أنباء وآراء

علم المناعة: منشأ الخلايا التائيّة المتذكِّرة

تقي الخلايا التائيّة المتذكِّرة الجسم من العوامل المُمْرِضة التي سبق التعرُّض لها، إلا أن منشأ هذه الخلايا غير واضح. تتبعَتْ دراستان التغيّرات التي شهدها الحمض النوويّ بمرور الوقت، وتوصلتا إلى أن خلايا الذاكرة التائية تنشأ من الخلايا التائيّة المستفعِلة. 

كايلا دي. أوميلوسيك، وأناندا دابليو. جولدراث

  • Published online:

لقد حَدَّت اللقاحات - بشكل كبير - من الإصابة بالأمراض المُعدية، والوفاة الناجمة عنها، عن طريق استغلال قدرة الخلايا التائيّة المتذكِّرة المُعمِّرة على "تذكُّر" التعرّض في السابق لميكروب معيِّن، وإعداد استجابة سريعة عند التعرض لعامل مُمْرِض مرة أخرى. وفَهْم كيفيّة نشأة الذاكرة المناعية واستمرارها قد يقدّم لنا أفكارًا ثاقبة، من شأنها إتاحة إجراء تحسينات على تصميم اللقاحات. وفي بحثين منشورين في دورية Nature، يكشف كلٌّ من أكوندي وزملائه1، ويانجبلود وزملائه2عن مجموعة الخلايا التي تولّد خلايا التائية المتذكِّرة، وكيفية تطوّر مجموعة خلايا التائية المتذكِّرة تلك.

الخلايا التائية غير البالغة هي الخلايا التي لم تَسْبِق لها الاستجابة لأي عوامل مُمْرِضة. وحينما تتعرّف هذه الخلايا على عامل مُمْرِض ما، تنقسم سريعًا، وتعبِّر عن جزيئات – مثل بروتينات السيتوكين - تساعد على مكافحة العدوى. وتُسمَّى هذه الخلايا المستجيبة بالخلايا التائيّة المستفعلة (وبالأخص نوع من الخلايا المستفعلة، يُسمَّى الخلايا التائية السامة للخلايا)، ويمكن أن تنتقل إلى الأنسجة الملتهبة؛ وتقتل الخلايا المصابة بالعدوى3. وبمجرَّد القضاء على العامل المُمْرِض، تموت غالبية الخلايا المستفعلة، لكن يبقى تجمُّع صغير من خلايا المتذكِّرة المُعمِّرة، التي تكون مستعدة للاستجابة سريعًا في حالة التعرض للعدوى من جديد3.

لقد أُجريت أبحاث مكثفة لمعرفة الخلايا التي تولِّد الخلايا التائية المتذكِّرة. وأفادت هذه الأبحاث باحتمالين عامَّين (الشكل 1-أ، وب)، هما أن الخلايا تنشأ من مجموعة ثانوية من الخلايا المستفعلة التي تنجو من الموت بعد زوال العدوى، أو تنحدر مباشرة من الخلايا التائية غير البالغة التي قد تولّد – منذ مرحلة مبكرة للغاية، ربما منذ انقسامها الخلوي الأول - خلايا يُحتمَل أن تكون خلايا تائية مستفعلة، أو خلايا ذاكرة تائية3.

الشكل 1 | تكوُّن الخلايا التائية المتذكِّرة. حينما تواجه الخلايا التائية غير البالغة عاملًا مُمْرِضًا، تتكاثر منتجة العديد من الخلايا التائية المستفعلة التي تكافح العدوى، ثم تموت بعد زوال العدوى. وتتسبب العدوى بالعامل المُمرِض كذلك في تكوّن الخلايا التائية المتذكِّرة المُعمِّرة، التي تستجيب سريعًا للعامل المُمرِض الذي سبقت مواجهته. أ، يقترح أحد نماذج تكوّن الخلايا التائية المتذكِّرة أن الخلايا السالفة التي تولّد الخلايا التائية المتذكِّرة والخلايا التائية المستفعلة تنشأ من الخلايا التائية غير البالغة بصورة مستقلة. ب، في نموذج آخر، تنتج مجموعة ثانوية من الخلايا المستفعلة خلايا تائية متذكِّرة. ج، درس أكوندي وزملاؤه1تكوّن الخلايا التائية المتذكِّرة في الخلايا التائية البشرية، بينما درس يانجبلود وزملاؤه2 تكوّنها داخل الفئران الحية. وقد راقب الباحثون إضافة مجموعات الميثيل (Me) إلى الحمض النووي، وهو تغيّر يرتبط عادةً بنقص في التعبير الجيني. وقد حلل الباحثون مثيلة الجينات المرتبطة بوظيفة الخلايا غير البالغة ووظيفة الخلايا المستفعلة في الخلايا غير البالغة، والخلايا المستفعلة، والخلايا المتذكِّرة؛ للكشف عن تواريخ تطوّر الخلايا. كما حلل الباحثون أنماط إمكانية الوصول إلى الأحماض النووية (غير موضحة في الشكل) في الأنواع المختلفة من الخلايا. وتوصّلوا إلى أن جينات وظيفة الخلايا المستفعلة لها أنماط مثيلة متشابهة في كلٍّ من الخلايا التائية المستفعلة، والخلايا التائية المتذكِّرة، وهو ما قد يمكِّن الخلايا التائية المتذكِّرة من إعادة التعبير سريعًا (السهم المنقَّط) عن هذه الجينات عند تكرار العدوى بالعامل المُمْرِض. وتتفق الأدلة التي قدّمها الباحثون مع النموذج الموضح في الجزء (ب) من الشكل.

