أنباء وآراء

التكنولوجيا الحيوية: التحرير الجيني يقي من الصمم

يمكن للتحرير الجيني أن يقي من الصمم الموروث عند الفئران، عن طريق تعطيل نسخة طافرة من جين يسبب فقدان السمع. فهل يُعَد ذلك نقطة تحوُّل على طريق معالجة بعض أنواع الصمم في البشر؟

فيودور أورنوف

  • Published online:

عندما أدرك الموسيقار، البالغ من العمر 32 عامًا، لودفيج فان بيتهوفن أن سمعه أخذ يضعف، كتب إلى أخويه قائلًا: "لقد أصبحَت حياتي جرداء.. تمامًا كما تذبل أوراق الخريف وتتساقط إلى الأرض". ورغم أن سبب صمم بيتهوفن غير معروف، تُوجد أمثلة عديدة على فقدان السمع في مرحلة متقدمة من العمر، ترتبط بتغيّرات موروثة في الحمض النووي. والآن، بعد مرور قرنين، بدأت تقنيات الوقاية من الأشكال الموروثة من الصمم تقترب أخيرًا من تطبيقها في العيادات. يشير جاو وزملاؤه1 - في بحثهم المنشور في دورية Nature - إلى تقدُّم محرَز في استخدام تقنية التحرير الجيني لعلاج فأر نموذج للصمم الموروث. وبالنظر إلى الزخم المتنامي في استخدام الهندسة الوراثية للعلاج البشري، يبدو المسار اللازم لنقل هذا النهج إلى العيادات واضحًا.

تحدث عملية استشعار الصوت المميزة في الأذن الداخلية2، إذ تستجيب للموجات الصوتية بِنى دقيقة تشبه الشعر - وتُسمَّى الأهداب - على سطح الخلايا المُشعّرة في قوقعة الأذن. وتحفّز حركة هذه الأهداب إطلاق إشارة كهربائية، إذ إن خصائص تجمُّع بروتيني معين عند قاعدة كل هدب تتغير عند حدوث هذه الحركة. ويُعتقَد3 أن بروتين TMC1 يشكّل جزءًا من هذا التجمع لدى البشر، وأن بعض طفرات جين TMC1 يسبب فقدان السمع عند الناس بمرور الوقت. تبدأ الأعراض في مرحلة الطفولة، ثم يتبع ذلك صمم مصحوب بتنكّس الخلايا المُشعّرة وموتها في غضون 10 إلى 15 سنة4.

حلل جاو وزملاؤه سلالة فئران بيتهوفن، التي تحمل فيها الحيوانات طفرة في جين Tmc1 تسبِّب لها الصمم مع مرور الوقت5. ولُوحظ تطابق طفرة الفئران التي درسوها مع طفرة في جين TMC1 البشري ترتبط أيضًا بفقدان السمع التدريجي6. وهي طفرة سائدة، ما يعني أنه حتى لو كانت نسخة واحدة فقط من نسختي الجين في الشخص تحمل الطفرة، فسوف يصاب بالصمم. وتُنتِج النسخة الطافرة من الجين بروتينًا مَعيبًا، يؤدي - بصورة ما - إلى خلل في وظيفة الخلية، رغم أن الخلية تحمل أيضًا نسخة برية النمط من الجين7.

وإصلاح الصمم المرتبط بطفرة سائدة أمر حساس؛ إذ ينبغي تعطيل الجين الطافر مع الحفاظ على الجين بري النمط الموجود داخل الخلية نفسها. وليس هذا بالأمر البسيط، لأن نيوكليوتيدًا واحدًا فقط من الحمض النووي يميّز بين نسختي الجين TMC1 (الشكل 1). وإحدى طرق فهم هذا الأمر هي أن تتخيُّل ثنائية غنائية بين شخصين يحاولان الغناء في تناغم؛ فإذا كان أحد الشخصين يغني خارج نسق اللحن، يجب حينها إسكاته هو فقط للسماح بظهور اللحن الصحيح، لأن إسكات كلا المغنيين سيوقف الموسيقى تمامًا.

