أنباء وآراء

فيزياء فلكية: افتراس نجمي غير منتظم

يُعثَر غالبًا على بقايا نجمية كثيفة تُسمَّى "الأقزام البيضاء" في الأنظمة النجمية الثنائية. وتشير أرصاد الأقمار الصناعية إلى طريقة غير معروفة من قبل، يمكن بها لقزم أبيض أن يستمد مادة من نجمه المُرافِق.

توماس مارش
  • Published online:

بعد سبعة مليارات عام من الآن1، سوف تتطور الشمس إلى فَضلَة كثيفة بحجم الأرض، يُطلَق عليها "قزم أبيض"، لتنضم بذلك إلى مليار غيرها من الأقزام البيضاء المبعثرة بالفعل في مجرّتنا. ويرتبط العديد من الأقزام البيضاء - بفعل الجاذبية - بنجوم أخرى، بعضها في مدارات متقاربة لدرجةٍ تجعلها تنتزع كتلة من نجومها المُرافِقة. وتستقر هذه المادة على سطح القزم الأبيض، من خلال عملية تُسمَّى "التراكم". وقد كنا نعتقد أننا نعرف الأنماط الرئيسة لعمليات التراكم على الأقزام البيضاء، لكنْ في بحث نُشِر في دورية Nature، أعلن سكارينجي وزملاؤه2 عن إمكانية وجود نمط آخر؛ وهو نمط يربط الأقزام البيضاء بأجرام سماوية أخرى متراكمة، مثل النجوم النيوترونية.

والتراكم هو العملية التي تتكوّن بها النجوم والكواكب، وتُضاء بها الثقوب السوداء فائقة الكتلة التي تقع في قلب المجرّات. وهذا التراكم على الأقزام البيضاء قد يتسبب في تفاعلات اندماج نووي انفجارية، تُرَى أكثر صورها إدهاشًا في المستعرات العظمى، التي قد تضاهي في سطوعها مجرّات بأكملها. وفي حالة الأقزام البيضاء، يحدث التراكم عادةً في صورة قُرْص رقيق من المادة، يحيط بالقزم الأبيض، ويدور فيه الغاز ببطء نحو الداخل في مدارات شبه دائرية3. وفي أثناء تدفق المادة إلى أسفل نحو القزم الأبيض، تفقد طاقة؛ إذ تُطلِق عادةً إشعاعًا كافيًا لغمر مجموع مخرجات القزم الأبيض ونجمه المُرافِق.

ومن أبرز خصائص الأقراص التراكمية أنها غير مستقرة، حيث يمكنها أن تظل في حالة باردة وخافتة لعقود، ثم تتحول في خلال ساعات فقط لتصبح ساخنة وأكثر سطوعًا بمقدار ألف مرة. وعلى مدار فترات زمنية أقصر (تتراوح من ثوانٍ إلى ساعات)، تنشط الأقراص بفعل تذبذب مستمر في سطوعها، لا يتكرر أبدًا؛ ما يعكس الطبيعة الديناميكية المضطربة للدفق التراكمي. وفي كلتا الحالتين، تمّ التعرف على السلوك في البداية في أنظمة الأقزام البيضاء4، قبل التعرف على سلوك مُناظِر في أنظمة ذات صلة، مثل تلك التي تتضمن نجومًا يافعة5، وثقوبًا سوداء متراكمة6.

اكتشف سكارينجي وزملاؤه سلوكًا لم يُعلَن عنه من قبل، في نظام قزم أبيض في كوكبة القيثارة. يتسم هذا النظام، الذي يُعرَف باسم «إم في لايري» MV Lyrae، عادةً بقرص تراكمي ساخن وساطع، لكنْ من الممكن أن يخفت النظام من حين إلى آخر بمعامل يزيد عن 250، ويكون ذلك أحيانًا لشهور متواصلة في المرة الواحدة. وبالمصادفة، رصد القمر الصناعي «كِبلر» Kepler - التابع لوكالة ناسا - نظام «إم في لايري» في أحد هذه الأطوار الخافتة، التي تُعرَف باسم "الحالات المنخفضة".