الشكل 1 | تكوُّن الخلايا التائية المتذكِّرة. حينما تواجه الخلايا التائية غير البالغة عاملًا مُمْرِضًا، تتكاثر منتجة العديد من الخلايا التائية المستفعلة التي تكافح العدوى، ثم تموت بعد زوال العدوى. وتتسبب العدوى بالعامل المُمرِض كذلك في تكوّن الخلايا التائية المتذكِّرة المُعمِّرة، التي تستجيب سريعًا للعامل المُمرِض الذي سبقت مواجهته. أ، يقترح أحد نماذج تكوّن الخلايا التائية المتذكِّرة أن الخلايا السالفة التي تولّد الخلايا التائية المتذكِّرة والخلايا التائية المستفعلة تنشأ من الخلايا التائية غير البالغة بصورة مستقلة. ب، في نموذج آخر، تنتج مجموعة ثانوية من الخلايا المستفعلة خلايا تائية متذكِّرة. ج، درس أكوندي وزملاؤه1تكوّن الخلايا التائية المتذكِّرة في الخلايا التائية البشرية، بينما درس يانجبلود وزملاؤه2 تكوّنها داخل الفئران الحية. وقد راقب الباحثون إضافة مجموعات الميثيل (Me) إلى الحمض النووي، وهو تغيّر يرتبط عادةً بنقص في التعبير الجيني. وقد حلل الباحثون مثيلة الجينات المرتبطة بوظيفة الخلايا غير البالغة ووظيفة الخلايا المستفعلة في الخلايا غير البالغة، والخلايا المستفعلة، والخلايا المتذكِّرة؛ للكشف عن تواريخ تطوّر الخلايا. كما حلل الباحثون أنماط إمكانية الوصول إلى الأحماض النووية (غير موضحة في الشكل) في الأنواع المختلفة من الخلايا. وتوصّلوا إلى أن جينات وظيفة الخلايا المستفعلة لها أنماط مثيلة متشابهة في كلٍّ من الخلايا التائية المستفعلة، والخلايا التائية المتذكِّرة، وهو ما قد يمكِّن الخلايا التائية المتذكِّرة من إعادة التعبير سريعًا (السهم المنقَّط) عن هذه الجينات عند تكرار العدوى بالعامل المُمْرِض. وتتفق الأدلة التي قدّمها الباحثون مع النموذج الموضح في الجزء (ب) من الشكل.

كبر الصورة

هدفت الدراستان الجديدتان إلى حلّ هذا الخلاف، عن طريق تتبّع خلايا +CD8 التائية (الخلايا التي تُعبِّر على سطحها عن البروتين CD8) في أثناء فترة الإصابة بالعدوى. درس أكوندي وزملاؤه1 أفرادًا تلقَّوا لقاحًا ضدّ فيروس الحمّى الصفراء، بينما درس يانجبلود وزملاؤه2 فأرًا نموذجًا مصابًا بعدوى فيروس التهاب السحايا والمشيمات الليمفاوي. وفحصت كلتا الدراستين مجموعات من الخلايا التائية غير البالغة والمستفعلة، والخلايا التائية المتذكِّرة؛ للبحث عن أي تغيّرات متعلّقة بالتخلّق المتوالي؛ وهي تبدّلات كيميائية أو تغيّرات هيكلية في الحمض النووي للخلية، قابلة للتوريث، ولا تغيّر تسلسل الحمض النووي. وترتبط عادةً هذه التغيّرات بتنظيم التعبير الجيني، ما يتيح للخلية والخلايا المنحدرة منها إمكانية "تسجيل" نمط معيّن للتعبير الجيني، ليكون مرجعًا لها. ومن هذه التغيرات عملية مثيلة الحمض النووي، التي بإمكانها الإبقاء على الجينات في وضع "معطَّل"؛ ما يكبت تعبيرها4