الشكل 1 | التحرير الجيني في الفئران يمكنه الوقاية من فقدان السمع الموروث. درس جاو وزملاؤه1فأرًا نموذجًا لفقدان السمع في مرحلة متقدمة من العمر، بسبب نسخة طافرة من الجين Tmc1. وهذه الطفرة مماثلة لطفرة أخرى في النسخة البشرية من الجين المرتبط بالصمم. يصاحب فقدان السمع موت الخلايا المُشعّرة في الأذن الداخلية، التي تستشعر الصوت باستخدام نتوءاتها الهدبية. حقن الباحثون آذان فئران مولودة حديثًا بمُكَوِّني التحرير الجيني، وهما: إنزيم نوكلييز «كاس9» الذي يمكنه قطع الحمض النووي، وحمض نووي ريبي موجِّه، يوجه «كاس9» نحو النسخة الطافرة من الجين Tmc1 في نوى الخلية المُشعّرة. وجُمِع هذان المكوّنان في قطيرة من الدهون تلتحم بالخلايا؛ لتمكّن مكونات التحرير الجيني من الدخول. وتحمل النسخة الطافرة من الجين Tmc1 نيوكليوتيد من الأدينين (A، المشار إليه باللون الأحمر في تسلسل النيوكليوتيد الطافر) في موضع نيوكليوتيد الثيامين (T) في نسخة النمط البري من الجين. وقد عطل التحرير الجيني النسخة الطافرة – انتقائيًّا - عن طريق آليات معينة، مثل حذف النيوكليوتيد. وتعبِّر الخلايا المُحررة عن النمط البري فقط من بروتين Tmc1 (الأبيض)، ولا تعبِّر عن النسخة الطافرة (الحمراء).

الشكل 1 | التحرير الجيني في الفئران يمكنه الوقاية من فقدان السمع الموروث. درس جاو وزملاؤه1فأرًا نموذجًا لفقدان السمع في مرحلة متقدمة من العمر، بسبب نسخة طافرة من الجين Tmc1. وهذه الطفرة مماثلة لطفرة أخرى في النسخة البشرية من الجين المرتبط بالصمم. يصاحب فقدان السمع موت الخلايا المُشعّرة في الأذن الداخلية، التي تستشعر الصوت باستخدام نتوءاتها الهدبية. حقن الباحثون آذان فئران مولودة حديثًا بمُكَوِّني التحرير الجيني، وهما: إنزيم نوكلييز «كاس9» الذي يمكنه قطع الحمض النووي، وحمض نووي ريبي موجِّه، يوجه «كاس9» نحو النسخة الطافرة من الجين Tmc1 في نوى الخلية المُشعّرة. وجُمِع هذان المكوّنان في قطيرة من الدهون تلتحم بالخلايا؛ لتمكّن مكونات التحرير الجيني من الدخول. وتحمل النسخة الطافرة من الجين Tmc1 نيوكليوتيد من الأدينين (A، المشار إليه باللون الأحمر في تسلسل النيوكليوتيد الطافر) في موضع نيوكليوتيد الثيامين (T) في نسخة النمط البري من الجين. وقد عطل التحرير الجيني النسخة الطافرة – انتقائيًّا - عن طريق آليات معينة، مثل حذف النيوكليوتيد. وتعبِّر الخلايا المُحررة عن النمط البري فقط من بروتين Tmc1 (الأبيض)، ولا تعبِّر عن النسخة الطافرة (الحمراء).

كبر الصورة

والتحرير الجيني هو التقنية المختارة لتخليص خلية مُشعّرة من النسخة الطافرة من جين ما8. يتضمن ذلك استخدام إنزيم نوكلييز، لقطع تسلسل حمض نووي مستهدَف في الجين المحدد داخل الخلية الحية. ويسبب القطع كسرًا في الشريط المزدوج للحمض النووي، وتؤدي غالبًا عملية الإصلاح إلى أخطاء، تُضاف أو تُزال فيها نيوكليوتيدات. ويمكن لهذا التغيير أن يغيّر التسلسل بطريقة قد تسبب إيقافًا سابقًا لأوانه لعملية الترجمة، وبالتالي منع التعبير الجيني.

استخدم مؤلفو البحث إنزيم نوكلييز المسمّى «كاس9» Cas9، الذي يقطع الحمض النووي في موقع محدد باستخدام قصاصة من الحمض النووي الريبي ترتبط بكلٍّ من الإنزيم والحمض النووي المستهدف9. ويُعرَف هذا النهج أيضًا باسم "التحرير الجيني بتقنية «كريسبر-كاس» CRISPR–Cas". يتطابق الحمض النووي الريبي الموجِّه مع نسخة الجين الطافرة، لا نسخته برية النمط، وهذا ما مكّن جاو وزملاءه من حل مشكلة التأكد من قطع الشكل الطافر من الجين، مع عدم المساس بنسخته برية النمط.

