افتتاحيات

البيانات الضخمة بحاجة إلى ثورة في الأجهزة

الذكاء الاصطناعي يقود الموجة القادمة من ابتكارات أشباه الموصّلات.

  • Published online:

تركز التطورات في مجال الحوسبة عادة على برمجيات معينة: التطبيقات والبرامج البراقة التي يمكن أن تتتبع صحة الأفراد والنظم البيئية، وتحلل البيانات الضخمة، وتهزم الأبطال مِن البشر في لعبة "جو" Go. في الوقت نفسه، غدت الجهود المبذولة من أجل إحداث تغييرات جذرية في الأجهزة التي تشكل الأساس الذي يقوم عليه كل هذه الابتكارات غير ملحوظة نسبيًّا.

ومنذ مطلع هذا العام، أعلنت مؤسسة بحوث أشباه الموصّلات (SRC) – وهي إتحاد مكون من شركات، ومؤسسات أكاديمية، وهيئات حكومية، تساعد على تحديد ملامح مستقبل أشباه الموصلات – عن تأسيس ستة مراكز جامعية جديدة. وفي ضوء ما عاينته الشركات الكبرى لتصنيع الشرائح من توسُّع لنشاط شركة البرمجيات العملاقة «جوجل»؛ لتشمل بحوث الأجهزة في الذكاء الاصطناعي، شرعت هذه الشركات في التحرك؛ من أجل استعادة عرشها على هذا المجال. وبينما تقوم بذلك، فإنها تُتابِع بعين ثاقبة بدء تحولات مهمة؛ ما يمكن أن يُقال عنه أول تحول كبير في الهيكليات منذ ظهور الحوسبة.

ومن شأن ذلك أن يشكل أهمية خاصة للعلوم؛ فالبحوث في مجالات مختلفة، بدءًا من علم الفلك، وفيزياء الجزيئات، وحتى علم الأعصاب، وعلم الجينوم واكتشاف الدواء، سترغب في استخدام الذكاء الاصطناعي؛ لتحليل أنماط مجموعات البيانات الضخمة، والتوصل إليها. لكنّ هذا يضع متطلبات جديدة على عاتق أجهزة الحاسوب التقليدية؛ فهيكلة فون نيومان التقليدية تحتفظ بوحدات تخزين البيانات داخل أجهزة الحاسوب بمعزل عن وحدات معالجة البيانات. ويستهلك نقل المعلومات ذهابًا وإيابًا بين هذه الوحدات وقتًا، وطاقة، فضلًا عن أنه يعوق الأداء.

ولتحقيق الاستفادة من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، يتطلع مهندسو الأجهزة إلى تصميم حواسيب تتغلب على العوائق التي يفرضها تصميم فون نيومان؛ وستكون هذه خطوة كبيرة إلى الأمام. فعلى مدار عقود، كان التقدم في مجال الحوسبة مدفوعًا بتقليص حجم المكونات، مسترشدًا بتنبؤ جوردون مور بأن عدد الترانزستورات في الشريحة يتضاعف تقريبًا كل عامين؛ ما يعني عمومًا أن قوة المعالجة كانت تتضاعف هي الأخرى.

وتتشابه أجهزة الحاسوب الحديثة قليلًا مع الأجهزة القديمة التي كانت تَستخدِم البطاقات المثقبة لتخزين المعلومات، والمُرَحِّلات الميكانيكية لإتمام العمليات الحسابية. وتحتوي الدوائر المدمجة الآن على ترانزستورات صغيرة للغاية، حتى إنه يمكن وضع أكثر من 100 مليون منها على رأس دبوس، ورغم كل هذا، يظل التصميم الأساسي لذاكرة ومعالجة منفصلتين كما هو، وهو ما يحدّ مما يمكن تحقيقه.

وربما يتمثل أحد الحلول في دمْج وحدات الذاكرة والمعالجة، لكنّ إنجاز المهام الحاسوبية داخل وحدة ذاكرة يمثل تحديًا تقنيًّا جسيمًا.

