كتب وفنون

علم خواص المادة: نبيذ وماء ونفط وبصاق

ديريك لو يستمتع برحلة مارك ميودوفنيك المشوّقة عبر السوائل.

ديريك لو
  • Published online:
شلال في متنزَّه جراند كانيون الوطني في أريزونا.

شلال في متنزَّه جراند كانيون الوطني في أريزونا.

Jack Dykinga/naturepl.com

السائل: المواد الممتعة والخطرة التي تتدفق في حياتنا

مارك ميودوفنيك، فايكنج (2018)

لا يسعنا، نحن البشر، أن نَحُول دون تشوُّه آرائنا تجاه الواقع نتيجة تجاربنا الشخصية؛ فنحن نسلم بالظروف المادية المحيطة بنا بوصفها الحالة الطبيعية للأشياء، ونَعُدُّ ما يخالف ذلك شاذًا عن القاعدة. إن "درجة الحرارة والضغط القياسيَيْن" في نظر عالِم الكيمياء – صفر درجة مئوية تحت ضغط مقداره 510 باسكال – يعتبران منطقيين جدًا كمرجع في السياق البشري، ولكنهما غير طبيعيين بالمرة في السياق الأشمل للأشياء. فبقية المجموعة الشمسية، على سبيل المثال، تُظهر في الغالب درجات حرارة وضغوطًا إما أعلى من ذلك بكثير وإما أقلّ منه بكثير، والوضع أسوأ من هذا في بقية الفضاء الخارجي (الخالي في معظمه)؛ سطح الأرض هو ما يشذُّ عن القاعدة.

هذه الظروف غير الشائعة تعني أننا نلمس تجربة نادرةً جدًا ضمن النطاقَيْن الأعلى والأدنى لدرجات الحرارة والضغط، وهي تجربة تتمثل في وجود مجموعة متنوعة جدًا من السوائل، وهذا هو العالم الغريب الذي يستكشفه عالِم خواص المادة مارك ميودوفنيك في كتابه الممتع «السائل» Liquid، وهو الكتاب اللاحق لكتابه المُعنْوَن «المواد لها أهمية» Stuff Matters الذي صدر عام 2013 ويحتفي فيه ميودوفنيك بالمواد.

يستكشف الكتاب تاريخَ العديد من السوائل على اختلاف أنواعها، وكذلك بنياتها وخصائصها، ويتوغل في موضوعات أعم وأشمل يستحضرها كل سائل من تلك السوائل. ينسج ميودوفنيك سياقه السردي حول تصوّر لرحلة جوية على متن طائرة، تموج بالعديد من الأحداث والوقائع التي تُطلق العنان لسلاسل من الأفكار. يأتي ذكر الكحوليات مبكرًا في الكتاب بالحديث عن عربة المشروبات، ويُقدِّم الكاتب للقارئ أشكال أخرى من السوائل بتناوله أمواجَ المحيط التي يمكن رؤيتها في الأسفل، وجهاز الصابون السائل الموجود في حمَّام الطائرة، وغازات التبريد السارية في نظام تكييف الهواء، وما إلى ذلك. أسلوب السرد فعَّال إلى حد معقول، رغم أنه قد ينحى قليلًا إلى إنهاك القارئ، وتتخلَّله بعض الاستطرادات المُطوَّلة بشكل غريب. (ونعود فنقول إن الكتاب يحكي عن رحلة عابرة للمحيط الأطلسي.)

تحتلُ الحالة السائلة للمادة مساحة صغيرة في أغلب مخططات أطوار المادة، في نطاق ضيِّق بين منطقة كبيرة مخصصة للحالة الصلبة ومنطقة كبيرة أخرى مخصصة للحالة الغازية. لا بدَّ أن تكون الظروف مواتية تمامًا لكي تتكاثف مادةٌ ما لتخرج من الطور الغازيِّ ولا تتحول إلى كتلة صلبة من نوع ما. وبالنسبة للعديد من المُركَّبَات البسيطة، تتمكَّن هذه الحالات السائلة من التوافق مع الكيفية التي اعتدنا رؤيتها بها والتعامل معها، وهذا هو السبب في أنه يمكن لرحلة جوية أن تشتمل على عدد كبير جدًا من الأمثلة المفيدة. وبالتأكيد، المثال الذي نعلمه جميعًا تمام العلم هو الماء. فالكشف عن وجود ماء سائل على سطح كوكب آخر أو قمر - حتى لو كان ذلك على أعماق بعيدة تحت السطح - سوف يجعل هذا العالم يبدو - بطريقة أو بأخرى - أكثر واقعية بالنسبة لنا. إلا أن الماء، بحسب تفسير ميودوفنيك، من أغرب السوائل الموجودة على الإطلاق.