وتَمَثَّل تحدٍّ آخر في إدخال «كاس9» إلى الأذن الداخلية. يعتمد عادةً نهج التحرير الجيني في الجسم الحي على الفيروسات، لإدخال تسلسلات مُرمِّزة للنوكلييز إلى الكائن الحي الخاضع للتحرير الجيني10،11، لكنّ جاو وزملاءه استنتجوا أنه بعد إنجاز النوكلييز لمهمته في الخلية، لن تكون هناك حاجة إليه. ومن ثم، يصبح إدخال البروتين نفسه كافيًا. فلجأوا إلى تقنية كانوا قد استخدموها من قبل12، حيث غلّفوا بروتين «كاس9» المرتبط بالحمض النووي الريبي الموجِّه له في نوع من قطيرات الدهون التي يمكنها الالتحام مع الخلايا، ما مَكّن من إدخال آلية التحرير. وحقن الباحثون هذه القطيرات في الأذن الداخلية لفئران مولودة حديثًا من سلالة فئران بيتهوفن.

كانت الآذان الداخلية لفئران سلالة بيتهوفن البالغة غير المحررة جينيًّا خالية من الخلايا المُشعّرة؛ إلا أن أشقائها البالغين المُحررين جينيًّا كانوا يملكون خلايا مُشعّرة في آذانهم الداخلية، التي لم يكن ممكنًا تمييزها تمامًا تقريبًا من حيث الشكل والعدد عن تلك الموجودة في الفئران برية النمط. لذا كانت الحيوانات المحررة جينيًّا تغفل من الضوضاء الصاخبة المفاجئة، بينما لم يحدث ذلك للفئران غير المحررة. وأكدت قياسات أكثر تطورًا أيضًا أن السمع تحسَّن، نتيجة التحرير الجيني. والأمر المشجّع كذلك أن النوكلييز المصمم بقي على ما يبدو سليمًا، ولم يُحدِث تغييرات جينية مُقلقة غير مرغوب فيها في الحمض النووي للخلايا المُشعّرة.

حُرِّر جينيًّا عدد صغير من الخلايا. ويفترض الباحثون أن هذه النسبة المنخفضة من الخلايا المُحررة جينيًّا أحدثت تأثيرًا مفيدًا يشبه "الهالة" على الخلايا المجاورة غير المحررة، التي كانت لا تزال تحتوي على الشكل الطافر من الجين؛ ما ساعد على منع موت هذه الخلايا المجاورة، وتنكُّسها. وعلى الرغم من أن الآلية الكامنة وراء تأثير الهالة المفترَض هذا غير واضحة، فإن النتيجة التي تم التوصل إليها تشجع على تطبيق هذا النهج في العيادات، لأنها تشير إلى أنه قد لا توجد حاجة إلى إصلاح جميع الخلايا المُشعّرة جينيًّا، لإحداث تأثير مفيد على السمع.

يوفر عمل جاو وزملائه خطوة أولى أساسية نحو دفع هذا النهج أكثر في اتجاه التطبيق في العيادات، عن طريق تقديم أدلة على أمانه وفعاليته في حيوان يحمل طفرة جينية مماثلة للموجودة في البشر، ويعاني من فقدان سمع مشابِه لذلك الذي يصيبهم. فكم سيمضي من الوقت قبل أن يصبح علاج الأفراد الذين يحملون هذه الطفرة في الجين TMC1 ممكنًا باستخدام التحرير الجيني؟ يأتي أحد أسباب التفاؤل في هذا الشأن من وتيرة وصول أساليب التحرير الجيني الأخرى إلى العيادات.

لإعطاء بضعة أمثلة فقط من التجارب الإكلينيكية، تم تعطيل الجين CCR5 في خلايا الجهاز المناعي، باستخدام نوع من الإنزيم يُسمَّى نوكلييز أصابع الزنك، في محاولة للحدّ من الحمل الفيروسي لدى أشخاص مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية13. كما تم تحرير الخلايا المناعية، لتوليد خلايا تستهدف السرطان14. لكنّ هذه التقنيات تتطلب إزالة الخلايا من جسم المريض، لتحريرها جينيًّا، ثم إعادتها إلى الجسم. هذا.. ولا يمكن إزالة خلايا الأذن. ولذا تبرز الحاجة إلى نهج مباشر يُستخدم في الجسم الحي، الأمر الذي يُعَد أكثر صعوبة من التحرير الجيني خارج الجسم.

