تحقيق إخباري

نصائح للبحث عن كواكب أخرى شبيهة بالأرض

علماء الجيولوجيا التجريبية يوحِّدون جهودهم؛ لفهم المتطلبات اللازمة لتكوُّن كواكب صالحة للحياة.

شانون هول

  • Published online:
هل يمكن للكواكب الفائقة للأرض، مثل هذا الكوكب، أن تكون ذات جيولوجيا مشابِهة للأرض؟

هل يمكن للكواكب الفائقة للأرض، مثل هذا الكوكب، أن تكون ذات جيولوجيا مشابِهة للأرض؟

©  M. Kornmesser/Nick Risinger/ESO

أَمضَى ينجوي فاي وزملاؤه شهرًا في صناعة ثلاث شرائح من السيليكات الكثيفة بعناية شديدة. أخذَتْ تلك العينات شكلًا لامعًا دائريًّا، وكان سُمك كل واحدة منها أقل من ملِّيمتر واحد، لكنْ في أوائل نوفمبر عام 2017، حان وقت إلقاء تحية الوداع على هذه العينات؛ إذا حزمها فاي بحذر، إضافة إلى بعض العينات الاحتياطية، وغلّفها بغلاف من "الفوم"، وشحنها من واشنطن العاصمة إلى ألباكيركي بولاية نيومكسيكو، حيث سترسل منشأة الطاقة النبضية زد (Z) في مختبرات سانديا الوطنية في القريب العاجل 26 مليون أمبير تندفع في اتجاه الشرائح، وتحوّلها جميعًا، واحدة تلو الأخرى، إلى تراب.

يمكن لآلة "زِد" محاكاة الظروف القصوى داخل الأسلحة النووية المتفجرة، لكن فاي، عالِم الجيولوجيا التجريبية عالية الضغط بالمختبر الجيوفيزيائي، التابع لمؤسسة «كارنيجي للعلوم» في واشنطن العاصمة، لديه في ذهنه هدف يتعلق أكثر بعوالم أخرى؛ فهو يأمل في استكشاف كيف سيتأثر "البريدجمانايت" - وهو معدن موجود على عمق كبير أسفل سطح الأرض - بدرجات الحرارة والضغط الأعلى الموجودة داخل الكواكب الصخرية الأكبر حجمًا خارج المجموعة الشمسية.

تُعَد هذه التجربة إسهامًا واحدًا صغيرًا في "عِلْم جيولوجيا الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية"؛ وهو مجال بحثي يجمع حاليًّا علماء الفلك، وعلماء الكواكب والجيولوجيين معًا؛ من أجل استكشاف الطبيعة المحتملة للكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية، من الناحية الجيولوجية. ويرى الكثير من العلماء أن جيولوجيا الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية هي امتداد طبيعي لرحلة البحث عن عوالم صالحة للحياة. اكتشف علماء الفلك بالفعل آلاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية، وجمعوا بعض الإحصائيات المهمة عنها، بما في ذلك كتلتها، وأنصاف أقطارها. ومن المعتقد أن الكواكب التي تدور في النطاق الصالح للحياة، أو ما يُعرَف بالنطاق المعتدل - وهو منطقة تقع حول النجم المضيف، تكون معتدلة بما يكفي لوجود المياه في حالة سائلة - تكون مواتية بالأخص لوجود حياة.

هذا، ولكن ثمة عوامل أكثر بكثير من مجرد الحجم، والكتلة، والمدار المناسب تمنح كوكب الأرض الأفضلية على الكواكب الأخرى، حسبما يقول كايمان أنتربورن، عالِم جيولوجيا الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية بجامعة ولاية أريزونا في تمبي. فعلى سبيل المثال، يُنشئ لُبّ الأرض المنصهر النشط مجالًا مغناطيسيًّا يحمي الغلاف الجوي الضعيف للكوكب من الرياح الشمسية، كما يحافظ على ذلك المجال. كذلك تساعد حركة الصفائح التكتونية على تنظيم درجات حرارة الكوكب، من خلال تدوير ثاني أكسيد الكربون بين الصخور والغلاف الجوي. وما زالت اكتشافات الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية تتوالى باستمرار، لكن علماء الفلك، حسبما يقول أنتربورن، "بدأوا في الوقت الحالي فقط يدركون أنهم يريدون فَهْم هذه الأنظمة بشكل أفضل، بدلًا من الاكتفاء باكتشافها. وعليه، فإن إدخال الجيولوجيا في هذا المزيج من التخصصات العلمية هو أمر طبيعي".