فحص أكوندي وزملاؤه كذلك بِنية الحمض النووي في الخلايا التائية؛ لتحديد المناطق الجينومية المكدسة في حالة "مغلقة" لا يمكن لآلية التعبير الجيني الوصول إليها، والمناطق الموجودة في حالة "مفتوحة" تسمح بالتعبير الجيني5. وعلى الرغم من أن توصيف الحمض النووي الريبي قد يقدّم لمحة عن الجينات التي تنسخها خلية ما في الوقت الذي تُدرس فيه، تقدّم الأساليب التي اتبعها الباحثون لتحليل التغيّرات المتعلّقة بالتخلّق المتوالي نظرة ثاقبة على المسار الذي يتم من خلاله الوصول إلى حالة نسْخ معينة.

ومن خلال استخدام توصيف مثيلة الحمض النووي على مستوى الجينوم، توصّل يانجبلود وزملاؤه إلى أنه عند تمايز الخلايا التائية غير البالغة إلى خلايا مستفعلة، تغيّر نمط مثيلة الحمض النووي الخاص بها. وأُضيفت مجموعات ميثيل إلى عدة جينات مرتبطة بالحالة غير البالغة، بينما لوحظ حدوث خسارة في مثيلة الحمض النووي في الجينات التي تُشفِّر مكونات رئيسة في استجابة الخلايا المستفعلة للعدوى.

اكتشف الباحثون أن إنزيم ناقلة الميثيل في الحمض النووي Dnmt3a هو الإنزيم الرئيس المسؤول عن المثيلة المتجددة للأحماض النووية في أثناء الاستجابة المناعية. وأوضحوا كذلك أنه في الخلايا التائية المستفعلة التي تتمايز إلى خلايا المتذكِّرة، يمكن إزالة مثيلة الجينات المُعبَّر عنها في الحالة غير البالغة في عملية منفصلة عن الانقسام الخلوي، قد تحفز إعادة التعبير عن الجينات المرتبطة بالحالة غير البالغة، الأمر الذي قد يكون ضروريًّا بدوره لتكوين مجموعة الخلايا المتذكِّرة المُعمِّرة، أو الحفاظ عليها.

توصّلت كلتا الدراستين إلى نتيجة مهمة، مفادها أنه على الرغم من أن الخلايا التائية المتذكِّرة لم تعد تعبر عن الجزيئات المستفعلة، تظل الجينات المشفِّرة لهذه الجزيئات في حالة مثيلة منخفضة (الشكل 1-ج). وكشف أكوندي وزملاؤه كذلك عن أن الخلايا التائية المتذكِّرة- التي تظل موجودة لمدة تصل إلى عشر سنوات بعد التطعيم - يكون لها نمط مفتوح للتجميع الجينومي مشابه لذلك النمط الموجود في الخلايا التائية المستفعلة، على الرغم من أن الخلايا المتذكِّرة هذه لا تنقسم أو تعبّر عن جزيئات مستفعلة، ما لم يُعاد تنشيطها إثر تعرضها لعامل مُمرِض. وبالتالي، فإن الجينات المرتبطة بالخلايا المستفعلة بقيت في الخلايا التائيّة المتذكِّرة في بنية تشبه بنية الخلايا التائية المستفعلة، أكثر من تشابهها مع بنية مجموعات الخلايا التائية غير البالغة. وتتفق هذه النتيجة مع قدرة الخلايا المتذكِّرة على إعادة التعبير عن الجزيئات المستفعلة سريعًا، لمكافحة تكرار الإصابة بالعدوى3.

تُقدّم كلتا الدراستين براهين قوية على نموذج تنحدر فيه الخلايا التائية المتذكِّرة من مجموعة من الخلايا، سبق لها التعبير عن جينات مرتبطة بوظيفة الخلايا التائية المستفعلة، بالإضافة إلى تعطيلها التعبير الجيني للخلايا المستفعلة، لكنها احتفظت بـ"ذكرى" لمسار تكوُّنها. وهذه الذكرى تتمثل في تعديلات في الحمض النووي تمكِّن الخلايا من أن تتحوّل بسرعة إلى خلايا مستفعلة عند تعرُّضها مرة أخرى للعامل المُمرِض. في الحقيقة تسجَّل التعديلات المتعلقة بالتخلّق المتوالي مرجعيًّا فصل العدوى في تاريخ الخلايا التائية المتذكِّرة، ما يُمكِّن الخلية من "تذكُّر" قدرتها المستفعلة سريعًا.

