رؤية كونية

مطلوب أكاديميون مدركون لاحتياجات الحكومات

يوصي كريس تايلر الممولين بألا يدعموا الأبحاث التي ترى تأثير السياسات مسألة ثانوية.

كريس تايلر

  • Published online:

UCL

عندما بدأتُ أنا وزملائي عام 2013 دراسة بحثية مدتها ثلاث سنوات حول كيفية استخدام الأدلة داخل برلمان المملكة المتحدة، لم تكن مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد طُرِحت بعد، ولم يكن دونالد ترامب في عداد السياسيين وقتها، ولم تكن "الأخبار الزائفة" تُعد من الأخبار ساعتئذ. وبحلول وقت انتهاء الدراسة، شعرنا وكأننا كنَّا نعيش في عالم مختلف، تئنّ فيه الديمقراطية تحت وطأة التضليل.

لكن تلك الاضطرابات كانت مفيدة لدراستنا على الأقل. كان السياسيون ومستشارو السياسات يفكرون على نحو متزايد في الدور الذي يمكن للأدلة أن تلعبه، وقد استفدنا نحن من ذلك التأمل الذاتي غير الحذر على نحو غير معتاد. أقرَّ بعض السياسيين بأنهم يستخدمون الأدلة لتعزيز مكانتهم وكسب نقاط سياسية، لكن - بشكل عام - كان يوجد توجه صحي داخل برلمان المملكة المتحدة للاستعانة بالأدلة في توجيه عملية اتخاذ القرارات.

غير أن هذا توجه – غالبًا - ما لا يحظى بالاهتمام الكافي. إذ توصَّل تقريرنا، الصادر في 30 من نوفمبر الماضي إلى نتيجة مفادها أن الأبحاث الأكاديمية لا تحقق أهدافها. فأغلب الأدلة المقدمة إلى السلطة التشريعية تأتي من الهيئات الحكومية ومنظّمات المجتمع المدني غير الهادفة للربح، لذا ينبغي للأوساط الأكاديمية أن تعزّز جهودها، وينبغي لمموِّلي الأبحاث التأكد من حدوث ذلك.

" لا يكفي تمنّي أن يأخذ كل شيء موضعه الصحيح من تلقاء نفسه". 

وهنا نتساءل: لماذا يعدُّ هذا مهمًا؟ إن القرارات الديمقراطية تحتاج إلى أسس واقعية. كيف نحدُّ من الإصابة بالبدانة؟ وهل نحن بحاجة إلى بناء المزيد من محطات الطاقة النووية؟ وهل ينبغي أن نعطي الأولوية لرغد العيش أم لخفض الضرائب؟ إن إجابات هذه الأسئلة تتطلب إصدار أحكام تقديرية، بيد أن هذه الأحكام ينبغي أن تكون مدعومة بالأدلة.

يمتلك البرلمان البريطاني - في الغالب - نُظمًا جيدة لاستخدام الأدلة، وتسعى وحدات متعددة التخصصات تضم موظفين محايدين سياسيًا للرد على جميع استفسارات السياسيين، مثل آلية عمل تشريعات التخطيط أو ما إذا كانت إشعاعات شبكات الاتصالات اللاسلكية بالإنترنت Wi-Fi آمنة، أم لا. لقد قضيت خمس سنوات في إدارة إحدى تلك الوحدات، وهي "المكتب البرلماني للعلوم والتكنولوجيا" POST الذي يبادر إلى إيصال الأبحاث الأكاديمية للسياسيين، ولدى العديد من المجالس التشريعية في مختلف أنحاء العالم وحدات وأجهزة مماثلة.

إلا أن المشكلة تكمن في الافتقار إلى بنية تحتية مماثلة على الجانب الأكاديمي، فمنذ عام 2007، اشترطتْ جميع المجالس البحثية بالمملكة المتحدة إدراج عبارات تصف "المسارات المؤدية للنتائج المرجوة" في طلبات التمويل، ولكن الباحثين والمراجعين لا يولّونها أهمية تُذكر.

ولا عجب في أن الأشخاص المنخرطين في العمل السياسي قد يشعرون بأن المشاركة الأكاديمية خرقاء وساذجة. فخلال فترتي عملي في البرلمان (إذ عملت أيضًا مستشارًا في "لجنة العلوم والتكنولوجيا" بمجلس العموم خلال الفترة من 2007 إلى 2010)، كثيرًا ما أحبطني تدنّي جودة المشاركة الأكاديمية، فقد كانت الدراسات الأكاديمية تتراوح بين "موجزات" مكتظة بالمصطلحات المتخصصة، ولا تحتوي إلا على القليل من المعلومات المناسبة، ومواعظ أخلاقية متعالية بخصوص ما ينبغي أن يهتم به الساسة المنتخبون ديمقراطيًّا.