يَستخدِم الباحثون عمليات المحاكاة والتجارب، مثل تلك التي يجريها فاي باستخدام الآلة "زد"، من أجل معرفة أنواع الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية، التي ربما تمتلك جيولوجيا مشابهة لكوكب الأرض. ويمكن أن يساعد هذا العمل الباحثين في ترتيب أولوية دراسة هذه الكواكب.

على أن هذا المجال يواجه العديد من التحديات، لا سيما ذلك الغموض الذي لا يزال يكتنف كثيرًا من جيولوجيا الأرض، مثل: كيف ومتي نشأ النشاط التكتوني للمرة الأولى؟ يقول ريتشارد كارلسون، عالِم كيمياء الأرض بمؤسسة «كارنيجي»: "إنه اكتشاف في غاية الأهمية، غيَّر من وجه الجيولوجيا، لكننا ما زلنا لا نعلم لماذا تجري هذه العملية بهذه الكيفية". وإضافة إلى ذلك، قد يكون من الصعب الجزم بأن أحد الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية يمتلك بالفعل جيولوجيا مشابِهة للأرض؛ فنادرًا ما يرصد علماء الفلك هذه الكواكب مباشرةً، وحتى لو فعلوا، فقد يكون الكوكب بحجم "بِكْسِل واحد" في الصورة التي يلتقطونها.

وحتى الأدلة غير المباشرة، أو أصغر الإشارات، على النشاط الجيولوجي يمكن أن تعطي الباحثين صورة أكثر اكتمالًا لهذه العوالم القصية، وأيها يُعتبَر المرشح الأفضل للبحث عن مؤشرات للحياة. تقول سارة سيجر، عالِمة الفيزياء الفلكية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج: "يشبه الأمر عثورك على مسرح جريمة ضخم يحتوي على قدر ضئيل جدًّا من الأدلة. حينئذٍ، تبذل قصارى جهدك لجمع الأدلة الضئيلة الموجودة، وتحاول تجميعها معًا بطريقة أو بأخرى".

الاتجاه نحو الخارج

تُعَد الكواكب الفائقة للأرض أحد الأهداف الأكثر إثارة لعِلْم الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية. فهذه الكواكب الصخرية، التي قد تصل كتلتها إلى عشرة أضعاف كتلة الأرض، ليس لها مثيل في النظام الشمسي، لكنْ مِن المعروف عنها الآن أنها شائعة بكثرة في المجرّة. ولأن كثيرًا من هذه الكواكب يتميز بكبر الحجم إلى حدٍّ ما، فيمكن أن تمثّل أهدافًا أيسر في رصدها تفصيليًّا، مقارنةً بالكواكب التي تماثل الأرض في الحجم.

تناولت الدراسات القديمة التي تناولت جيولوجيا الكواكب الفائقة للأرض، التي نُشِرت منذ حوالي عشر سنوات، ما يمكن أن تكون عليه هذه الكواكب، لو أنها كانت مجرد نُسَخ مكبرة من كوكب الأرض، لكن الكوكب "55 كانكري-إي" شديد الحرارة، الذي رُصد لأول مرة في عام 2004، أكّد فكرة أن الكواكب الفائقة للأرض يمكن أن تكون مختلفة تمامًا. فكشفت عمليات رصد في عام 2011 أن نصف قطر هذا الكوكب يعادل ضعف نصف قطر الأرض1 تقريبًا، في حين تعادل كتلته أكثر قليلًا من ثمانية أمثال كتلة الأرض2، ما ينتج عنه متوسط كثافة أعلى من متوسط كثافة الأرض بدرجة هامشية فحسب، الأمر الذي كان بمثابة لغز محير.

يمكن استخدام منشأة الطاقة النبضية "زد" Z لدراسة تركيبات الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية.

يمكن استخدام منشأة الطاقة النبضية "زد" Z لدراسة تركيبات الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية.

