أخبار

تفشٍّ وبائي قاتل يضع قدرات هيئة الصحة النيجيرية تحت الاختبار

عززت الإصلاحات التي أُجريت عقب انتشار وباء الإيبولا قدرة نيجيريا على تعقب الأمراض.

إيمي ماكسمِن
  • Published online:
الباحثون في نيجيريا يسارعون لتحديد حالات الإصابة بحمى لاسا، وفهم السبب الذي جعل التفشي الحالي والمستمر لهذا الوباء هو الأسوأ على الإطلاق.

الباحثون في نيجيريا يسارعون لتحديد حالات الإصابة بحمى لاسا، وفهم السبب الذي جعل التفشي الحالي والمستمر لهذا الوباء هو الأسوأ على الإطلاق.

PIUS UTOMI EKPEI/AFP/GETTY

يكشف تفشٍّ غير مسبوق لمرض فيروسي قاتل في نيجيريا عن قدرات جديدة لهيئة الصحة العامة في البلاد. فقد أدت الإصلاحات التي أُجريت منذ انتشار وباء الإيبولا المدمر الذي ضرب غرب أفريقيا في عام 2014 إلى تغيير الطريقة التي تستجيب بها نيجيريا للأمراض المُعدية، بما في ذلك التفشي الوبائي الحالي لفيروس "لاسا".

منذ الأول من يناير من العام الجاري، أصابت حُمّى لاسا 365 شخصًا؛ وأدّت إلى وفاة 81 شخصًا، ما يجعلها أكبر تفشٍّ وبائي مُسجَّل لهذا الفيروس في نيجيريا. لكنّ خبراء الصحة العامة يقولون إن عدد الضحايا كان من الممكن أن يصبح أكثر بكثير، لو لم تعزِّز نيجيريا من قدرات مركز مكافحة الأمراض النيجيري (NCDC) على مدى السنوات القليلة الماضية. فقد زاد عدد العاملين في المركز، الذي يمثّل خط الدفاع الأول ضد تفشي الأمراض في نيجيريا، من 30 طبيبًا تقريبًا في عام 2011 إلى أكثر من 130 عالمًا من علماء الأوبئة والأحياء الدقيقة وغيرهم من المتخصصين في الوقت الحاضر. ويعمل المركز على نشر أدوات متطورة لإدارة البيانات، وبناء مختبرات تشخيصية؛ لمراقبة التفشي الوبائي الحالي، والاستعداد للمستقبل.

وكان من المتوقع أن توافق الحكومة النيجيرية في وقت لاحق من هذا العام على تشريع يجعل مركز مكافحة الأمراض النيجيري هيئة مستقلة ذات ميزانية خاصة، وصلاحيات لاتخاذ القرار.

يقول كينجسلي أوكواجا، وهو طبيب في المستشفى التعليمي الفيدرالي في أباكاليكي بولاية إيبوني، التي تُعَد إحدى بؤر التفشي الحالي لوباء لاسا: "لقد أصبح مركز مكافحة الأمراض النيجيري أكثر قوة وسرعة". ويضيف: "لقد حضروا بسرعة مُرْتدِين ألبسة واقية، وأرسلوا علماء الأوبئة للكشف عن مصدر تفشي الوباء، وتحديد جهات الاتصال بالمرضى الذين قد يكونون مصابين بالمرض".

تقع حوادث تفشي حمى لاسا بانتظام في غرب أفريقيا، حيث يحمل الجرذان الفيروس. ويمكن لأي شخص مصاب به نقله إلى الآخرين من خلال الدم، والبول، وسوائل الجسم الأخرى. وتشمل أعراض المرض: الحمى، وأحيانًا النزيف الداخلي الذي قد يؤدي إلى الوفاة.

كان وباء الإيبولا المتفشي في الفترة ما بين عامي 2014، و2016 - وهو فيروس يمكن أن يسبب أعراضًا قاتلة مماثلة لوباء لاسا – قد أدّى إلى الإسراع من التحوّل الذي شهده مركز مكافحة الأمراض النيجيري. يقول الرئيس التنفيذي للمركز الذي يعمل في أبوجا، تشيكوي إيكويزو، إن المركز قد بدأ العمل في عام 2011 بطاقم طبي يفتقر إلى التدريب على التعامل مع الأوبئة، أو سلطة التصرف بسرعة للحدّ من انتشارها.

