أنباء وآراء

الاستقلاب: محفِّز غير متوقع لحرق السعرات

يعزز جزيء السكسينيت - وهو أحد نواتج الاستقلاب الخلوي - إنتاج الحرارة؛ وبالتالي حرق السعرات الحرارية في الدهون البُنِّية في الفئران. وقد تكون لهذا الاكتشاف تأثيرات في مكافحة السِّمنة في البشر.

شينج هوي، وجوشوا دي. رابينوفيتز
  • Published online:

ثمة طريقتان لإنقاص الوزن: إما أن تتناول كميات أقل من الطعام لتقليل عدد السعرات الحرارية المتاحة للاستقلاب في الجسم، وإما أن تحرق مزيدًا من السعرات من خلال، على سبيل المثال، ممارسة الرياضة. وفي بحث نُشِر مؤخرًا بدورية Nature، حددت ميلز وزملاؤها1 جزيئًا ينتُج في أثناء استقلاب المواد الغذائية، وللمفاجأة يحفز حرق السعرات الحرارية. يُنشّط هذا المستقلَب، وهو السكسينيت، استهلاك الطاقة في الدهون البُنِّية، ومن اللافت للنظر أن إضافته كمكمِّل إلى مياه الشرب الخاصة بالفئران يمكنها أن تمنع هذه الحيوانات من اكتساب الوزن.

تختلف الدهون البُنِّية عن الدهون البيضاء التي تتراكم حول محيط الخصر لدينا. ففي حين تعمل الدهون البيضاء كاحتياطي للطاقة، تتخصص الدهون البُنِّية في توليد الحرارة، وهي ضرورية في الثدييات للحفاظ على درجة حرارة أجسامها في الطقس البارد2. وتحتوي خلايا الدهون البُنِّية على قطيرات دهنية أصغر من تلك الموجودة في خلايا الدهون البيضاء، كما أن بها عددًا أكبر بكثير من العضيات التي تسمَّى الميتوكوندريا3، والتي تمكِّن الدهون البنية من توليد الحرارة.

في الميتوكوندريا، يعمل مسار استقلابي يُسمَّى دورة حمض ثلاثي الكربوكسيل (وتُسمَّى اختصارًا دورة TCA) على تحليل المواد الغذائية، مثل الجلوكوز واللاكتات والدهون، إلى ثاني أكسيد الكربون، وذلك باستخدام الطاقة المخزَّنة في المواد الغذائية لتوليد إلكترونات عالية الطاقة. وتُستخدَم هذه الإلكترونات في ضخ البروتونات (أيونات الهيدروجين، H+) من المصفوفة الداخلية للميتوكوندريا إلى الفراغ بين الأغشية الداخلية والخارجية للعُضَيّ، وبالتالي تحوّل الطاقة إلى تدرج بروتوني. في العادة، تدخل البروتونات مرة أخرى إلى مصفوفة الميتوكوندريا عبر مركّب بروتيني يمتد عبر غشاء يُسمَّى إنزيم الأدينوسين ثلاثي الفوسفات الخاص بالبروتون. ويَستخدِم هذا المركّب الطاقة المخزَّنة في التدرج البروتوني لتحويل جزيئات الأدينوسين ثنائي الفوسفات (ADP) إلى جزيئات الأدينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP) الحاملة للطاقة، وبالتالي يولّد معظم طاقة الجسم القابلة للاستخدام، لكنْ في الدهون البُنِّية، تمر البروتونات عبر بروتين آخر، وهو بروتين فك الاقتران 1 (UCP1). ويفصل هذا الناقل عملية عبور غشاء الميتوكوندريا عن عملية إنتاج جزيئات ATP، ما يؤدي بشكل فعّال إلى إهدار طاقة التدرج البروتوني في شكل حرارة (تمت مراجعة ذلك في المرجع 4).

وقد حازت قدرة الدهون البُنِّية على تبديد السعرات الحرارية في شكل حرارة على الكثير من الاهتمام، على أمل تنشيط هذه العملية لمكافحة السمنة5. وللقيام بذلك، من الضروري معرفة ما الذي يشغِّل عملية حرق الدهون البُنِّية للسعرات الحرارية. وعلى المستوى العِياني، كان الجواب الرئيس لهذا التساؤل هو التعرض للبرد. أما على المستوى الميكانيكي، فقد اُقتِرح أن الدماغ يشعر بالبرودة، ويرسل الإشارات إلى الدهون البُنِّية من خلال عملية تسهم فيها بروتينات تُسمَّى المستقبِلات الأدرينالية بيتا2. لكن لم تنجح العقاقير التي تنشط هذه المستقبِلات في الحدّ من السِّمنة6. وبالتالي، فهناك اهتمام شديد بإيجاد مسارات جديدة تعمل على تنشيط توليد الحرارة في الدهون البُنِّية.

بدأت ميلز وزملاؤها بالبحث عن المستقلبات التي تنتشر بشكل انتقائي في الدهون البُنِّية، والتي يزيد تركيزها في هذا النسيج في أثناء التعرض للبرد. وحدد المسح الذي قاموا به وجود السَّكسينيت، وهو أحد المركّبات المستقلبة الوسيطة في دورة  حمض ثلاثي الكربوكسيل.

