أنباء وآراء

ميكانيكا الأحياء: تدفُّق الدم يحفِّز نموّ الكبد

أثبت باحثون مؤخرًا أن الزيادة في القوى الميكانيكيّة الحيويّة داخل الأوعية الدمويّة للكبد تنشِّط بروتينين حساسين ميكانيكيًّا. يستثير البروتينان خلايا الأوعية الدمويّة؛ لنشر عوامل تجديديّة تحفز نمو الكبد. 

سينا ي. ربّاني، وشاهين رفيع

  • Published online:

يتم تنظيم المسارات الجزيئية التي تبدأ إنماء الكبد وتحافظ عليه أثناء تطوره، وبعد الإصابة، بشكلٍ جزئي، من خلال نسبة متوازنة من العوامل المحفِّزة والمثبِّطة المُفْرَزَة من الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية المتخصصة (LSECs)، التي تُبَطِّن الأوعية الدمويّة للكبد1-4، لكنْ ليس من الواضح كيف تستشعر البِنْية الوعائيّة للكبد الحاجة إلى إنتاج عوامل النموّ هذه المستمدة من الخلايا البِطانيّة (عوامل النمو الوعائيّة الصمّاويّة) – مثل عامل نموّ الخلايا الكبديّة (HGF اختصارًا)، وبروتينات Wnt – لتوجيه النموّ السليم لهذا العضو4. وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، يكشف لورنز وزملاؤه5 كيف تُنشِّط القوى الميكانيكيّة الناتجة عن مرور الدم عبر الكبد مسارات التأشير التي تعزز إنتاج العوامل الوعائيّة الصماويّة، وتكاثر الخلايا الكبديّة – النوع الأساسيّ من الخلايا في الكبد – لدى الفئران.

يعتمد الاستشعار الميكانيكي في الكبد على كمية الدم التي ينقلها الوريد البابيّ، والشريان الكبديّ، وعلى قوة الشدّ في جدران الأوعية الدمويّة، التي تمنحها ألياف الكولاجين. إنّ التدفق الصافي للدم (التروية) يُخْضِع الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية إلى قوّتين رئيستين6: أولًا، يؤدي الالتواء والشدّ الميكانيكيّان في جدران الأوعية بسبب ضغط الدم إلى تمدد دوري في الخلايا. ثانيًا، يتسبب الاحتكاك الناشئ عن تدفّق الدم اللزج على جدران الأوعية في إجهاد قصٍّ للسائل. وتؤدي هذه القوى الميكانيكيّة الحيويّة المتآزرة إلى زيادة تنظيم بروتيناتٍ مختلفة حساسة ميكانيكيًّا، مما يستحث الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية على إنتاج عوامل وعائيّة صماويّة، مثل أكسيد النيتريك، وأنواع تفاعليّة من الأكسجين تعمل على تنظيم وضبط البِنية الوعائيّة، إضافةً إلى عوامل وعائيّة صماويّة "أقوى" تحفِّز التجدد الكبديّ، إلا أنه لم يسبق توضيح الآليّة - أو الآليّات - التي تُنشِّط من خلالها القوى الميكانيكيّة الحيويّة الوظيفة الوعائيّة الصماويّة القويّة للخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية؛ بغرض تخطيط وتنسيق التكاثر الكبديّ7.

شرع لورنز وزملاؤه في دراسة هذه الآليّات باستخدام أجنة فئران مفصولة عن أمهاتها، ومزروعة خارج النسيج الحي. لاحظ الباحثون أولًا زيادة في معدَّل نمو الكبد على مدى مراحل نمائية مختلفة مرتبطة بالتروية المُعززة للدم عبر العضو. كانت غالبية الخلايا الكبديّة المتكاثرة في الكبد النامي متمركزة في المناطق المُرَوَّاة، واكتشف الباحثون أن مستوى التروية الوعائيّة ارتبط بمستوى تنشيط بروتينين مُسْتَقْبِلَين على الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية يستشعران القوة، ويستجيبان لها، وهما إنتجرين β1، ومُستقبِل عامل النموّ البِطانيّ الوعائيّ 3 (VEGFR3). وهذان البروتينان عزّزا بدورهما إفراز عامل نموّ الخلايا الكبديّة بوصفه العامل الوعائيّ الصماويّ الرئيس (شكل 1).

