الخطي. إنّ الإنتاج المشترك — أي التعاون مع مَن سيستخدمون بالفعل نتائج أبحاثي حول المناخ — قد يكون أسلوبًا غير مباشر، ولا يمكن التنبؤ بنتائجه، لكنه في نهاية المطاف أجدى نفعًا.

لقد أسهم ما قدمتُه أنا وقدمه زملائي من أبحاث على مدار العقدين الماضيين في بناء تصور أفضل عن مناخ جنوب قارة أمريكا الجنوبية، حيث إن نماذجنا في الوقت الراهن تُستَخدَم لتفسير الرياح الموسمية في تلك القارة، وتفسير آليات أخرى مرتبطة بالتفاعلات بين المحيط، والغلاف الجوي، واليابسة، مثل كيفية تحرُّك الرطوبة من المنطقة الاستوائية للمحيط الأطلنطي إلى حوض نهر الأمازون، وإلى أبعد من هذا جنوبًا.

في البداية، أنشأنا أدوات تمكِّننا من التنبؤ بالظواهر المناخية قبل وقوعها بأسابيع، أو شهور، وأنشأنا موقعًا إلكترونيًّا يتيح الاطلاع على تلك المعلومات بشكل مجاني، إذ إننا اعتقدنا أن هذا الأمر قد يفيد في اتخاذ القرارات المتعلقة بتوليد الطاقة الكهرومائية، ووضْع خطط التعامل مع الفيضانات، وجدولة مواعيد الزراعة والحصاد. وقمنا كذلك بإجراء الكثير من حملات التوعية، وشجعنا المشاركين على إبداء آرائهم، وطرح أسئلتهم، لكنْ تَبَيّن أن هذه المعلومات لم يستخدمها فعليًّا إلا القليلون من خارج الوسط الأكاديمي. لماذا كانت محاولة جعْل معارفنا عن المناخ أكثر إفادة لهؤلاء أمرًا صعبًا إلى هذه الدرجة؟

في عام 2009، وقع الاختيار عليَّ لأكون مؤلف رئيس لتقرير الفريق الحكومي الدولي المعنِيّ بتغير المناخ فيما يتعلق بالكيفية التي يمكن من خلالها للمجتمعات المحلية أن تدير المخاطر المرتبطة بالأحوال الجوية بالغة الشدة، وهو ما أتاح لي فرصة العمل مع علماء الاجتماع، وأدركتُ حينها أن تهيئة الانتفاع بعلم المناخ تتطلب معارف اجتماعية، وثقافية، واقتصادية، بل وسياسية أيضًا. الأكثر من هذا.. أنني احتجت إلى إقامة حوار مع أولئك الذين قد يستخدمون أبحاثي، أو يستفيدون منها، وإلى العمل معهم باعتبارهم نظراء.

في عام 2016، بدأ المزارعون، وعلماء الأنثروبولوجيا، وعلماء المناخ مبادرة تعاونٍ تهدف إلى توفير معلومات مناخية، يمكن لصغار المزارعين الذين يربّون الماشية، ويزرعون الخضراوات، والذرة، والبطاطس الاستفادة منها. كنا قد أدركنا حينها أن التوجه إلى المناطق الريفية والتحدث عن الأمر ليس كافيًا، بل علينا أن نتعارف، وأن نبني الثقة فيما بيننا. يرتكز عملنا على عامين من العمل الميداني الذي أجراه عدد من المختصين في علم الأنثروبولوجيا في منطقة بيرميخو بمقاطعة تشاكو، شمال شرق الأرجنتين. عاش طلاب الدكتوراة خلال هذه المبادرة وسط المزارعين، الذين يضطرون كثيرًا إلى مواجهة الأمطار الغزيرة، والبَرَد، والصقيع، والرياح العاتية، والفيضانات، مستعينين بالقليل من الموارد؛ لتعويض الخسائر.

قام مشروعنا بدمج مفاهيم مستمَدة من ثلاثة مجالات: علم المناخ (التقلب المناخي، وعدم التيقن بشأن المناخ، ورصد الأحوال المناخية، وحالة المناخ الطبيعية، وتبنؤات حالة المناخ)، وعلم الأنثروبولوجيا (التصور، والسرية، والمشاركة)، والمعرفة التي اكتسبَتها المجتمعات الزراعية من خلال الخبرة والتجربة (الملاحظة المباشرة، وحالات وقوع ظواهر جوية معينة في مزيج معين، وعتبات هطْل الأمطار فيما يتعلق بإنتاج المحاصيل).