ولكي تتمكن الأبحاث حقًا من توجيه السياسات، لا يكفي تمنّي أن يأخذ كل شيء موضعه الصحيح من تلقاء نفسه، بل ينبغي أن نعمل نحن على وضع كل شيء في نصابه الصحيح.

وفيما يلي مثالٌ للكيفية التي يمكن أن تسير بها الأمور كما ينبغي.

في عام 2015، أصبح المجلس التشريعي البريطاني أوَّل مجلس في العالم يجيز تقنية للإخصاب في المختبر تحول دون الإصابة بأمراض الميتوكندريا عن طريق الجمع بين مكونات اثنتين من بويضات النساء. كان ظهور تلك التكنولوجيا متوقعًا مسبقًا، وصيغت الأحكام المنظمة لها في لوائح تنظيمية مكتوبة منذ عام 2008، ومع تطور التقنية، عمل "المكتب البرلماني للعلوم والتكنولوجيا" بالتعاون مع خبراء من الخارج للرد على استفسارات السياسيين ومخاوفهم.

غير أن أغلب قضايا السياسات أكثر تعقيدًا بمراحل من مسألة انتقال الميتوكندريا. وعادة ما تكون في حاجة إلى مزيد من التنسيق والمشاركة طويلة الأجل.

ولضمان وجود هذه القدرة، ينبغي لممولي الأبحاث دعم الأبحاث المتعلقة بالسياسات فقط عندما يولي العلماء اهتمامًا جادًا لتأثير السياسات. وقد أخبرني مموّلون - من القطاعين الحكومي والخيري - أنهم يودّون تمويل أنشطة مبتكرة متعلِّقة بالسياسات، غير أنه لا توجد مقترحات مقدمة من الجهات الأكاديمية، لكنها ستكون موجودة حال طلب الممولين.

سوف يتسبّب هذا المقترح في إثارة العديد من الأسئلة: أولًا، كيف يمكن التمييز بين الأبحاث المتعلقة بالسياسات وغيرها من الأبحاث؟ ثانيًا، كيف يمكن تقييم ما إذا كانت خطة التأثير في السياسات جيدة أم سيئة؟ وأنا على يقين من أن هذه المشاكل يمكن حلّها من قِبل مجتمع يستطيع تحديد الفروق الدقيقة في جودة الأبحاث.

قد تتمثَّل الإجابة عن السؤال الأول في مزيج من التحديد الذاتي من جانب الباحثين، ربما للتأهل للأنشطة ذات التمويل الإضافي، ومراجعات الأقران، أما الإجابة عن السؤال الثاني فقد تكون قائمة جزئيًّا على المعايير. فعلى سبيل المثال، ينبغي أن تُكتب المقترحات الجيدة بالتعاون مع واضعي السياسات، الذين سيساعدون على وضع أسئلة البحث، وربما حتى خطط البحث. وينبغي أن تحدد المقترحات القابلة للتمويل متى وكيف سيشارك واضعو السياسات في العمل، إما بتوفير المشاركة المستمرة لحل مشكلة السياسات، وإما البقاء بعيدًا لتجنّب انحياز عملية البحث. ويجب أن تتضمن المقترحات الجيدة أيضًا نتائج ملموسة يراها واضعو السياسات، مثل الموجزات والتقارير والاجتماعات، وأخيرًا، ينبغي وضع أنظمة تُتيح استمرار المشاركة مع واضعي السياسات لعدة سنوات بعد اكتمال مشروع البحث.

كذلك فإن مندوبي الممولين سوف يجبرون الجامعات على التعامل بجدية مع مسألة التأثير على السياسات. وتعاني الأنشطة الحالية للمؤسسات في هذا المجال من عدم الاتساق، وضعف التمويل، وكثيرًا ما تفتقر للفاعلية. وبدلًا من ذلك، ينبغي للجامعات الأكثر اهتمامًا بالأنشطة البحثية أن تنشئ وحدات مخصصة لتقييم تأثير السياسات، على أن تضم طواقم عمل مهنية متمرسة في التعامل مع الأوساط الأكاديمية والسياسية، وينبغي لهؤلاء التعامل مع مختلف التخصصات والجامعات، وتقديم مزيج من المشورات التي تتسم بالمبادرة والتجاوب من أجل ربط نتائج الأبحاث باحتياجات السياسات.

ويقع على عاتق المجتمع الأكاديمي ضمان تأثير الأدلة البحثية على التشريعات من أجل الحفاظ على سلامة أنظمتنا الديمقراطية.

كريس تايلر، مدير السياسات العامة في "قسم العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والسياسات العامة" بجامعة "يونيفرسيتي كوليدج لندن".

بريد إلكتروني: cptyler@ucl.ac.uk