أما بحوث برنامج "ألفا جو" AlphaGo الخاص بشركة «جوجل»، فتُظْهِر أن ثمة طريقة ممكنة ومختلفة للمضي قدمًا. فقد أنتجت الشركة جهازًا جديدًا، يسمَّى "وحدة معالجة الموتر"، بهيكل يمكِّن من إنجاز عمليات أكثر بكثير في وقت واحد. يزيد هذا النهج - المؤدي إلى المعالجة المتوازية - بشكل كبير من كفاءة سرعة وطاقة العمليات الحسابية، التي تتطلب استخدامًا مكثفًا للحوسبة. كما أن التصميمات التي تخفف الاحتياج الشديد إلى عمليات حسابية دقيقة، وخالية من الأخطاء – وهو تغيير في الاستراتيجية، يُعرف بالحوسبة التقريبية – يمكن أن تزيد هذه الفوائد بدرجة أكبر.

ونتيجة لذلك، شهد استهلاك الطاقة من قِبَل برامج الذكاء الاصطناعي، مثل برنامج "ألفا جو"، تطورًا جذريًّا، لكن زيادة كفاءة استخدام طاقة هذه الأجهزة أمر ضروري ليصبح الذكاء الاصطناعي متاحًا على نطاق واسع.

ويُعتبر الدماغ البشري المعالج الأكثر كفاءة في استخدام الطاقة؛ ولذا، فإنه من الطبيعي أن يحاول مطورو الأجهزة محاكاته. ويهدف نهج يُعرف بالحوسبة العصبية (neuromorphic computing) إلى تحقيق ذلك تحديدًا، عبر تقنيات تسعى إلى محاكاة التواصل والمعالجة الموجودين في الجهاز العصبي الحيوي. وقد أظهرت بالفعل أنظمة حوسبة عصبية عديدة قدرتها على محاكاة مجموعات من الخلايا العصبية في إنجاز مهام، كالتعرف على الأنماط مثلًا.

وكل هذه التطورات لا تزال في مهدها، وقد تدخلت الآن مؤسسة بحوث أشباه الموصلات، لتحاول تطوير هذه الأجهزة. ففي إطار برنامج الإلكترونيات الدقيقة الجامعي المشترك، وضعت المؤسسة جُلّ تركيزها في تطوير هياكل الأجهزة. وعلى سبيل المثال، سيقوم مركز جديد في جامعة بوردو في مدينة غرب لافاييت، بولاية إنديانا، بالبحث في الحوسبة العصبية، كما سيطوِّر مركز آخر في جامعة فرجينيا في مدينة شارلوتسفيل طرقًا للاستفادة من ذاكرة الحاسوب في الحصول على قوة معالجة إضافية.

وهذه المهمة التكنولوجية ضخمة بلا شك. ولذلك، فإنه من المشجع أن نرى مؤسسة بحوث أشباه الموصلات - التي كانت تتمركز عادة حول الولايات المتحدة الأمريكية - تفتح أبوابها الآن. وعلى إثر ذلك، انضمت إليها شركة «سامسونج» الكورية الجنوبية في نهاية عام 2017، لتصبح الشركة الأجنبية الخامسة التي اشتركت خلال العامين الماضيين؛ فيما يمثل بادرة تعاون طيبة، لكنّ عمل المنافسين التجاريين معًا بهذه الطريقة يشير أيضًا إلى مدى الصعوبة التقنية التي يراها قطاع الصناعة في مسألة تطوير نظم أجهزة جديدة.

ومع تطور هذه البحوث، تتطلع دورية Natureإلى تغطية التقدم في المجال، ونشر النتائج. ونرحب بالبحوث التي ستمكِّن ظهور هيكليات حوسبية تتفوق على هيكلة فون نيومان، مثل مكونات الشرائح العصبية، والمعالجة داخل الذاكرة. وينتظر علماء ذوو تخصصات عديدة نتيجة ذلك، إذ يتطلعون إلى وجود أجهزة حاسوب قوية بما يكفي؛ لتفحص جميع البيانات الجديدة التي عثروا عليها حديثًا. ولهذا، سيتعين عليهم الانتظار لبعض الوقت، وعسى أن يكون الانتظار مجديًا.