أحدث القمر الصناعي «كِبلر» - الذي صُمِّم للكشف عن الكواكب خارج المجموعة الشمسية - ثورة في دراسة التغير النجمي، عن طريق استقراره الذي لا نظير له، ولأنه يراقب الأهداف باستمرار. وفي هذه الحالة، قاس «كِبلر» سطوع «إم في لايري» مرة واحدة كل دقيقة لمدة أربعة أعوام تقريبًا. ووجد سكارينجي وزملاؤه أن «إم في لايري»، في أثناء حالة منخفضة، أظهر توهجًا مذهلًا شبه منتظم؛ إذ سطع بمعامل يصل إلى 6 في انفجارات بلغت مدة كلٍّ منها 30 دقيقة، تكررت تقريبًا مرة كل ساعتين. واستمر هذا السلوك لأيام، بينما كان النظام في طوره الخافت. ويتضمن الإطار الزمني لهذه التغيّرات الجزء الداخلي من القرص التراكمي، بالقرب من القزم الأبيض. فما سبب هذه الانفجارات؟

يشير مؤلفو البحث إلى أن ما رُصِد هو شكل من التراكم "المتواسط مغناطيسيًّا" (الشكل 1). ويرون أن وجود مجال مغناطيسي مُقيّد بالقزم الأبيض الدوّار يُبقِي المادة في القرص التراكمي بعيدة، حتى يطغى الضغط المتزايد على المجال المغناطيسي مع تراكم الغاز. وتحدث الانفجارات عند تجاوز الحافة الداخلية للقرص نصف قطر الدوران المشترك، وهو نصف القطر الذي تتوافق عنده فترة دوران القزم الأبيض مع الفترة المدارية للقرص78،. وقد تم تطوير هذا النموذج، ليفسر السلوك الانفجاري للنجوم النيوترونية المتراكمة7، ويمكنه أن يتفق مع التغيّر الذي يُرَى في بعض النجوم اليافعة8، لكنه لم يُربَط من قبل على الإطلاق بالأقزام البيضاء المتراكمة.

الشكل 1 | تراكم متواسط مغناطيسيًّا. تكون البقايا النجمية (المسماة بالأقزام البيضاء) محاطة عادةً بحلقة من الغاز، تُعرَف بالقرص التراكمي. أعلن سكارينجي وزملاؤه2 عن طريقة لم تكن معروفة من قبل، يمكن أن ينتقل بها هذا الغاز إلى سطح القزم الأبيض. أ، ينتج قزم أبيض دوّار مجالًا مغناطيسيًّا يُبقِي المادة الموجودة داخل القرص بعيدة، بحيث تكون خارج نصف قطر الدوران المشترك (الخط الأحمر المنقط) بالضبط، وهو نصف القطر الذي تتوافق عنده فترة دوران القزم الأبيض مع الفترة المدارية للقرص. ويتزايد الضغط مع تراكم الغاز عند الحافة الداخلية للقرص. وتوضح الأسهم السوداء تدفق الغاز. ب، في نهاية المطاف، تتخطى الحافة الداخلية للقرص نصف قطر الدوران المشترك، وتتحرك المادة عبر خطوط المجال المغناطيسي نحو سطح القزم الأبيض. ومع استنفاد الغاز في القرص، يتراجع القرص تدريجيًّا، حتى يُستعاد الحاجز المغناطيسي. (الشكل مقتبَس من الشكل 3 في المرجع 2).