والأمر المشجّع هنا هو أن التحرير الجيني بهذه الطريقة في الجسم الحي قد أُجري (لحالة مختلفة) في تجربة إكلينيكية باستخدام نوكلييز أصابع الزنك15. ويوضح العمل المؤدي إلى ذلك16 الخطوات التالية لنهج جاو وزملائه. فيجب العثور على إنزيم نوكلييز يتمتع بفعالية إكلينيكية وتخصصية في الخلايا البشرية. ويجب تحديد الدهون التي يمكن حقنها بأمان إلى جانب النوكلييز في أذن الإنسان الداخلية. وبعد ذلك.. يجب اختبار سلامة هذا الإنزيم في حيوانات أكبر، مثل الرئيسيات. وقد أُوصي بتقديم علاج جيني فيروسيّ الأساس في الجسم الحي، يُحقَن مباشرة في العين17؛ للحصول على موافقة عليه في الولايات المتحدة. ومن شأن هذا العمل أن يرسم خريطة طريق للاعتبارات العلمية، والطبية، والتجارية، التي يجب وضعها في الاعتبار عند الانتقال إلى التطبيق في العيادات.

في عام 1902، بدأ الطبيب أرشيبالد جارود أول دراسة أثبتت وجود صلة بين جين ومرض. ومنذ ذلك الحين، تمّ ربط أكثر من 5 آلاف مرض بتغيرات الجين الواحد، لكن مِن دون أدوات تعديل أشكال الجينات المسبِّبة للأمراض، لم يتمكن علماء الوراثة - في كثير من الأحيان - من رؤية معرفتهم منتفَعًا بها إكلينيكيًّا. لكنّ التقدّم الذي يتحقق بفضل تحرير الجينوم يغيّر هذا الأمر. فعلى الرغم من أن بيتهوفن لم يسمع قَطّ سيمفونيته الشهيرة "أنشودةالفرح" Ode to Joy، فقد يكون هو السبب - والشكر يعود في جزء ليس بالقليل إلى مواجهة مصيرية بين سلالة الفئران التي تحمل اسمه و«كاس9»- الذي يجعلنا نقترب من اليوم الذي يمكن فيه علاج الأفراد الحاملين لطفرات مسبِّبة للصمم، عن طريق التحرير الجيني لوقايتهم من فقدان السمع.

References

  1. . Gao, X. et al. Nature 553, 217–221 (2018). | article
  2. . Fettiplace, R. & Kim, K. X. Physiol. Rev. 94, 951–986 (2014). | article
  3. Kawashima, Y. et al. J. Clin. Invest. 121, 4796–4809 (2011). | article
  4. . Kurima, K. et al. Nature Genet. 30, 277–284 (2002). | article
  5. Zhao, Y. et al. PLoS ONE 9, e97064 (2014). | article
  6. Vreugde, S. et al. Nature Genet. 30, 257–258 (2002). | article
  7. Pan, B. et al. Neuron 79, 504–515 (2013). | article
  8. Carroll, D. Annu. Rev. Biochem. 83, 409–439 (2014). | article
  9. Jiang, F. & Doudna, J. A. Annu. Rev. Biophys. 46, 505–529 (2017). | article
  10. Li, H. et al. Nature 475, 217–221 (2011). | article
  11. Ran, F. A. et al. Nature 520, 186–191 (2015). | article
  12. Zuris, J. A. et al. Nature Biotechnol. 33, 73–80 (2014). | article
  13. Tebas, P. et al. N. Engl. J. Med. 370, 901–910 (2014). | article
  14. Qasim, W. et al. Sci. Transl. Med. 9, eaaj2013 (2017). | article
  15. https://clinicaltrials.gov/ct2/show/NCT03041324 
  16. Sharma, R. et al. Blood 126, 1777–1784 (2015). | article
  17. Russell, S. et al. Lancet 390, 849–860 (2017). | article

فيودور أورنوف يعمل في معهد ألتيوس للعلوم الطبية الحيوية في سياتل، واشنطن 98121، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: urnov@altius.org