يُفترَض - بشكل عام - أن دورة  حمض ثلاثي الكربوكسيل هي عملية تتم داخل الخلية وتُحتجَز فيها غالبية المركبات الوسيطة في مصفوفة الميتوكوندريا. وبالتالي، فإن معظم السَّكسينيت تستهلكه الخلية نفسها التي أنتجته، بيد أن بعضه يشق طريقه إلى مجرى الدم. ويقدم مؤلفو البحث دليلًا على أن عاملًا رئيسًا في تحفيز إطلاق السَكسينيت قد يكون النشاط العضلي، لأن الارتجاف الذي يحدث بسبب البرد قد أدى إلى زيادة مستويات هذا المستقلَب في دم الفئران.

ولتتبُّع مصير السَّكسينيت في مجرى الدم، حقنت ميلز وزملاؤها الفئران بنوع منه موسوم بنظير ثقيل للكربون. ووجدوا أن نظير الكربون تراكم تفضيليًّا في الدهون البُنِّية. وبالتالي، يبدو أن الدهون البُنِّية مبرمَجة لاستخدام السَّكسينيت الموجود في مجرى الدم كوقود لها. واتساقًا مع ذلك، أظهر الباحثون أن خلايا الدهون البُنِّية المعزولة، وليس معظم أنواع الخلايا الأخرى التي اختُبرت، تسحب السَكسينيت سريعًا من الدم، وتحرقه.

وبعد ذلك، أظهرت ميلز وزملاؤها أن المستوى الحاد من تعاطي الفئران للسَكسينيت قد رفع درجة الحرارة موضعيًّا في الدهون البُنِّية. والمثير للدهشة أن إعطاء السَكسينيت - من خلال إضافته إلى مياه الشرب لمدة أربعة أسابيع - قد منع السمنة في الفئران التي تتبع نظامًا غذائيًّا غنيًّا بالدهون. وتَعتمِد هذه التأثيرات الاستقلابية على بروتين فك الاقتران 1؛ ومعظم التأثيرات الاستقلابية المفيدة للسَكسينيت لم يظهر في الفئران المعدَّلة وراثيًّا لتكون مفتقرة لهذا البروتين. وبالتالي، فإنه ينشِّط إنتاج الحرارة وحرق السعرات الحرارية في الدهون البُنِّية (الشكل 1).

الشكل 1 | جزيئات السَّكسينيت في مجرى الدم تتواسط حرق السعرات الحرارية. أعلنت ميلز وزملاؤها1عن آلية يمكن من خلالها التحكم في زيادة الوزن في الفئران، حيث يتم ابتلاع مستقلِب السَّكسينيت المضاف إلى مياه الشرب، ومن ثم فهو يدخل الدورة الدموية الجهازية من الأمعاء. وتُطْلِق الخلايا العضلية السَّكسينيت كذلك في الدورة الدموية في أثناء الارتجاف نتيجةً للبرد. ومن الدورة الدموية، يمكن للسَّكسينيت الدخول إلى الخلايا الدهنية البُنِّية، التي تحتوي على العديد من العضيات التي تُسمَّى الميتوكوندريا. وفي الميتوكوندريا، يحفِّز بروتين فك الاقتران 1 (UCP1) في الميتوكوندريا على تسريب البروتونات (أيونات الهيدروجين؛ H+)، ما يحوِّل الطاقة الكيميائية إلى حرارة، وبالتالي يتم حرق السعرات الحرارية.

الشكل 1 | جزيئات السَّكسينيت في مجرى الدم تتواسط حرق السعرات الحرارية. أعلنت ميلز وزملاؤها1عن آلية يمكن من خلالها التحكم في زيادة الوزن في الفئران، حيث يتم ابتلاع مستقلِب السَّكسينيت المضاف إلى مياه الشرب، ومن ثم فهو يدخل الدورة الدموية الجهازية من الأمعاء. وتُطْلِق الخلايا العضلية السَّكسينيت كذلك في الدورة الدموية في أثناء الارتجاف نتيجةً للبرد. ومن الدورة الدموية، يمكن للسَّكسينيت الدخول إلى الخلايا الدهنية البُنِّية، التي تحتوي على العديد من العضيات التي تُسمَّى الميتوكوندريا. وفي الميتوكوندريا، يحفِّز بروتين فك الاقتران 1 (UCP1) في الميتوكوندريا على تسريب البروتونات (أيونات الهيدروجين؛ H+)، ما يحوِّل الطاقة الكيميائية إلى حرارة، وبالتالي يتم حرق السعرات الحرارية.  

