كتب وفنون

أبحاث طبية: مكافحة داء لايم

يحتفي جيمس جي. لوجان بدراسة تتناول الحالة المرضية المثيرة للجدل التي تنقلها القرادات.

جيمس جي. لوجان 
  • Published online:
تنقل قرادات من جنس اللبوديات داء لايم.

تنقل قرادات من جنس اللبوديات داء لايم.

EYE OF SCIENCE/SPL

قهر داء اللايم: العلم يسد فجوة هائلة

بريان ايه. فالون و جينيفير ستوسكي، مطبعة جامعة كولومبيا: 2017

يضرب داء لايم أكثر من 80 دولة حول العالم، وهو أكثر الأمراض المنقولة عن طريق حشرة ناقلة للعدوى شيوعًا في نصف الكرة الأرضي الشمالي. وفي الولايات المتحدة وحدها، تحدث 300 ألف حالة إصابة جديدة بالمرض كل عام. ومع هذا فإن داء لايم -الذي يسببه نوع من بكتيريا بوريليا Borrelia تحمله قرادات من جنس اللبوديات Ixodes- يظل أحد أقل الأمراض المفهومة. وقد تسبب هذا الداء في  انقسام بين الباحثين والأطباء والمرضى، وأثار حالة شديدة من الشك والارتباك لدى العامة.

ما هو إذًا دور العلم في تحسين ما أسماه البعض "فشلًا لخدمات الصحة العامة"؟ يتناول الطبيبان برايان فالون وجينيفر سوتسكي هذا السؤال في دراستهما الفَطِنة بعنوان "قهر داء لايم" Conquering Lyme Disease، التي يستعرضان فيها تاريخ وبيولوجيا وأعراض ذلك المرض. ويتمثل الإنجاز الأعظم على الإطلاق لهما في هذه الدراسة في عرض وجهات نظر متعددة بأقل قدر من الانحياز وبدقة كبيرة: ونعني بهذا وجهات نظر الأطباء والباحثين والمرضى على وجه الخصوص.

ورغم أن عناوين الأخبار مؤخرًا تجعل داء لايم يبدو وكأنه مرض جديد، فإن أولى الحالات المُسجَّلة على الأرجح تعود إلى عام 1909: إذ ربط طبيب أمراض الجِلد السويدي أرفيد أفزيليوس بين الطفح الجلدي الممتد الذي يعاني منه أحد مرضاه (الذي أُطلق عليه لاحقًا اسم "الحُمامى المهاجرة" erythema migrans) وعضة قرادة.

وفي سبعينيات القرن العشرين، ربط طبيب الروماتيزم آلين ستير بين داء لايم والبكتيريا؛ وفي عام 1981 اكتشف عالِم الأحياء ويلي بيرجدورفر أن المرض ناتج عن الإصابة بنوع من البكتيريا يسمى "الملتوية" spirochaete. وقد أُطلق على مجموعة البكتيريا من هذه الفصيلة اسم بوريليا بيرجدورفيري Borrelia burgdorferi تكريمًا له، غير أنه لم يُبلَغ على نحو ملائم عن حالات الإصابة بالمرض في الولايات المتحدة إلا في تسعينيات القرن العشرين، من خلال منظومة مراقبة أنشأتها مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أتلانتا بولاية جورجيا.

وحسب ما يقول فالون وسوتسكي، فمنذ ذلك العقد، زادت حالات الإصابة على مستوى العالم وتحسَّنت عمليات رصد الحالات، ففي الولايات المتحدة وحدها، تضاعف عدد الحالات المعروفة ثلاث مرات منذ عام 1992. وحاليًّا.. لا يوجد لقاح بشري لهذا المرض، وتواجه الأبحاث التي تُجرى عليه صعوبات جمَّة.

ووفقًا للباحثين، فإن الصور العديدة التي يتجسد بها المرض المعروف أيضًا بأنه "مُحاكي عظيم" great immitator -إضافة إلى ما يتسم به من تعقيدات متأصَّلة- هي السبب وراء فشل الأوساط الطبية كثيرًا في العثور على أساس مشترك للتشخيص والعلاج. وتتراوح مظاهر الإصابة بهذا المرض بين انعدام الأعراض على الإطلاق إلى أعراض خفيفة شبيهة بالإنفلونزا إلى مضاعفات حادة كالتهاب المفاصل أو المخ، إضافة إلى مشكلات عصبية مستمرة.

