كتب وفنون

تعليم: الكون معروضًا على السقف

يستمتع ماريك كوكولا بسرد تاريخ القباب السماوية، التي تمزج العلم بعرض بصري أخَّاذ.

ماريك كوكولا
  • Published online:
يتعلم الزائرون عن القمر في القبة السماوية بمدينة ينا بألمانيا.

يتعلم الزائرون عن القمر في القبة السماوية بمدينة ينا بألمانيا.

Martin Schutt/Gett

مسرح النجوم: قصة القبة السماوية

ويليام فايربريس، (رياكشن: 2018)

ربما تمثل زيارة القبة السماوية في مرحلة الطفولة لحظةً فارقة في حياة المرء، حسبما أشار ويليام فايربريس في بداية كتابه Star Theatre (مسرح النجوم). إن زيارة ذلك المبنى الذي يحاول محاكاة الكون وشرح أجزائه على حد سواء، غالبًا ما تكون أول تجربة يمتزج فيها العلم بالترفيه.

يعرض كتاب «مسرح النجوم» التاريخ الثقافي للقبة السماوية وليس التاريخ العلمي، غير أنه يتمحور حتمًا حول توصيل العلوم. ويعرض الكتاب معلومات مدهشة بخصوص الكيفية التي تطوَّر بها علم الفلك من خلال القباب السماوية على مدار القرن الماضي، من كونه أداة للتعليم والتطوير الشخصي إلى عرض جماهيري أخَّاذ لإمتاع عامة الناس.

يُحدد فايربريس -الكاتب والمعماري- الأصول الروحية للقبة السماوية في مصر القديمة، إذ كان يُعتقد أن إلهة السماء -نوت- ذات الجسد المرصَّع بالنجوم، تُظلل وادي النيل. من المثير للدهشة أيضًا أن النماذج الكونية لها باع تكنولوجي طويل في عصور ما قبل التاريخ، ويشتمل ذلك على الساعات الفلكية، والكرات الأرضية الدوَّارة التي يمكن دخولها والمشي فيها، بالإضافة إلى نماذج ميكانيكية عملاقة للمجموعة الشمسية، والعديد منها كان معقدًا على نحو مدهش.

في أواخر القرن الثامن عشر، بنى إيسي إسينجا –وهو فلكي هاوٍ وجذَّاذ صوف هولندي- نموذجًا عمليًا مفصلًا للمجموعة الشمسية في غرفة معيشته، على الرغم من أن المساحة المتاحة كانت أصغر من أن تستوعب كوكب أورانوس المُكتشَف حديثًا آنذاك (وقد أصرَّت زوجة إسينجا "بيتي" أن يشتمل النموذج على مساحة لتخزين الملابس وأواني الطبخ).

أما القبة السماوية الحديثة –عبارة عن قبة يُسقَط على سقفها الداخلي نموذج يحاكي سماء الليل- فهي ابتكار أحدث عهدًا. ظهر النموذج الأولي على سطح مصنع كارل زيس للأدوات البصرية في مدينة يِنا بألمانيا في عام 1924، وبناه مهندس ذو بصيرة يُدعى فالتر باورسفيلد. كان البناء المعروف باسم sternentheater باللغة الألمانية، بمعنى «مسرح النجوم»، له تصميم ثوري: إذ كان مكونًا من جهاز إسقاط ضوئي متعدد العدسات موضوع في مركز قبة جيوديسية خفيفة الوزن.

جاء تصميم القبة السماوية في توقيت مثير لعلمي الفيزياء والفلك. فقد كانت النظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين واكتشاف المجرات خارج مجرة درب التبانة بواسطة إدوين هابل لا يزالا حاضرين في عقول الجمهور، كما أن اكتشافات جديدة كانت على وشك الحدوث، بما في ذلك الأدلة على التمدد الكوني (عن طريق هابل مرة أخرى)، واقتحام كارل جانسكي المبكر مجال الفلك الراديوي، بالإضافة إلى اكتشاف كلايد تومباو لبلوتو.

كما توافق مفهوم القبة السماوية مع الحركات الاجتماعية والسياسية المعاصرة. ففي جمهورية فايمار (ألمانيا ما بين الحربين) استندت تلك الحركات على قوة التحضر النابع من إتاحة الفنون والتصميمات والعلوم لعامة الجمهور. ومن المؤسف أن الحرب العالمية الثانية دمَّرت كثيرًا من القباب السماوية التي أُنشئت خلال هذه الموجة الأولى في ألمانيا، والتي استعارت عناصر معمارية من الحقبة الكلاسيكية الحديثة ومدرسة باوهاوس الفنية.