© Randy Montoya

فلو كان لكوكب 55 كانكري-إي لُبّ من الحديد، ووشاح من السيليكات، مثل الأرض، لكان من المفترض أن يكون أكثر ضخامة بالنظر إلى حجمه. ولو التف محيط مائي حول الكوكب بأكمله، لكان خَفَّض ذلك كثافة الكوكب إلى معدلات تُمَاثِل كوكب الأرض، لكن الكوكب شديد الحرارة بدرجة لا تسمح للمياه بالبقاء طويلًا؛ فالكوكب يدور في مدار شديد القرب من نجمه المضيف، لدرجة أن حرارة الجانب المقابل للنجم تصل إلى 2500 كلفن تقريبًا.

ظهر أحد الحلول لذلك اللغز في عام 2012، عندما قرر نيكو مادهوسودان، وهو عاِلم فلك، كان يعمل حينذاك بجامعة ييل في نيو هيفن بولاية كونيتيكت، وزملاؤه تبنِّي نهجًا جديدًا. كانت البحوث السابقة تشير إلى أن النجم المضيف للكوكب تزيد فيه نسبة الكربون إلى الأكسجين زيادة كبيرة عن الشمس. وتتكون النجوم والكواكب التابعة لها من القرص الدوّار نفسه من الغبار والغاز، ولذا، بدا مِن المقبول افتراض أن الكوكب 55 كانكري-إي سيكون أيضًا غنيًّا بالكربون. وعندما أخذ مادهوسودان ذلك الكربون في الاعتبار في نموذجه الذي صوّر فيه باطن الكوكب، نتج عن ذلك تطابُق مع كتلة الكوكب ونصف قُطره3 يقول مادهوسودان، الذي يعمل حاليًّا في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة: "كان ذلك اكتشافًا مذهلًا". وهذه النوعية من الكواكب يكون غريبًا بحق؛ فمادهوسودان يعتقد أن قشرة هذا الكوكب يمكن أن يغلب عليها الجرافيت، وداخل الكوكب قد يسحق الضغط كميات هائلة من هذا العنصر؛ محوِّلًا إياه إلى ماس. ويضيف مادهوسودان: "سيبدو الأمر استثنائيًّا وعجيبًا جدًّا، مقارنة بما نراه في النظام الشمسي".

إن وجود كوكب مُكوَّن من الماس من شأنه إثارة الخيال، رغم أن النجم المضيف لكوكب 55 كانكري-إي ربما لا يحتوي، في الواقع، على الكميات المُعتقَدة من الكربون. وحتى لو كان يحتوي عليها، فإن علماء الفلك يحذرون من افتراض تطابُق تركيب كوكب مع تركيب النجم المضيف له. وتُنَوِّه سيجر إلى أن هذه الفكرة لن تفسر جيدًا تنوُّع الكواكب في النظام الشمسي. ويقول جريجوري لوفلين، عالِم الفلك بجامعة ييل: "في هذه المرحلة، يبدو ذلك استنتاجًا معقولًا، لكنني أعتقد أنه من المهم إدراك أن الكوكب ليس مكسوًّا بالحديد".

تركيب الكواكب خارج المجموعة الشمسية

تَقبّل علماء جيولوجيا الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية هذه الحالة من عدم اليقين، وهُم يبذلون حاليًّا قصارى جهدهم، لتحديد كيف تتكوّن وتتطوّر العوالم القصية. ومن بين قائمة تضم العناصر الأولية للجيولوجيا، يحتاج العلماء إلى معرفة ما هي المعادن التي تتكون، ومتى تنصهر، وكيف تتغير كثافتها بتغيُّر الضغط ودرجة الحرارة. ويمكن استخدام هذه البيانات لمحاكاة كيفية تطوُّر كوكب ما من كرة منصهرة غير واضحة المعالم إلى هيكل متعدد الطبقات، تتكون فيه المعادن - وإما تغوص، أو تطفو - عندما تبرد حرارة الكوكب. يقول ويم فان ويسترنين، عالِم الجيولوجيا بالجامعة الحرة في أمستردام: "يمكننا بناء نموذج معدني، وليكن كنموذج بنية طبقات البصل، لتصوير الشكل المحتمل للكوكب في بدء تكوينه". ويضيف ويسترنين قائلًا إنه سيكون بوسع الباحثين بعد ذلك استخدام نماذج رقمية للتنبؤ بكيفية تطور الكوكب مستقبليًّا، وما إذا كانت هجرة المواد ستكون كافية لدفع الصفائح التكتونية، أم لا.

