افتتاحيات

الإسراع بتحقيق سلامة المنشآت النووية 

العوائق البيروقراطية تعرقل تقدم العلوم النووية اليابانية.

  • Published online:

لم يلحق ضررٌ كبير بمفاعل الأبحاث النووية JRR-3 الواقع في مدينة توكاي اليابانية، إثر الزلزال الذي ضرب البلاد في مارس 2011، وتوّقَّع الباحثون العاملون هناك أن يعود المفاعل إلى العمل في غضون ستة أشهر. لكن الآن، وبعد أكثر من ست سنوات ونصف، لا يزال مئات الفيزيائيين المتخصصين في المادة المكثفة وعلماء المواد والأحياء البنيوية، ينتظرون الضوء الأخضر من الجهات المنظِّمة لعمل المنشآت النووية بالبلاد لإعادة تشغيل المفاعل.

كانت موجات تسونامي العاتية التي تسبب فيها الزلزال نفسه قد أدت إلى حدوث انصهارات في ثلاثة مفاعلات تمتد على طول الساحل في محطة فوكوشيما النووية لتوليد الطاقة، وعرَّضَت مئات الأشخاص إلى مستويات عالية من الإشعاع، وغيَّرت الآراء داخل اليابان تجاه جميع المفاعلات النووية. ومنذ ذلك الحين، أُغلقت ثمانية من المفاعلات البحثية الأحد عشر الموجودة في البلاد، بما في ذلك المفاعل JRR-3.

إن هذا الخوف له ما يُبرّره. فلا يجب على الحكومة أن تضع الأبحاث قبل سلامة مواطنيها أبدًا، وفي الوقت نفسه، يتمثل الدور الرئيسي لجميع الحكومات في التفكير مليًّا في العديد من المخاطر المحتملة، بما فيها تلك التي تطال الوظائف.

حسب تقديرات اليابان، عندما استثمرت ملايين الدولارات في بناء مفاعلاتها البحثية، فإن تلك المنشآت تدعم بعضًا من الأوساط البحثية الأكثر حيوية في البلاد والأبرز على الصعيد الدولي، والتي تتألف من علماء أنتجوا دَفقًا مطّردًا من الطفرات الجوهرية، والتطبيقات المربحة. وبالنظر إلى ما تُحققه دول أخرى، لا سيِّما الصين وكوريا الجنوبية من نجاحات –حاليًا- في المجالات ذات الصلة، فإن التأخير في إعادة تشغيل تلك المنشآت يُهدِّد وظائف العديد من العلماء، فضلا عن القدرة التنافسية الدولية لليابان. ويثير هذا الأمر التساؤلات بخصوص مدى موازنة الجهات المنظِّمَة لعمل المنشآت النووية في اليابان بين المخاطر الناجمة عن المفاعلات وتكاليف ترك منشآت بحثية خصبة دون الاستفادة منها.

في ظل الانتقادات التي حاصرت هيئة تنظيم المنشآت النووية بالبلاد، والمتعلقة بالتراخي في الرقابة على مفاعلات فوكوشيما، كان من المفهوم أن ترغب الحكومة اليابانية في طمأنة شعبها بأن مفاعلاتها الأخرى ستعمل بأمان، واضطرت المفاعلات البحثية في البلاد -مثل المفاعلات المولِّدة للطاقة- إلى إغلاق أبوابها إلى حين الموافقة عليها بموجب لوائح جديدة تصدر عن الهيئة بعد إصلاحها.

كانت تلك المفاعلات البحثية تعمل بطاقة منخفضة للغاية، وأقل خطورة بكثير من نظيرتها التي تغذي شبكة الكهرباء في البلاد، وجميعها ذات مواصفات مختلفة، لذلك قررت الهيئة تبني "نهج تدريجي" حيالها. ملأ ذلك صدور الباحثين بالأمل في الحصول على موافقة سريعة عندما قدَّموا في سبتمبر 2014 طلبًا لإعادة تشغيل المفاعل JRR-3 بموجب المبادئ التوجيهية الجديدة.

ومنذ ذلك الحين، عقد القائمون على مراجعة المفاعلات اليابانية 52 اجتماعًا من اجتماعات اللجان، و158 جلسة استماع بشأن تصميم المفاعل وصموده أمام تهديدات الزلازل وموجات تسونامي العاتية. وتحوَّلت دراسة كل مفاعل على حدة إلى عملية مستهلكة للوقت دون أي مسار واضح للحصول على الموافقة. وقد وعدت خارطة طريق وُضعت عام 2016 بإعادة تشغيل المفاعلات في عام 2018. غير أن بعضهم يخشى الآن أن يتبدد هذا الأمل أيضًا.

في هذه الأثناء، سارع العلماء وطلابهم إلى إيجاد البدائل. ترسل اليابان إلى الخارج في كل عام نحو 50 باحثًا ممن كانوا يخطِّطون لاستخدام المفاعل JRR-3 لدراسة مصادر النيوترونات. وهم ينفِّذون بضع عشرات من المشاريع، أي أقل من 15% من العدد الذي كان من المقرر إجراؤه في المفاعل JRR-3. وعمد كثيرون منهم –ببساطة- إلى تغيير تخصصاتهم.

كان المفاعل JRR-3 أكثر المفاعلات البحثية نشاطًا في اليابان، بُني عام 1962 وحُدِّثَ خلال فترة التسعينيات، وعمل به نحو 1500 باحث بوكالة الطاقة الذرية اليابانية وكبرى جامعات البلاد. وفي عام 2010 -أي قبل عام واحد من إغلاقه- أُجري به نحو 300 تجربة علمية. وأسهمت الأبحاث التي أجريت داخله في نشر ما يقرب من 200 بحث سنويًّا خلال الفترة من 2006 إلى 2010.

كانت النيوترونات المنبعثة من التفاعلات النووية في المفاعل JRR-3 تُستخدَم في دراسة الهياكل الذرية للمواد. وتعد النيوترونات مكمّلة للأشعة السينية نظرًا لقدرتها على الاختراق على نحو أعمق، ولحساسيتها للعناصر الأخف وزنًا، وهو ما يجعلها ذات قيمة كبرى في دراسات المغناطيسية والموصلية الفائقة في درجات الحرارة العالية.

تلك أيضًا مجالات تتفوق فيها الدول المجاورة. ففي ديسمبر من العام الماضي، أعادت كوريا الجنوبية تشغيل مصدرها النيوتروني الرئيسي "هانارو" (HANARO) في مدينة دايجون، بعد تعديله عقب كارثة مفاعل فوكوشيما، كما كشفت الصين مؤخرًا عن مصدر نيوتروني جديد، "مصدر النيوترونات الانشطارية الصيني"، في مدينة دونج جوان.

إن التأخير في إعادة فتح المفاعلات يُفقد اليابان تفوقها، وقد بدأت الأوساط المحيطة بتلك المنشآت في التداعي، بحسب ما أفاد باحثون لدورية Nature .

تحتاج الدولة إلى إيجاد طريقة أسرع لإصلاح تلك المنشآت، وكما تشير بعض الشهادات في جلسات الاستماع، فإنه ليس من الواضح أن النهج المثقل بالاجتماعات هو ما يضمن السلامة.

إن الأمن والسلامة النووية مسألة بالغة الأهمية، غير أن وظائف مئات العلماء، وكذلك التنافسية العلمية لليابان، ينبغي أيضًا أن تؤخذ على محمل الجد.