ويتمثَّل أحد أسباب صعوبة تشخيص داء لايم في أن بعض الحالات المرضية غير المُعدية -ومنها الألم العضلي التليفي ومرض ألزهايمر- لها أعراض مشابهة. ويصبح الموقف أكثر تعقيدًا بسبب أن قرادات اللبوديات تنقل مجموعةً أخرى من العوامل المُمْرِضة، مثل الريكتسيا Rickettsia، وأنواعًا أخرى من البكتيريا والفيروسات والحيوانات الأولية، وهو ما يؤدي إلى الإصابة بأمراض مثل التيفوس، والحُمى الراجعة، وداء البابسيات، والتهاب السحايا والدماغ. وهكذا يكون التشخيص الخاطئ شائعًا للغاية.

كذلك لا يُعد العلاج بسيطًا على الإطلاق. فرغم أن المضادات الحيوية يمكنها شفاء العدوى في بعض الحالات، فإن فالون، وسوتسكي يوضِّحان أن الاختلافات الوراثية في بكتيريا بوريليا الموجودة في قارات مختلفة تجعل العلاج صعبًا. فعلى سبيل المثال، توجد ثلاثة أنواع مختلفة لتلك المجموعة البكتيرية في قارة أوروبا. ويذكر الباحثان أن كلًا من هذه الأنواع يمكنه التسبب في أعراض مختلفة لدى الأشخاص المصابين بداء لايم الذين تصل حالتهم إلى المضاعفات العصبية. ومن ثم فإن العلاج الذي يصلح لعلاج أحد أنواع البكتيريا قد لا يصلح لعلاج نوع آخر.

كما يمكن للبكتيريا الملتوية أن تبقى في الجسم حتى بعد إكمال العلاج بالمضادات الحيوية  (E. Hodzic et alAntimicrob. Agents Chemother. 52, 1728–1736; 2008). ويفترض فالون، وسوتسكي أن هذه البكتيريا ربما "تختبئ" داخل الخلايا البشرية مثلًا. ويبقى السؤال المهم هنا: هل بمقدور البكتيريا الملتوية التي تظل باقية بهذه الطريقة أن تتضاعف وتسبب المرض من جديد، أم لا؟

أيًا كانت الآلية المستخدمة، فإن التأكد من وجود الأعراض الدائمة من شأنه أن يمهد الطريق لتشخيص وعلاج ورعاية أفضل. لقد ظلَّ بعض المرضى يحاولون لسنوات إقناع أطبائهم المعالجين بأن أعراضهم تظل باقية بعد العلاج، وتنقل دراسة فالون وسوتسكي بوضوح الصعوبات والإحباطات التي يعاني منها هؤلاء المرضى. فعلى سبيل المثال، قد يخفق الأطباء السريريون في توجيه الأسئلة الصحيحة، وقد يشعر المصابون بداء لايم المزمن بالإهمال وربما تراودهم أفكار انتحارية، مما أدى إلى احتجاجات وجلسات استماع قانونية، خاصة في الولايات المتحدة.

غير أن أولئك الأشخاص -حسب رأي الباحثين- لعبوا دورًا مهمًّا في دفع فهمنا إلى ما وراء حدود التفكير التقليدي، وبذلك أعطوا دفعة للأبحاث، وبدأ الأطباء الآن يقرّون بالتعقيد الذي يتسم به داء لايم وكذلك احتياجات المرضى.

ويختتم فالون، وسوتسكي دراستهما بملحوظة إيجابية، فيستعرضان السبل المفتوحة أمام الأبحاث الجديدة في مجالات عديدة متنوعة، من التشخيص إلى اللقاحات إلى العلاجات. والأمر شديد الإلحاح هو الحاجة إلى اختبار حاسم لاكتشاف البكتيريا الملتوية التي تسبب هذا المرض المدمر.

جيمس جي. لوجان هو رئيس قسم مكافحة الأمراض في كلية لندن لعلم الصحة وطب المناطق الحارة.

بريد إلكتروني:  james.logan@lshtm.ac.uk