ولجمع المعلومات اللازمة لتغذية هذه النماذج، يبدأ الجيولوجيون حاليًّا في إخضاع الصخور الاصطناعية لدرجات عالية من الحرارة والضغط، بهدف محاكاة باطن الكواكب الواقع خارج المجموعة الشمسية، كما يفعل فاي وزملاؤه. ورغم أن الهدف من هذه التجارب جديد، فإن النهج المتبع ليس كذلك. فعلى مدار عقود، أنشأ علماء الصخور أدوات لمحاكاة ظروف باطن الأرض في أيّ بقعة، بدءًا من بضعة سنتيمترات تحت سطح الأرض، وصولًا إلى لُبّ الأرض. ويستخدم كثيرون جهازًا يُسمَّى "خلية سندان الماس". يضغط هذا الجهاز المواد عن طريق دفع حواف قُلِّلت حدتها لماستين بجودة الأحجار الكريمة معًا. وفيما تكون العينة تحت الضغط، يمكن استخدام ليزر لتسخينها. في الوقت ذاته، يمكن للعلماء التجريبيين قصف المادة بالأشعة السينية؛ للتحقق من بِنْيتها البلورية، واستكشاف كيف تتغير المادة عندما تُدفَع نحو درجات حرارة مرتفعة، وضغط مرتفع.

استخدمت مجموعات من الباحثين، مثل سانج-هيون دان شيم، وهو متخصص في فيزياء المعادن في جامعة ولاية أريزونا، وزملاؤه هذه العملية لضغط عينات غنية بالكربون، قد تعكس تركيب الكوكب 55 كانكري- إي. وأوضح هذا العمل4 كيف يمكن للكواكب التي تغلب عليها مركبات محتوية على الكربون، تُسمى الكربيدات، أن توّصل الحرارة، وكيف يمكن أن تختلف عن كواكب أخرى تغلب عليها السيليكات، مثل الأرض.

ليس الكربون هو العنصر الوحيد المثير للاهتمام، إذ يشير أنتربورن إلى عناصر الماغنسيوم، والسيليكون، والحديد، بوصفها "العناصر الثلاثة الكبرى" التي تؤثر على البِنْية الكلية لأي كوكب، حيث يظهر تأثيرها على كيفية تدفق الحرارة في الوشاح، ومن ثم وجود صفائح تكتونية، وعلى الحجم النسبي للُبّ الكوكب، ومن ثم وجود مجال مغناطيسي عام. وتختلف نسب هذه العناصر اختلافًا كبيرًا في النجوم. فالشمس تمتلك ذَرّة ماغنسيوم واحدة، مقابل كل ذَرّة سيليكون، أما في النجوم الأخرى، فتتراوح هذه النسبة ما بين 0.5، و2. ربما يبدو الفارق صغيرًا، لكنْ إذا كانت النِّسَب نفسها موجودة في الكواكب، فيمكن أن تؤثر تأثيرًا هائلًا على الجيولوجيا. 

تشير غالبية الكتب الدراسية إلى أن الصخور الغنية بالماغنسيوم تكون أكثر ليونة من تلك التي تحتوي على تركيزات عالية من السيليكون، لدرجة أن السير على كوكب غني بالماغنسيوم قد يبدو كالسير على الوحل. يشير عمل شيم البحثي على الصخور التي تتنوع فيها نسبة الماغنسيوم إلى السيليكون باستخدام جهاز خلية سندان الماس إلى أن هذه الكواكب قد تحوي أيضًا خَزَّانات من الصهارة، أكثر عمقًا من الكواكب الغنية بالسيليكون. ونتيجة لذلك، توجد بها براكين أشدّ كارثية. ومع ذلك، يُنَوّه شيم إلى ضرورة وضع مؤشرات أخرى في الاعتبار، مثل تركيز المياه في المعادن.

ضغط عالٍ

يمكن لشيم، باستخدام ماستين، تطبيق ما لا يزيد على 400 جيجا باسكال من الضغط، وهو معدل يزيد قليلًا على الضغط في لُبّ الأرض. ولاستكشاف الأجزاء الداخلية من الكواكب الفائقة للأرض، لجأ شيم إلى استخدام ليزر الأشعة السينية الأشد سطوعًا في العالم؛ وهو "مصدر ضوء ليناك المترابط"Linac Coherent Light Source في مختبر المُسرِّع الوطني "سلاك" في مينلو بارك بولاية كاليفورنيا. ويمكن لهذه الآلة توليد صدمات داخل العينة، ما يُنتِج قوى ضغط تصل شدتها إلى 600 جيجا باسكال، وهي درجة كافية لمحاكاة لُبّ كواكب تبلغ كتلتها ضعف كتلة كوكب الأرض.