وعلى الرغم من الفائدة التنويرية للاستدلال على سلالات الخلايا التائية بعزل مجموعات كاملة من الخلايا، ومقارنة حالات التخلّق المتوالي المتوارثة، فإن هذا الاستدلال لا يستبعد احتمالية قدرة مجموعة صغيرة أيضًا من الخلايا التائية غير البالغة على تكوين الخلايا المتذكِّرة مباشرةً على نحو مستقل، دون المرور بمرحلة الخلايا التائية المستفعلة أولًا. وقد حاول أكوندي وزملاؤه دراسة هذه الاحتمالية عن طريق وَسْم الخلايا التائية المستفعلة المنقسمة مباشرةً في الأفراد باستخدام شكل ثقيل من أشكال الهيدروجين، يُسمَّى الديوتيريوم.

كان تخفيف الديوتيريوم قليًلا في الخلايا التائية المتذكِّرة المختصة بالفيروسات التي ظلت باقية لعام أو عامين بعد التطعيم، وهو ما يدل على معدل الانقسام الخلوي المتدني الذي حدث في هذه الخلايا. وفي مقارنة بين بروتينات سطح الخلية، تشابهت الخلايا التائية المتذكِّرة هذه مع الخلايا التائية غير البالغة، إلا أن التوسيم بالديوتيريوم كشف عن أن هذه الخلايا قد تكوّنت من مجموعة الخلايا التائية المستفعلة المنقسمة. وتؤيّد هذه النتائج نموذجًا تتكاثر فيه الخلايا التائيّة +CD8 المختصة بالفيروسات عند تعرُّفها على عامل مُمرِض، وتعدِّل حمضها النووي؛ لتعزز التعبير عن الجزيئات المستفعلة. بعد ذلك، تتوقف الخلايا عن الانقسام، وعن التعبير عن الجينات المستفعلة، وتعيد التعبير عن العديد من الجينات المرتبطة بالحالة غير البالغة، مثل الجينات التي تساعد على نجاة الخلايا التائية، وانتقالها.

ليست جميع الخلايا التائية المتذكِّرة متماثلة؛ فتدور نسبة منها - مثل الخلايا غير البالغة - في أنحاء الجسم في انتظار الاستدعاء للعمل، بينما تستقر خلايا الذاكرة القائمة في الأنسجة في بعض الأنسجة، مثل الرئتين، والجلد، والأمعاء، ممثلةً خطّ دفاع أول ضد تكرار الإصابة بالعدوى في مواقع الجسم التي تدخل منها العوامل المُمْرِضة لأول مرة6. وما زال غير معروف ما إذا كانت هذه الأنواع المختلفة من الخلايا التائية المتذكِّرة تنشأ عن طريق المسار نفسه، أم لا.

تشير هاتان الدراستان إلى أن أحد أهداف تصميم اللقاحات يجب أن يكون تحفيز استجابة كبيرة وقوية من الخلايا التائية المستفعلة، يمكن أن تنشأ منها مجموعات الخلايا التائية المتذكِّرة، إلا أنه لا يزال من الضروري تحديد الظروف التي تحفز تحوّل الخلايا المستفعلة إلى خلايا ذاكرة على أفضل وجه. والاستهداف العلاجي لآلية تعديل الحمض النووي، مثل Dnmt3a، قد يكون استراتيجية مفيدة لزيادة فعالية اللقاحات.

References

  1. Akondy, R. S. et al. Nature 552, 362–367 (2017). | article
  2. Youngblood, B. et al. Nature 552, 404–409 (2017). | article
  3. Kaech, S. M. & Cui, W. Nature Rev. Immunol. 12, 749–761 (2012). | article
  4. Winter, D. R., Jung, S. & Amit, I. Nature Rev. Immunol. 15, 585–594 (2015). | article
  5. Gray, S. M., Kaech, S. M. & Staron, M. M. Immunol. Rev. 261, 157–168 (2014). | article
  6. Chang, J. T., Wherry, E. J. & Goldrath, A. W. Nature Immunol. 15, 1104–1115 (2014). | article

كايلا دي. أوميلوسيك، وأناندا دابليو. جولدراث تعملان في قسم العلوم البيولوجية، جامعة كاليفورنيا، سان دييجو، لاهويا، كاليفورنيا 92093، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: agoldrath@ucsd.edu