تسنَّى لنا تحديد عدد من الظواهر التي لا تُعَد ظواهر بالغة الشدة، حسب المقاييس الإحصائية، لكنها ذات أثر بالغ على مَن يعيشون في ظلها. أخبرنا المتعاونون معنا في المشروع البحثي أن عام 2016 شهد سلسلة غير معتادة لما يزيد على 15 يومًا من الأيام الغائمة التي تسببت في تراجُع كبير في الإنتاج الشتوي للفلفل والطماطم.

لقد لاحت لنا أيضًا فرص غير متوقعة؛ فقد اشتركنا في تصميم شبكة لرصد هطْل الأمطار، والتعرف على الكيفية التي يسهم من خلالها التوزيع المكاني لهذا الهطْل في تحديد حالات الفيضانات، وموجات الجفاف. أقدم طلاب المدارس المحلية على تركيب مقاييس للأمطار في مَزارع عائلاتهم، وواظبوا على تسجيل البيانات على الورق، ومن ثم رفْعها على مستودع على الإنترنت لدى وصولهم إلى مدارسهم.  

لقد أدركتُ مدى هشاشة المجتمعات المحلية؛ ففي أكتوبر من عام 2017، احتفلنا بأولى التركيبات في شبكتنا الخاصة برصد الأمطار، لكننا خسرنا في الشهر التالي جزءًا من هذا الجهد على إثر عاصفة شديدة اقتلعت سقف المدرسة، وهو ما أجبر الطلاب على حضور دروسهم في أحد مراكز المطافئ. وبالرغم من ذلك.. بعد مضيّ عام من هذه الواقعة، صارت لدينا مقاييس لكميات الأمطار أكثر من ذي قبل. وفضلًا عن ذلك.. قمنا – بالتعاون مع السكان المحليين – بإنتاج تطبيق يعمل على الهواتف الذكية (انظر: go.nature.com/2nozw6k)، وهو تطبيق يستخدمه  السكان المحليون لمعرفة كيفية تطوُّر درجات الحرارة ومعدلات الهطْل في المنطقة، فضلًا عن التعرف على تنبؤات الطقس على مدار الأيام والأسابيع المقبلة.

يجب أن أعترف أنني كنت أشعر - في أغلب الأحيان - بالإحباط من عملية الإنتاج المشترك هذه، حيث إن قَدْر المرونة الذي سمح بإنشاء شبكة رصد الأمطار وتدشين التطبيق كان من شأنه أيضًا أن يجعل التخطيط لجداول زمنية دقيقة ومخرجات مُحكمة أمرًا صعبًا. إنّ الحوار الذي يدور بين العلماء الأكاديميين والقائمين على تقديم التوقعات الجوية، أو المساعدة في الإدارة الزراعية، قد يكون بطيئًا، ومعقدًا، وصعبًا. وإضافًة إلى هذا.. كان يصعب عليَّ تفهُّم حقيقة أن الآخرين يجدون صعوبة في تقبُّل ما يتسم به المناخ – بحُكْم طبيعته – من تقلُّب، واستحالة التنبؤ الدقيق بحالاته.

لقد غيرَتْ هذه التجربة من طبيعتي كعالِمة وإنسانة؛ فقد كنت في السابق باحثة في شؤون المناخ، متلهفة بشدة على تقديم إسهامات مجتمعية، ولكنْ لم تكن لدىّ أفكارًا واضحة بشأن كيفية تحقيق ذلك. أما الآن، فقد صرتُ جزءًا من عملية تفيد بالفعل أشخاصًا حقيقيين أثناء ممارستهم لمهام حياتهم اليومية.

كارولينا فيرا أستاذة بجامعة بوينوس آيريس، والمجلس الوطني للأبحاث العلمية والتقنية، وتعمل أيضًا باحثة رئيسة في مشروع للإنتاج المشترك (www.climax-sa.org)؛ بهدف تعزيز الخدمات المناخية.

البريد الإلكتروني: carolina@cima.fcen.uba.ar