يَستخدِم الجيولوجيون كذلك منشآت كبيرة أخرى لاستكشاف التركيبات المحتملة للكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية. فالآلة "زد" يمكن أن تصل إلى ضغط بشدة 1000 جيجا باسكال، وهي الحالة المتوقعة في باطن الكواكب التي تبلغ كتلتها حوالي ثلاثة أضعاف كتلة الأرض. ويمكن لمنشآت الليزر في باليزو بفرنسا وأوساكا باليابان الوصول إلى معدل مشابِه. ولجأ كذلك باحثون إلى منشأة الإشعال الوطنية في مختبر لورانس ليفرمور الوطني بكاليفورنيا، التي تُستخدَم لدراسة الاندماج النووي، ويمكنها إخضاع العينات لدرجة من الضغط تصل إلى 5000 جيجا باسكال، وهي درجة الضغط نفسها في الباطن العميق لكوكب المشتري. ولا تزال هذه التجارب في مراحلها التمهيدية، حيث يتنافس الباحثون للحصول على وقت متاح في هذه المنشآت، ويجمعون ببطء بيانات عن مجموعة متنوعة من المركبات الأساسية.

في نهاية الأمر، يأمل علماء جيولوجيا الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية في أن يجدوا التركيبة الصحيحة من العناصر التي تكوِّن كواكب خارج المجموعة الشمسية ذات جيولوجيا مشابهة لجيولوجيا الأرض. تقول ويندي بانيرو، عالِمة الجيولوجيا بجامعة ولاية أوهايو في كولومبوس: "لدي رغبة في التعرف على تركيب المنطقة المعتدلة الصالحة للحياة". وتضيف متسائلة: "أين توجد المنطقة الصالحة للحياة التي لا تكون شديدة الليونة، ولا شديدة الصلابة لتركيب الصخور؟".

قد لا تكون الإجابة واضحة ومحددة، فحتى المعرفة الكاملة بالتركيب قد لا تخبِر علماء جيولوجيا الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية بالكثير عن حالة كوكب معين. فعلى سبيل المثال، لم يحتو كوكب الأرض على صفائح تكتونية في مرحلة مبكرة من تاريخه، وليس من المتوقع أن يظل محتويًا عليها إلى الأبد. كذلك فإن كوكب الزهرة المجاوِر للأرض يبين لنا كيف يمكن أن يتباين تطوُّر الكواكب بشكل بالغ. فكتلة هذا الكوكب، ونصف قطره، وتركيبه، وبُعده عن الشمس، كلها أمور تشبه مثيلاتها في كوكب الأرض، لكن الأرض تدعم وجود الحياة، في حين أن كوكب الزهرة - الغارق في سديم من ثاني أكسيد الكربون – يخلو من الحياة تمامًا. ويعتقد ستيفن مويجيش، عالِم الجيولوجيا بجامعة كولورادو بولدر، في أن فقدان الصفائح التكتونية في كوكب الأرض سيؤدي بها في النهاية إلى أن تشبه كوكبها الشقيق ذا الحرارة الفائقة. يقول مويجيش: "إنه أمر لا مفر منه، لكننا لسنا متأكدين متى سيحدث". لذا، رغم أن معظم النماذج الأولية للكواكب خارج المجموعة الشمسية يركز على التركيب، قد يتحتم على علماء جيولوجيا هذه الكواكب في النهاية تضمين عوامل إضافية، مثل التاريخ الطويل لتطور الكواكب، البالغ بلايين السنين.

يتوقع البعض أن يساعد هذا العمل علماء الفلك على تحديد أيّ الكواكب ينبغي عليهم استهدافها في رحلة البحث عن الحياة. فإذا عرف العلماء الظروف اللازمة للحفاظ على مجال مغناطيسي لبلايين السنين، أو نِسَب العناصر اللازمة لدفع عملية الحمل الحراري في الوشاح؛ لأَمْكَنهم عندئذ أن ينصحوا زملاءهم بفحص الكواكب التي تفي بهذه المعايير. ويمكن لعلماء الفلك حينئذٍ تحويل اتجاه التليسكوبات القوية، مثل تليسكوب جيمس ويب الفضائي، التابع لوكالة ناسا المزمع إطلاقه في عام 2019، ناحية هذه الكواكب للتنقيب في غلافها الجوي عن أيّ بصمات محتملة لوجود حياة هناك.