شكل 1 | القوى الميكانيكيّة الحيويّة تقوم بدور الوساطة في تكاثر الخلايا الكبديّة. تدفق الدم يُعرِّض الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية (LSECs) التي تبِّطن الأوعية الدمويّة في الكبد، إلى نوعين من القوى، هما: إجهاد قصّ السائل، الذي يسببه الاحتكاك عبر الخلايا، والتمدد الدوري الذي يسببه انبساط الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية مع توسّع الأوعية. يفيد لورنز وزملاؤه5بأنّ هذه القوى تُنَشِّط بروتينيْن مُستقبِليْن حساسيْن ميكانيكيًّا على الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية، وهما إنتجرين β1، ومُستقبِل عامل النموّ البِطانيّ الوعائيّ 3 (VEGFR3). ومن خلال آليّات غير معروفةٍ بعد، يعزز تنشيط هذين البروتينين التعبير عن الجين المُشفِّر لعامل نموّ الخلايا الكبديّة (HGF)، وكذا بروتينات أخرى مشتقة من الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية (بروتينات وعائيّة صماويّة). يُفْرَز عامل نمو الخلايا الكبديّة من الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية، وهو عامل يعزز من تكاثر الخلايا الكبديّة، التي تمثل النوع الرئيس من الخلايا المكوِّنة للكبد.

شكل 1 | القوى الميكانيكيّة الحيويّة تقوم بدور الوساطة في تكاثر الخلايا الكبديّة. تدفق الدم يُعرِّض الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية (LSECs) التي تبِّطن الأوعية الدمويّة في الكبد، إلى نوعين من القوى، هما: إجهاد قصّ السائل، الذي يسببه الاحتكاك عبر الخلايا، والتمدد الدوري الذي يسببه انبساط الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية مع توسّع الأوعية. يفيد لورنز وزملاؤه5بأنّ هذه القوى تُنَشِّط بروتينيْن مُستقبِليْن حساسيْن ميكانيكيًّا على الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية، وهما إنتجرين β1، ومُستقبِل عامل النموّ البِطانيّ الوعائيّ 3 (VEGFR3). ومن خلال آليّات غير معروفةٍ بعد، يعزز تنشيط هذين البروتينين التعبير عن الجين المُشفِّر لعامل نموّ الخلايا الكبديّة (HGF)، وكذا بروتينات أخرى مشتقة من الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية (بروتينات وعائيّة صماويّة). يُفْرَز عامل نمو الخلايا الكبديّة من الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية، وهو عامل يعزز من تكاثر الخلايا الكبديّة، التي تمثل النوع الرئيس من الخلايا المكوِّنة للكبد.

كبر الصورة

بعد ذلك.. عدَّل الباحثون معدلات التروية في الأجنّة المزروعة باستخدام عقاقير توقِف أو تزيد نبض قلب الجنين. قلل تعطيل تروية الكبد من إفراز عامل نمو الخلايا الكبديّة، وتَسبَّب في تراجع النمو الكبديّ، وكذلك كان الحال عندما تم حذف الجينات المُشَفِّرة لإنتجرين β1، أو مُستقبِل عامل النموّ البِطانيّ الوعائيّ 3 في الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية لدى الأجنّة داخل النسيج الحيّ. وفي المقابل، حفّز تحسين معدل التروية بالدم إفراز عامل نمو الخلايا الكبديّة، ومن جديد.. تم هذا بواسطة إنتجرين β1، ومُستقبِل عامل النموّ البِطانيّ الوعائيّ 3.

انتقل لورنز وزملاؤه بعد ذلك إلى دراسة الأكباد المفصولة من الفئران البالغة، والمزروعة خارج النسيج الحيّ. زاد الباحثون تروية الأكباد، عن طريق حقن محلولٍ منظِّم، أو عن طريق إزالة 70% من الكبد، وهو الأمر الذي يعيد توجيه جزء كبير من السائل إلى الفصوص المتبقية من العضو بضغطٍ عالٍ. قاس الباحثون معدل التروية باستخدام تقنية تصوير تسمَّى "الأشعة فوق الصوتية ذات التباين المحسَّن". أدى تحسين التروية إلى زيادة قطر الخلية البِطانيّة الجيبية الكبدية، وزيادة حجم الدم وتدفّقه، وبالتالي زيادة إجهاد القصّ؛ ما أدّى إلى ارتفاع تنشيط إنتجرين β1، ومُستقبِل عامل النموّ البِطانيّ الوعائيّ 3.