جمعت القبة السماوية المصممة على الطراز البنائي في موسكو عام 1929 بين روح البروليتاريا مع الهندسة الثورية: وهي قبة على شكل جسم مكافئ دوراني من الخرسانة المسلحة. في أثناء الحرب الباردة، صار المبنى ذا أهمية باعتباره استعراضًا لانتصارات الاتحاد السوفيتي بمجال الفضاء في منتصف القرن (T. Radford Nature 525, 452–453; 2015). وبالإضافة إلى استخدام القبة السماوية في الترويج لفكرة المساواة في استكشاف الفضاء باعتباره قدر الشعب السوفيتي، فقد كانت تُستخدم أيضًا لتعريف رواد الفضاء بالكوكبات وآلية عمل المجموعة الشمسية.

كانت صراعات القوى العظمى في حقبة ما بعد الحرب أرضًا خصبة لظهور موجة جديدة من القباب السماوية، وفيها كانت تلك الصروح تلعب مرة أخرى أدوارًا أيديولوجية. في الولايات المتحدة الأمريكية، كانت طبقة الأثرياء ممولها الرئيسي. وكانت المباني غريبة الشكل مستوحاة من التصويرات الجمالية العامرة بالحيوية التي تحفل بها قصص الخيال العلمي المنشورة في المجلات الشعبية. وكما يشير فايربريس، فإن العلوم الشعبية في الولايات المتحدة الأمريكية كانت "مرتبطة بالترفيه الجماهيري، الذي ارتبط بالمغامرات والاستكشاف واللقاءات الفردية مع المجهول".

يقال إن تشارلز هايدن -المصرفي ورجل البِر- كان مؤمنًا بأن "الشعور برحابة السماء وضآلة المرء" ينبغي أن يكون في متناول الجميع، ورغم ذلك فقد أشار فايربريس في كتابه بفتور إلى أن شعور المرء بحجمه قد يعتمد أيضًا على حالته الاجتماعية/الاقتصادية. بُنيَت القبة السماوية المسماة باسم هايدن في عام 1935 وهي مزدانة بتركيبات ضوئية على شكل كوكب زحل ومتوَّجة بقبة برونزية مزوَّدة بعازل للصوت من أجل خلق وهم الانعزال في الفضاء.

دخلت بريطانيا ميدان القباب السماوية متأخرة نسبيَّا: فقد فتحت القبة السماوية الأيقونية بلندن أبوابها عام 1958، وبُنيت على طراز وصفه فايربريس بأنه "متواضع ومتحفظ"، وكانت القبة مُلحقة بمتحف مدام توسو لأعمال الشمع، وهو اقتران عصي على الفهم قد يبدو أقل غرابة فقط عندما يتذكر المرء أن كليهما كانا في مجال المحاكاة. (توقفت القبة السماوية عن العمل على ذاك النحو في عام 2006).

يتزامن عصر تليسكوبات الفضاء والمسابير الروبوتية الحاليّ مع ثورة في تكنولوجيا القباب السماوية، فقد تحرر الجمهور من المنظور الثابت المرتبط بكوكب الأرض، وصار بوسعهم الآن التحليق على نحو افتراضي عبر المجموعة الشمسية وما بعدها عن طريق مزيج سلس من الصور المُخَلَّقة بالكمبيوتر والصور الحقيقية المعروضة بواسطة أنظمة الإسقاط الرقمي، كما في قبة أدلر السماوية في شيكاجو، إلينوي، أو قبة بيتر هاريسون السماوية في جرينيتش بلندن.

يتحسَّر فايربريس على خسارة ما تتسم به العروض قديمة الطراز من بساطة، غير أن روعة عروض الفضاء الحديثة ساعدت على تجديد اهتمام الجماهير بجميع الأشياء المتعلقة بعلم الفلك. ربما يكون التشابه بين تلك العروض وأفلام السينما وألعاب الكمبيوتر هو ما سمح لها بالازدهار، حتى إن معارض المتاحف صارت تحت ضغط لإيجاد وسائل جذب لجمهور الشباب. ويمكننا القول إن القبة السماوية الحديثة بوسعها أن تصبح وسيلة فعَّالة لمشاركة جماهيرية أعمق في مجال العلوم.

نحن نفهم الآن أن السواد الأعظم من الكون غير مرئي، ولم تعد الطرق التي نستخدمها لاستكشافه تعتمد بالكامل على الإشعاع الكهرومغناطيسي. يختتم كتاب «مسرح النجوم» بتساؤل عن الدور المستقبلي الذي ستلعبه القبة السماوية -وهي تجربة معتمدة على الضوء المرئي- في كونٍ من موجات الجاذبية والمادة والطاقة المظلمتين. ولكن يبدو من غير المرجح أن المزيج الناجح من الدراما والتكنولوجيا والتصميم والعلوم قد يُصبِح عتيق الطراز عما قريب.

ويختتم فايربريس قائلًا: "إن السماوات مليئة بالضوء كما كانت دائمًا". 

ماريك كوكولا، هو فلكي عام يعمل بمرصد جرينيتش الملكي في لندن.

بريد إلكتروني: mkukula@rmg.co.uk