قد يمكن أيضًا رصد نشاط جيولوجي عن بُعد. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون ارتفاع مؤقت في نسبة الكبريت في الغلاف الجوي دليلًا غير مباشر على وجود بركان نشط. وقد تشير كذلك التغيرات في الانعكاس عند دوران كوكب ما إلى وجود قارات ومحيطات على هذا الكوكب، الأمر الذي يمكن أن يشير أيضًا إلى وجود نشاط تكتوني.

تتردد أقوال بالفعل حول اكتشاف محتمَل لنشاط بركاني على سطح الكوكب 55 كانكري-إي. ففي عام 2016، نشر بريس-أوليفييه ديموري، عالِم الفلك بجامعة برن، وزملاؤه5 أول خريطة حرارية لهذا الكوكب، وهي الخريطة التي رُسِمت باستخدام تليسكوب سبيتزر الفضائي، التابع لوكالة ناسا، الذي يعمل بالأشعة تحت الحمراء. هذا الكوكب مقيد من حيث المدّ والجَزْر بنجمه المضيف، ولذا، فإن أحد نصفي الكوكب غارق بصورة أبدية في ضوء الشمس، والنصف الآخر يغمره الظلام. ومن المفترَض أن تكون حرارة الكوكب على أشدها في النصف الأقرب إلى النجم، لكنّ ديموري وزملاءه اكتشفوا أن أسخن نقطة على سطح الكوكب تبدو في الاتجاه المقابل. قَدّر الباحثون أيضًا أن الحِمَم المتدفقة تحمل الحرارة بعيدًا (وإنْ كان بحثٌ أُجري مؤخرًا6 قد أشار إلى أن الرياح قد تكون هي المسؤولة عن ذلك).

من الواضح أن كوكب 55 كانكري-إي ليس مكانًا صالحا للحياة، لكن ثمة عوالم أخرى قد تكون أكثر ملاءمةً منه. ففي أوائل عام 2017، انتهى أنتربورن من دراسة7 تناولت بالبحث أكثر من ألف نجم شبيه بالشمس. ومن خلال استخدام تركيبات هذه النجوم، قرر الباحث أن ثلث هذا العدد من النجوم يمكن أن يستضيف كواكب تكون قشرتها كثيفة بما يكفي للغوص في الوشاح، وهي عملية قد تجعل الصفائح التكتونية تستمر لبلايين السنين.

وعلى الرغم من أن الباحثين لا يزالون في بداية طريق استكشاف جيولوجيا الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية، يذكر كارلسون أن دراسة هذه العوالم قد أسفرت بالفعل عن عدد من المفاجآت، لا سيما اكتشاف أدلة على وجود كواكب يبدو أنها قد تعرضت لهجرات كبيرة من مداراتها الأصلية8 فقاد هذا الاكتشاف علماء الفلك إلى إعادة التفكير في تطوُّر المجموعة الشمسية، ووضع نظرية تفيد بأن تحركات مشابِهة ربما تكون قد ساعدت في حَمْل مواد - مثل الجليد المائي - إلى الأرض.

يقول كارلسون: "لا أعتقد أن البشر بأيّ حال يضاهون الطبيعة في الخيال والإبداع. ولذا، فإن فَهْم التنوع الموجود في الكَوْن سيفتح أعيننا فقط على احتمالات أخرى. وهذه الاحتمالات الأخرى هي التي ستساعدنا على فَهْم وَضْعنا في هذا الكَوْن بطريقة أفضل".

References

  1. Endl, M. et al. Astrophys.J.759, 19 (2012). | article
  2. Gillon, M. et al. Astron. Astrophys.539, A28 (2012). | article
  3. Madhusudhan, N., Lee, K. K. M. & Mousis, O. Astrophys. J.759, L40 (2012). | article
  4. Nisr, C. et al. J. Geophys. Res. Planets122, 124–133 (2017). | article
  5. Demory, B.-O. et al. Nature 532, 207–209 (2016). | article

  6. Angelo, I. & Hu, R. Astron. J.154, 232 (2017). | article
  7. Unterborn, C. T. et al. Preprint available at https://arxiv.org/abs/1706.10282 (2017). 
  8. Triaud, A. Nature537, 596–597 (2016). | article

شانون هول صحفية حرة، مقيمة في هانوفر بولاية نيو هامبشير.