الشكل 1 | تراكم متواسط مغناطيسيًّا. تكون البقايا النجمية (المسماة بالأقزام البيضاء) محاطة عادةً بحلقة من الغاز، تُعرَف بالقرص التراكمي. أعلن سكارينجي وزملاؤه2 عن طريقة لم تكن معروفة من قبل، يمكن أن ينتقل بها هذا الغاز إلى سطح القزم الأبيض. أ، ينتج قزم أبيض دوّار مجالًا مغناطيسيًّا يُبقِي المادة الموجودة داخل القرص بعيدة، بحيث تكون خارج نصف قطر الدوران المشترك (الخط الأحمر المنقط) بالضبط، وهو نصف القطر الذي تتوافق عنده فترة دوران القزم الأبيض مع الفترة المدارية للقرص. ويتزايد الضغط مع تراكم الغاز عند الحافة الداخلية للقرص. وتوضح الأسهم السوداء تدفق الغاز. ب، في نهاية المطاف، تتخطى الحافة الداخلية للقرص نصف قطر الدوران المشترك، وتتحرك المادة عبر خطوط المجال المغناطيسي نحو سطح القزم الأبيض. ومع استنفاد الغاز في القرص، يتراجع القرص تدريجيًّا، حتى يُستعاد الحاجز المغناطيسي. (الشكل مقتبَس من الشكل 3 في المرجع 2).

كبر الصورة

وعلى الرغم من معقولية اقتراح سكارينجي وزملائه، فهو يفتقر إلى الأدلة الداعمة. على وجه الخصوص، المجال المغناطيسي المُتنبَأ به ضعيف للغاية، بحيث لا يمكن رصده بسهولة. كما قد يكون ضعيفًا جدًّا، لدرجة يصبح معها غياب التذبذبات الدورية شديدة الانتظام في السطوع - التي تصاحب عادةً النجوم المغناطيسية الدوّارة - أمرًا غير مفاجئ.

ويُعَد التراكم المتواسط مغناطيسيًّا هو النموذج الأفضل. ويرجع السبب في ذلك – جزئيًا - إلى عدم وجود نماذج أخرى مُنافِسة له؛ حيث يبدو أنه لا يوجد نموذج بديل متوافق مع سلوك نظام «إم في لايري». ولعل السؤال الرئيس المطروح هنا، هو: لماذا لم يُرصَد سلوك مشابه من أيٍّ من الأقزام البيضاء المتراكمة الأخرى المعروفة، التي يبلغ عددها عدة آلاف؟ سيكون الأمر مفاجئًا إذا لم تُظهِر الأقزام البيضاء المتراكمة - التي من المعروف أن الكثير منها مغناطيسي - هذا النمط من التراكم، إذا كان يحدث في فئات من الأجرام ذات الصلة.

إن اكتشاف التراكم المُتحكَّم فيه مغناطيسيًّا في أنظمة الأقزام البيضاء يسمح بنطاق واسع من دراسات المتابعة. على سبيل المثال، يمكن للتحليل الطيفي تحديد موقع الانفجارات. وقد يكون المجال المغناطيسي قويًّا بما يكفي لتوليد ضوء تحت أحمر مستقطب، من شأنه تأكيد وجود المجال؛ ويمكن أن تحدِّد دراسات الحالات المنخفضة في الأجرام الشبيهة مدى شيوع السلوك المرصود. ولا يزال هناك الكثير مما يتعين فعله لتحري هذا الخيط الجديد في الشبكة التي تربط الأجرام السماوية المتراكمة معًا. 

References

  1. Schröder, K.-P. & Connon Smith, R. Mon. Not. R.Astron. Soc. 386, 155–163 (2008). | article
  2. Scaringi, S., Maccarone, T. J., D’Angelo, C., Knigge, C. & Groot, P. J. Nature 552, 210–213 (2017). | article
  3. Pringle, J. E. Annu. Rev. Astron. Astrophys. 19, 137–162 (1981). | article
  4. Robinson, E. L. Annu. Rev. Astron. Astrophys. 14, 119–142 (1976). | article
  5. Hartmann, L. & Kenyon, S. J. Astrophys. J. 299, 462–478 (1985). | article
  6. Mineshige, S. & Wheeler, J. C. Astrophys. J. 343, 241–253 (1989). | article
  7. Spruit, H. C. & Taam, R. E. Astrophys. J. 402, 593–604 (1993). | article
  8. D’Angelo, C. R. & Spruit, H. C. Mon. Not. R. Astron.Soc. 420, 416–429 (2012). | article

توماس مارش يعمل بقسم الفيزياء، جامعة واريك، كوفنتري CV4 7AL، المملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: t.r.marsh@warwick.ac.uk