تقدِّم هذه التجارب مجتمعةً أدلة على أن تنشيط الحساسات الميكانيكيّة في الأوعية الدمويّة في أكباد أجنة الفئران وأكباد الفئران البالغة يستثير التأشير الوعائيّ الصماويّ لتعزيز تكاثر الخلايا الكبديّة، ويُفْتَرَض أن هذا يتيح نموّ الكبد أثناء تطور الأجنة، ويتيح صيانة الكبد وتجدُّده لدى البالغين. بعد ذلك.. انتقل لورنز وزملاؤه إلى الخلايا البشريّة المزروعة في المختبر. وفي هذه الحالة أيضًا، أدى التمدد الميكانيكيّ للخلايا الشبيهة بالخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية، أو تنشيط إنتجرين β1، اعتمادًا على الأجسام المضادّة، إلى زيادةً شديدة في إفراز عامل نمو الخلايا الكبديّة. وليس هذا فحسب.. بل أيضًا إفراز عوامل وعائيّة صماويّة أخرى. وعززت هذه العوامل المُفْرَزَة تكاثر وبقاء الخلايا الكبديّة البشريّة النامية في المختبر. وأخيرًا، أظهر الباحثون أنّ الزيادات في ضغط الدم الجهازي ارتبطت بزيادة واضحة في حجم الكبد لدى الأشخاص الذين يتمتعون بصحة أيضية.

استخدم لورنز وزملاؤه أساليب معقدة؛ لربط القوى الميكانيكيّة بتحفيز تطوُّر ونمو الكبد المعتمِد على العوامل الوعائيّة الصماويّة، إلا أن عددًا من المسائل لا يزال دون حلّ؛ فمثلًا، التمدد الدوري الذي تمرّ به الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية في النسيج الحيّ عند اتساع الأوعية بعد تعرُّضها لتروية متسارعة هو تمدد ثنائيّ المحور، أي أن الخليّة تتمدد طوليًّا في اتجاه الوعاء، وجانبيًّا. وفي المقابل، أسفرت تجارب لورنز وزملائه خارج النسيج الحيّ وفي المختبر عن تمدد دوري أحاديّ المحور فقط8. قد يؤثر هذا الاختلاف على نواتج التأشير، والنواتج الوعائيّة الصماويّة التي لاحظها الفريق البحثي. كذلك من الضروري أن يتم توضيح ما إذا كان لمُستقبِلات أخرى حساسة ميكانيكيًّا دور في تحفيز العوامل الوعائيّة الصماويّة، أم لا9.10

وإضافةً إلى ذلك.. لا تزال هناك حاجة إلى دراسة مدققة للدور الذي يقوم به هذا المسار ذو الاستجابة الميكانيكيّة الحيويّة أثناء الإصابات. قد تكون الزيادات المفرطة في إجهاد القصّ (مثلًا نتيجة فقدانٍ حاد في كتلة الكبد) ذات عواقب وخيمة، وقد تؤدي إلى تجدُّد الكبد لما دون المستوى الأمثل. وكذلك لم يقيم لورنز وزملاؤه - بشكل مباشر - ما إذا كان نقص التنشيط الميكانيكيّ الحيويّ لإنتجرين β1 ومُستقبِل عامل النموّ البِطانيّ الوعائيّ 3 – كما قد يحدث في أمراضٍ معينة، كمرض السكري – قد يؤدي إلى نقصٍ في القدرة التجديديّة للكبد12.

وسيتعين مُستقبَلًا دراسة المقدار المثاليّ للتمدد الدوري، أو إجهاد القص اللازمين لبدء التحفيز الفسيولوجي للعوامل الوعائيّة الصماويّة. وقد يتأثر استخدام الخلايا الأولية البِطانيّة السيّارة (EPCs) كذلك – التي يُعتقَد أنها تمدّ الكبد بعامل نموّ الخلايا الكبديّة – بتنشيط الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية المعتمد على القصّ، وهو ما سينتج عنه مزيد من التغير في الإمداد الكبديّ للعوامل الوعائيّة الصماويّة10. في الواقع، هناك حاجة إلى المزيد من الدراسات بشأن الكيفية التي تؤثر بها القوى الميكانيكيّة الحيويّة المتزايدة على توصيل المُعَدِّلات التجديديّة إلى الكبد – بما يشمل الخلايا الأولية البِطانيّة السيّارة، والخلايا والصفائح الالتهابيّة – لتنشيط نموّ الكبد، من دون أن يحدث تشجيع للتندُّب.