وفي يوليو 2014، أصبحت نيجيريا جزءًا من فاشية الإيبولا، عندما دخل رجل مصاب بالفيروس إلى البلاد في لاجوس، وهي أكبر مدينة في نيجيريا. ورغم أنه في النهاية أصيب 19 شخصًا فقط بالعدوى، فإن العديد من المواطنين النيجيريين شعروا بأن بلادهم قد تخطت الكارثة بشق الأنفس. زار الرجل عيادة خاصة شهيرة في لاجوس، شُخِّصت فيها حالته على الفور. وربما لم يكن هذا ليحدث، لو كان قد دخل أحد المستشفيات العامة التي تخدم عددًا كبيرًا من سكان نيجيريا، وتفتقر في الغالب إلى المعدّات، والأطباء، والممرضين.

بالإضافة إلى ذلك.. كانت المنظمات الصحية الدولية مستعدة لمساعدة السلطات النيجيرية، لأنها كانت قد تنبهت بالفعل إلى أزمة وباء الإيبولا المتصاعدة في ليبيريا، وسيراليون، وغينيا.

يقول إيكويزو، الذي تولى قيادة مركز مكافحة الأمراض النيجيري في عام 2016، وغيّر الطريقة التي يعمل بها المركز: "لقد كنا محظوظين للغاية". فقد أقنع إيكويزو السياسيين بمَنْح المركز مزيدًا من الاستقلالية؛ لتزويد كبار المسؤولين الحكوميين بمعلومات عن تفشي المرض، دون القلق من التداعيات السياسية. كما حسَّن إيكويزو طريقة تفاعل المركز مع الجمهور، حيث يَستخدِم المركز محطات التلفاز والراديو، ووسائل التواصل الاجتماعي؛ لتثقيف الناس بمعلومات عن الصحة العامة. ويتضمن ذلك مكافحة المعلومات الخاطئة حول كيفية انتشار أمراض معينة، مثل لاسا.

يقول إيكويزو: "لم نصل بعد إلى حيث نريد، لكننا تقدمنا بالفعل أميالًا على الوضع الذي كنا فيه في السابق".

التحري عن الأمراض

في الوقت الحالي، يحاول باحثو المركز المعنيون بالصحة العامة فهْم السبب وراء اتساع نطاق التفشي الحالي لفيروس لاسا. يجمع العلماء عينات من الفيروس؛ لمعرفة ما إذا كان انتقاله قد أصبح أسهل، أم لا. ويستكشفون كذلك فرضيات أخرى، مثل ما إذا كان الناس يعيشون على مقربة من الجرذان الأفريقية الشائعة (Mastomys natalensis) التي يمكنها حمل الفيروس، أم لا.

يُقِيم كذلك العاملون في مركز مكافحة الأمراض النيجيري بِنْية تحتية، ونظمًا طويلة الأجل؛ لمكافحة هذا التفشي الوبائي وغيره من حوادث التفشي القادمة. وينسق المركز استجابته في مركز لعمليات الطوارئ، أُنشئ على غرار "غرف الحرب"، التي انتشرت في أثناء تفشي وباء شلل الأطفال، ووباء الإيبولا. ويراقب الموظفون الحالات المشتبه فيها، والمحتمَلة، باستخدام برنامج يسمى «سورماس» SORMAS، يعمل على أجهزة الحاسوب اللوحية والهواتف الذكية. وقد طُوّر هذا البرنامج استجابةً لطريقة الورقة والقلم البطيئة المُستخدَمة في تعقب فيروس الإيبولا.

ورغم ذلك.. فما زال مركز مكافحة الأمراض النيجيري يواجه بعض التحديات الكبيرة. يقول أوكواجا إنّ ولايات كثيرة من الولايات النيجيرية تفتقر إلى مرافق لتشخيص الأمراض بسرعة، مثل لاسا، وإيبولا، ما يصعِّب مهمة هيئة الصحة العامة في مكافحة تفشي الأمراض منذ البداية. ففي يناير الماضي، توفي ثلاثة من زملائه في المستشفى في أباكاليكي، بسبب حمى لاسا، حيث تعرضوا للفيروس خلال الأربعة أيام التي كانوا ينتظرون فيها نتائج اختبار العينات التي كان لا بد من شحنها إلى خارج الولاية لمعالجتها.

ومؤخرًا، تم تقليص فترة الانتظار هذه إلى 24 ساعة؛ حيث شيّد مركز مكافحة الأمراض النيجيري مختبرًا في ولاية إيبوني، يحتوي على المعدات اللازمة للكشف عن حمى لاسا. ويُعَد هذا المرفق - الذي بدأ العمل في شهر مارس - هو رابع مختبر من نوعه في نيجيريا.

يقول ريتشارد جارفيلد، عالِم الأوبئة الذي يعمل مستشارًا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها: "في بعض الأحيان، يجب أن تسوء الأمور، قبل أن تبدأ في التحسن". ويضيف: "تقريبًا كل الإنجازات الكبيرة التي حققناها في مجال علم الأوبئة كانت استجابةً لمشكلةٍ لم نكن نعرف كيف نتعامل معها".