كبر الصورة

كيف بالضبط يحفز هذا المستقلَب إنتاج الحرارة؟ في دورة حمض ثلاثي الكربوكسيل، يستهلك الإنزيم نازع هيدروجين السَّكسينيت مستقلَب السَّكسينيت. وينتج نشاط هذا الإنزيم جزيئات تُسمَّى أنواع الأكسجين التفاعلي (ROS)، التي اُقترِح أنها تعزز توليد الدهون البُنِّية للحرارة7 ولذلك، يرجح المؤلفون أن تراكم السَّكسينيت يحفز حرق السعرات عن طريق زيادة نشاط الإنزيم نازع هيدروجين السَّكسينيت، وبالتالي يُزيد من مستويات أنواع الأكسجين التفاعلي. ومع ذلك، فليس واضحًا ما إذا كان إسهام السَّكسينيت الموجود في مجرى الدم في دورة حمض ثلاثي الكربوكسيل في الخلايا الدهنية البنية كافيًا حقًّا لتغيير مستويات أنواع الأكسجين التفاعلي وتوليد الحرارة، أم لا.

والتفسير البديل لذلك هو أن يكون السَّكسينيت محفزًا لنظام تأشير لم يُكتشف بعد في الدهون البُنِّية، أو ربما يتم استشعار السَّكسينيت الموجود في مجرى الدم في جزء مختلف من الجسم، مثل الدماغ، الذي يرسل بعد ذلك إشارة إلى الدهون البُنِّية لتنشيط عملية إنتاج الحرارة. إن تحديد آلية العمل هو أكثر من مجرد اهتمام أكاديمي؛ فقد يتضح أن له أهمية في تحديد الجرعة والجدول الزمني المثالييْن للحصول على السَّكسينيت في البشر، أو لتحديد بدائل دوائية لتناول مقدار كبير منه. والعثور على العوامل الجزيئية الفاعلة في هذا الشأن سيكون أمرًا حاسمًا، مع كون البروتين المفقود الأبرز هو الناقل الذي يحمل السَّكسينيت إلى داخل الدهون البُنِّية.

وبطبيعة الحال، يختلف البشر عن الفئران من نواحٍ عديدة. وأحد الفروق الأكثر وضوحًا هو حجم أجسادنا الأكبر، الذي يرتبط بكون نسبة مساحة سطح الجسم إلى الكتلة لدينا أقل. ونتيجة لذلك، فإنّ قُدْرتنا على الحفاظ على دفء أجسادنا أفضل من قدرة الفئران، لكنّ قدرتنا على التخلص من الحرارة أسوأ منها. وربما كانت هذه هي الأسباب وراء تشكيل الدهون البُنِّية نسبة أقل بكثير من كتلة أجسادنا مقارنةً بالفئران8 وإضافة إلى ذلك، فإننا نفقد الدهون البُنِّية مع تقدُّمنا في العمر، وقد يحدّ ذلك من الدرجة التي قد يؤدي بها تنشيط العمليات الاستقلابية في الدهون البُنِّية إلى تغيير استهلاك السعرات الحرارية. ووفقًا لذلك، قد تكون هناك حاجة إلى إيجاد نهج تكميلي يتمثل في وسائل لتحفيز خصائص الدهون البُنِّية في الدهون البيضاء الموجودة5. وسيكون من المثير للاهتمام أن نرى ما إذا كان يمكن للسَّكسينيت أن يحفز حرق السعرات الحرارية بشكل كبير في البشر، أم لا.

وبالرجوع خطوة إلى الوراء، نجد أن مواد دورة حمض ثلاثي الكربوكسيل الوسيطة الموجودة في مجرى الدم لم تكن تُعتبر من قبل عوامل رئيسة في عمليات الاستقلاب، إلا أن العديد منها موجود في الدورة الدموية بمستويات مرتفعة، وبعضها - مثل السترات - يتدفق إلى مجرى الدم ويخرج منه بدرجة أكبر من السَّكسينيت9. واكتشاف أن السَّكسينيت الموجود في الدم له دور استقلابي واضح المعالم - وربما مهم من الناحية الطبية - يزيد من احتمال أن يتضح بشكل أعمّ أن مواد دورة  حمض ثلاثي الكربوكسيل الوسيطة هي عوامل استقلابية فاعلة وحيوية. 

References

  1. Mills, E. L. et al. Nature 560, 102–106 (2018). | article
  2. Cannon, B. & Nedergaard, J. Physiol. Rev. 84, 277–359 (2004). | article

  3. Rosen, E. D. & Spiegelman, B. M. Cell 156, 20–44 (2014). | article
  4. Nedergaard, J., Ricquier, D. & Kozak, L. P. EMBO Rep. 6, 917–921 (2005). | article
  5. Harms, M. & Seale, P. Nature Med. 19, 1252–1263 (2013). | article

  6. Carey, A. L. et al. Diabetologia 56, 147–155 (2013). | article
  7. Chouchani, E. T., Kazak, L. & Spiegelman, B. M. J. Bio. Chem. 292, 16810–16816 (2017). | article

  8. Enerbäck, S. Cell Metab. 11, 248–252 (2010). | article
  9. Hui, S. et al. Nature 551, 115–118 (2017). | article 

شينج هوي، وجوشوا دي. رابينوفيتز يعملان في معهد لويس سيجلر لعلم الجينوم التكاملي، وفي قسم الكيمياء بجامعة برنستون، برنستون، نيو جيرسي 08544، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: shui@princeton.edu؛ joshr@princeton.edu