يُعد جُزيء الماء H2O دبقًا ولزجًا على نحو غريب بالنظر إلى وزنه الجزيئي الصغير. ولهذا الجزيء درجتا ذوبان وغليان مرتفعتان بشكل غير طبيعي بالمقارنة بأي شيء شبيه به كيميائيًا، كالأمونيا أو كبريتيد الهيدروجين. وعندما يتجمد هذا الجزيء، يكون طوره الصلب في الواقع أقل كثافة من طوره السائل. وهذه الخاصية النادرة – نسبيًا - تؤدي إلى طفو مكعبات الثلج وجبال الجليد بدلاً من غرقها مثل أي مادة عادية في طورها الصلب. (لو كانت هناك أي مخلوقات واعية تعيش في مكان ما في الكون إلى جوار بحيرات من الهيليوم السائل ذي الميوعة الفائقة، فلربما أربكهم مشهد الماء الذي يتدفق تاركًا وراءه أثر الاحتكاك وأثر السَّحب الغائبَيْن عن عالم الموائع الفائقة.)

ويستخلص كتاب «السائل» كمًّا كبيرًا من المعلومات الشيِّقة بطريقة دقيقة ومُستساغة للقارئ. وبصفتي كيميائيًا، فإنني أجد راحة في مطالعة هذا الكتاب الذي يقدم لمحة عامة، من غير أن تشتتني التفاصيل المخالفة للحقيقة أو المُوغلة في التبسيط. سيحتفي أيضًا فيزيائيو الحالة الصلبة وعلماء خواص المادة بجهود ميودوفنيك العظيمة في الربط ما بين الخصائص المعتادة للسوائل وبنياتها الجزيئية. يضرب لنا الكاتب العديد من الأمثلة النابضة بالحياة، ومن بين هذه الأمثلة: اللعاب (في أثناء تقديم الوَجَبَات على متن الطائرة بالتأكيد)، وكذلك وقود الطائرة الذي يذكر الكاتب أنه ليس من المُتفجرات، غير أنه يتمتع بطاقة كيميائية أكبر لكل وحدة حجم، مقارنةً بالنيتروجليسرين.

من بين الأشياء التي تُعلِّمنا إياها الفيزياء والكيمياء، أن المعلومات التي تُقدِّمها لنا حواسُّنا لا تمثل إلا جزءًا يسيرًا من القصة: فالماء رطب، هذا هو قَدْرُ ما يمكن لأصابعنا أن تُنبئنا به. ما لا نشعر به هو جزيئات الماء نفسها وهي تتفاعل مع الأسطح البروتينية لجلدنا؛ فذرات هذه الجزيئات وسُحُب إلكتروناتها تقترب من نطاقات بعضها، فتتجاذب وتتنافر وتضيف إلى المشاعر التي تُترجمها حواسُنا النابضة بالحياة (وغير المُصْقَلَة غالبًا). إن هذا العالم الخفي يقف كامنًا وراء كل شيء نراه ونتعامل معه. ويقدم كتاب «السائل» لقرَّائِه نفحةً من هذا العالم الخفي، وهذا ليس إنجازًا هينًا.

ويسوقنا ذلك إلى السؤال المتعلِّق بنوعية القُرَّاء الذين ربما يستهويهم هذا الكتاب. كما هو الحال في كتاب «المواد لها أهمية»، يقدم ميودوفنيك في هذا الكتاب إلهامًا لأولئك الذي يسعون وراء العلوم المتاحة في سياق سهلٍ ومُسلٍّ. واليوم يقوم علماء خواص المادة بتحضير سوائل عجيبة تزخر بجسيمات نانوية يمكنها تحويل تلك السوائل إلى مغانط أو مجسَّات بصرية، ويستكشف خبراء تكنولوجيا النانو وعلماء الأحياء الجزيئية سلوك الماء، وغيره من السوائل، على مقاييس بالغة الصغر. إن كتاب «السائل» سوف يعود بنفع عظيم على أولئك الذين يتوقون إلى استيعاب تلك الاكتشافات العلمية.

عَمِلَ ديريك لو لعدة عقود في مجال الكشف عن أدوية جديدة في مراحله المبكرة. وتُعدُّ مدونته «داخل خط الأنابيب» In the Pipeline واحدة من أكثر المدونات العلمية استمرارًا على شبكة الإنترنت.

البريد الإلكتروني: derekb.lowe@gmail.com