كيف يزيد إنتجرين β1 ومُستقبِل عامل النموّ البِطانيّ الوعائيّ 3 من تنظيم العوامل الوعائيّة الصماويّة بالضبط؟ من المنطقي أن يكون إجهاد قصّ السائل يحفِّز التمركز النوويّ المعتمد على الإنتجرين لعوامل نسخٍ محددة، وبهذا يعزز التعبير عن جينات العوامل الوعائيّة الصماويّة2-4. وإضافة إلى ذلك.. يمكن للتعديل المعتمِد على الإنتجرين في مرونة المصفوفة خارج الخلويّة المحيطة بالخلايا الكبديّة - كاستجابةٍ لإجهاد القصّ - أن يعَدِّل أيضًا من تكاثر الخلايا الكبديّة، لكنْ ماذا عن مُستقبِل عامل النمو البِطانيّ الوعائيّ 3؟ تَنْشَط بروتينات عائلة مُستقبِلات عامل النموّ البطانيّ الوعائيّ بواسطة الفسفرة. والفسفرة المستقلّة من الناحية الميكانيكيّة الحيويّة، التي تحدث لمُستقبِل عامل النمو البِطانيّ الوعائيّ 2 على الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية تُنشِّط البروتين AKT، الذي يَستخدِم عامل Id1 للنسخ إلى الحمض النووي، وهو ما يُحفِّز التعبير عن الجينين Wnt2 و2HGF، إلا أن الآليّة التي تُنَشِّط بها فسفرة مُستقبِل عامل النمو البِطانيّ الوعائيّ 3 العواملَ الوعائيّة الصماويّة ليست معروفة.

وبغض النظر عن هذه التساؤلات، يأخذ بحث لورنز وزملائه بعين الاعتبار تعقيد البيئة الفيزيائيّة الحيويّة التي تتعرض لها الخلايا البِطانيّة الجيبية الكبدية داخل النسيج الحيّ، وهو بهذا يحلّ لغزًا حيَّر علماء بيولوجيا الكبد لعقود. إنّ تطوير استراتيجيّات تنظِّم بدقّة مقدار إجهاد القصّ والتمدد الدوري في البِنْية الوعائيّة للكبد قد يستعيد الوظائف التجديديّة المعتمِدة على العوامل الوعائيّة الصماويّة للكبد في حالات مرضيّة معينة، مثل تليُّف الكبد، والتهاب الكبد، والعيوب الوعائيّة. وهذا بدوره قد يفتح الباب أمام تجديد علاجي أكثر فعاليّة للكبد. 

References

  1. Rafii, S., Butler, J. M. & Ding, B.-S. Nature 529, 316–325 (2016). | article
  2. . Ding, B.-S. et al. Nature 468, 310–315 (2010). | article
  3. Hu, J. et al. Science 343, 416–419 (2014).  | article
  4. Rocha, A. S. et al. Cell Rep. 13, 1757–1764 (2015).  | article
  5. Lorenz, L. et al. Nature 562, 128–132 (2018).  | article
  6. Rabbany, S. Y., Ding, B.-S., Larroche, C. & Rafii, S. in Mechanical and Chemical Signaling in Angiogenesis (ed. Reinhart-King, C. A.) 19–45 (Springer, 2012). 
  7. Song, Z. et al. Semin. Cell Dev. Biol. 71, 153–167 (2017).  | article
  8. Wang, J. H.-C., Goldschmidt-Clermont, P., Wille, J. & Yin, F. C.-P. J. Biomech. 34, 1563–1572 (2001).  | article
  9. Baeyens, N., Bandyopadhyay, C., Coon, B. G., Yun, S. & Schwartz, M. A. J. Clin. Invest. 126, 821–828 (2016). | article
  10. DeLeve, L. D. J.Clin. Invest.123, 1861–1866 (2013). | article

يعمل سينا ي. ربّاني، وشاهين رفيع في كليّة ديماتييس للهندسة والعلوم التطبيقيّة بجامعة هوفسترا في نيويورك، نيويورك 11548، الولايات المتحدة، وفي قسم الطب التجديدي بمعهد أنصاري للخلايا الجذعيّة بكليّة طب ويل كورنيل، نيويورك.

البريد الإلكتروني: sina.y.rabbany@hofstra.edu ؛ s.rafii@med.cornell.edu