افتتاحيات

مركونة في الأرشيف

اكتشاف رسالة جاليليو المفقودة منذ زمن يُبْرِز القيمة المادية للمستودعات.

  • Published online:

في هذا العصر، لا يجد العلماء أنفسهم مضطرين إلى زيارة المتاحف والأرشيفات المتناثرة في شتى أرجاء العالم؛ بحثًا عن أسرار من الماضي؛ حيث تم ترقيم الكثير من المقتنيات، وأصبح بالإمكان استخدام هذه المصادر المتاحة عبر الإنترنت للقيام بالكثير من الأمور، لكنْ هل يوجد ما هو أكثر إثارة من التواجد هناك، والعثور على تحفةٍ أَدَّعي أنها فُقدت في غياهب التاريخ؟ هذا ما حدث في شهر أغسطس الماضي في محفوظات لندن التابعة للجمعية الملكية، حيث تم اكتشاف رسالة ذات أهمية تاريخية بالغة.

تمثل الرسالة التي كتبها جاليليو جاليلي في عام 1613 المرة الأولى التي يترسّخ فيها اعتراض هذا العالِم على آراء الفاتيكان حول علم الفلك. كانت اعتراضاته الصريحة قد أشعلت فتيل إحدى أشهر المعارك في تاريخ العلوم، التي بلغت ذروتها بإدانة محكمة التفتيش لجاليليو بتهمة الهرطقة بعد ذلك بعشرين عامًا. وكان قد تم تداول نسخ مختلفة من هذه الرسالة، وقام مؤرخون بتحليل محتواها، ومناقشته بلا كلل، لكن رؤية الرسالة الأصلية للمرة الأولى، بما فيها من حذف واستبدال للكلمات، تحل لغزًا قديمًا بشأن ما إذا كانت النسخة التي تم إرسالها إلى محكمة التفتيش في روما قد تعرضت للتلاعب، وتعديل محتواها، أم لا، وإذا كان الأمر كذلك، فمَن عدّلها؟

يبدو واضحًا الآن أن جاليليو هو مَن قام بإجراء هذه التعديلات على رسالته الأصلية؛ ليجعل لهجتها أقل عدوانية، بمجرد أن أدرك المتاعب التي تنتظره. ويشير هذا إلى أن تحرير الرسالة لم يكن عملًا خبيثًا، أقدم عليه رجال الدين، في محاولة لتعزيز دعواهم ضده، كما زعم أنطونيو فافارو، أحد علماء القرن التاسع عشر، الذي يُعَد كتابه «أعمال جاليليو جاليلي» The works of Galileo Galilei، المؤلف من 20 مجلدًا، عملًا مرجعيًّا رئيسًا.

يُعَد اكتشاف وثيقة قديمة تسمح بسد فجوة في التاريخ حدثًا نادرًا في حياة أي مؤرخ للعلوم، إذ يجعل ذلك قضاء سنوات طوال في أرشيفات تَراكَم فيها التراب، أو محدقًا في أرشيفات رقمية على شاشات الحواسيب أمرًا يستحق ما بذل فيه من عناء. كان يمكن لأي شخص أن يعثر على رسالة جاليليو، التي تعود إلى عام 1613، إذ كانت مركونة في مكان ظاهر في دليل الجمعية الملكية، الموجود على الإنترنت. لذا.. فقد حدث هذا الاكتشاف بمحض الصدفة، على يد عالِم إيطالي زائر، كان يحاول ملء فراغ الساعة الأخيرة من يوم عمله بتصفح عشوائي على الإنترنت. وفور اكتشافه مرجعًا في الأرشيف الإلكتروني، وفي غمرة شعوره بالإثارة، طلب الاطلاع عليه.

ربما لم يخضع أيّ عالِم في التاريخ لدراسات متعمقة مثلما حدث مع جاليليو، باعتباره كاتبًا متفردًا، يعدّه كثيرون الأب الروحي للمنهج العلمي. أُجريت تحليلات كافية للنسخ المتبقية إلى اليوم من رسائل جاليليو، ووثائقه، وكتبه، بشكل لا يفاجئ العلماء من كون هذا العالِم العظيم قد أعاد كتابة فصول قليلة فقط من تاريخه. فالعلماء الذين عكفوا على دراسة أعماله على مدى عقود، ويفهمون سياق حياته وشخصيته وأسلوبه، يشعرون بهذه الأشياء حقًّا، لكن رؤية التعديلات بخط جاليليو تضفي يقينًا على التفسيرات. كما أن مجرد امتلاك الرسالة يمثل في ذاته مكسبًا ثقافيًّا ملموسًا.

وتوجد طرق كثيرة لجمع شتات التاريخ. فالبحث في حيوات المشاهير، من أمثال جاليليو، يوضح لنا كثيرًا مما نعرفه عن الماضي. وعلى النقيض من ذلك.. يَعِد مشروع «آلة زمن البندقية» Venice Time Machine (انظر: Nature 546, 341–344; 2017) – وهو مشروع ضخم لترقيم أرشيف يغطي ألف عام، وتطبيق تقنيات تعلُّم الآلة – بكشف معلومات عن حيوات الأشخاص غير المشهورين. وسواء على أرض الواقع، أم عبر الإنترنت، وسواء عن طريق التحليل العلمي، أم تعلُّم الآلة، فإن كل هذه المناهج تتضافر لبناء منظور أكثر اكتمالًا.

إن المصادر الرقمية تمثل للمؤرخين قيمة لا تقدَّر بثمن، لكن اكتشاف رسالة جاليليو يُبْرِز الحاجة إلى حماية القطع التاريخية الأصلية، التي يوجد كثير منها في متاحف ومكتبات غير مؤَمَّنة بالقدر الكافي؛ وفي الأذهان الخسارة الفادحة للتحف التي التهمها حريق متحف البرازيل الوطني، في مدينة ريو دي جانيرو، في وقت مبكر من شهر سبتمبر. لن نعرف إذا كانت النيران قد التهمت تحفة تُعَادِل في قيمتها رسالة جاليليو، أم لا. فقد ضاع بعض التاريخ، لكن البعض الآخر - إذا كان بمقدورنا الحفاظ عليه - يُتَرَقّب اكتشافه.