تحقيق إخباري

معركة بشأن التنوّع الحيوي

قد يقوِّض صِدام أيديولوجي تقييمًا حاسمًا للنباتات والحيوانات الآخِذة في الاختفاء في العالم.

إحسان مسعود
  • Published online:

Illustration by David Parkins

بعد ظهيرة أحد الأيام الحارة الرطبة في ضواحي واشنطن العاصمة، ارتسم القلق على وجه بوب واطسون. جلس واطسون - الإخصائي المرموق في كيمياء الغلاف الجوي - على مقعد في فناء منزله، محاطًا بأكوام من الأوراق. تحدَّث بأسلوبه المندفع الحاد المعهود، شارحًا التوترات المحدقة باللجنة الدولية التي يقودها. مِن المفترَض أن تقدِّم هذه اللجنة المشورة العلمية فيما يخص إحدى أكثر مشكلات العالم تعقيدًا، وهي الفقدان المتسارع للنباتات والحيوانات على نحو متزايد، لكنّ انشقاق الصف في المجتمع البحثي يهدد بتقليص هذه الجهود المبذولة بأكملها. ففي غضون أيام قليلة، سيسافر واطسون إلى إنجلترا؛ للاحتفال بعيد ميلاده السبعين، لكنه في هذه اللحظة ليس في مزاج يساعد على المرح والاحتفال.

تحدث واطسون عن صراع يعاني منه «المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية» (ويسمى اختصارًا IPBES)، وهو المنظمة الشقيقة الصغرى للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، الحائزة على جائزة نوبل. وتضطلع الجهتان بمهام هائلة.. فالهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ تقدِّم معلومات متخصصة عن التغيّر المناخي في الوقت المناسب، وقد ساعدت في إرساء أسس المعاهدات الدولية الرامية إلى إبطاء وتيرة الاحترار العالمي، مثل اتفاق باريس للمناخ، الذي تم في عام 2015. وقد كُلِّف المنبر المعني بالتنوّع الحيوي بالتركيز على الاختفاء الهائل لمجموعات النباتات والحيوانات.

وكما هو الحال في تغيّر المناخ، يُعَد البشرُ المُذْنِبين الرئيسين في فقدان التنوّع الحيوي؛ فقد حَوَّل الناس حوالي 50% من سطح الأرض من أجل الأنشطة البشرية. ويحذِّر الباحثون من أنْ يؤدي فقدان أنواع النباتات والحيوانات الناتج عن ذلك إلى انقراض جماعي.

وبينما قامت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ - الأقدم عمرًا - بتوحيد صفوف المجتمع العلمي إلى حدٍّ بعيد، ولاقت نجاحًا دوليًّا كبيرًا فيما يتعلق بالسياسات الدولية، لم يتمكن بَعْد المنبرُ المعني بالتنوّع الحيوي - الذي يبلغ من العمر ست سنوات - من ممارسة ما قد يماثل هذه الدرجة من التأثير. وبالإضافة إلى ذلك.. فإن المجتمع العلمي الذي يُمثّله المنبر منقسم على ذاته. فعالَم البحث العلمي في مجال التنوع الحيوي أشبه بعائلة كبيرة انقسمت إلى فِرق متناحرة. والعلماء القادمون من بلدان الجنوب - الأقل ازدهارًا - يقفون في مواجهة زملائهم من دول الشمال، الأكثر ثراءً. والباحثون في فروع العِلْم الأكثر تجريبية يتجادلون مع الباحثين المتخصصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

وتعكس المسائل الكامنة وراء هذا الانشقاق في الصف مجادلات أوسع نطاقًا في مجال العلوم حول هياكل السلطة التقليدية، والوصول المتزايد إلى المجموعات التي لا تتمتع بالتمثيل الكافي، فضلًا عن معارضة النظم الاقتصادية المهيمنة. فحتى الآن، قاد العلماء ومناصرو الحفاظ على البيئة من الدول المتقدمة – بشكل واضح - الجهود الرامية إلى دراسة تناقص الأنواع وتقييمه، لكن سلطات صنع القرار داخل المنبر المعني بالتنوّع الحيوي تقع حاليًّا في أيدي علماء يقولون إن جهود الحفاظ على البيئة بحاجة إلى مزيد من الإسهامات من البلدان النامية، ومن الباحثين في مجالات العلوم الإنسانية وغيرها من التخصصات غير التجريبية، وكذلك من غير الأكاديميين، مثل المزارعين، والمواطنين العلماء، والشعوب الأصلية.

تقول ساندرا دياز، الرئيسة المشاركة للتقييم العالمي القادم للتنوع الحيوي، الذي يجريه المنبر، والذي سيُعَد الإنجاز الأكبر له عند نشره في مايو القادم: "منذ عشر سنوات، كان الأمر يقتصر في الغالب على علماء البيئة، وبعض الاقتصاديين، أما الآن، فثمة عدد أكبر بكثير من الباحثين والأطراف الاجتماعية الفاعلة يريد المشاركة". وتضيف دياز، وهي كذلك عالمة بيئة في جامعة قرطبة الوطنية بالأرجنتين: "من الأرجح أن يخلق ذلك بِنْية أكثر ثراءً من المعرفة".

أمّا مَن يقفون على الجانب الآخر من النزاع، ويولون أهمية أكبر للنهج التجريبي، ويشملون بعضًا من أكبر الأسماء المتخصصة في علم التنوع الحيوي، فيقولون إنه قد تم تهميشهم. يقول بافان سوكديف، وهو اقتصادي ورئيس الصندوق العالمي للحياة البرية: "إنني متحير من هذا الجدال القائم". ويقود سوكديف دراسة أصغر، ومنافِسة إلى حدٍّ ما لصالح الأمم المتحدة، تُسمَّى «اقتصاديات النظم البيئية والتنوع الحيوي» The Economics of Ecosystems and Biodiversity.

يأتي هذا العداء في وقت حاسم يمر به المنبر؛ إذ يُعِد تقريره حول التنوع الحيوي العالمي، وهو أكثر التقييمات شمولًا بشأن هذا الموضوع منذ 14 عامًا. ويخشى واطسون من أنْ يقلص نزاع عام من تأثير التقييم على الحكومات، وفرص اتخاذ إجراءات حقيقية لحماية التنوع الحيوي. ويقول: "لا داعي لوجود هذا الانشقاق في الصف".

السعي لتَوَافُق الآراء

في بعض النواحي، تُعَد هيئتا المناخ والتنوع الحيوي سابقتا الذكر من بقايا القرن العشرين، وهو عصر قَدّم فيه علماء - أغلبهم من الذكور، وإلى حدٍّ كبير من الدول المتقدمة - توجيهات في مجال السياسات العامة للحكومات والأمم المتحدة من موقع سلطة، لا ينازعهم أحد عليها نسبيًّا.

في عام 1985، أقرّت هيئة علمية دولية، شارك واطسون في رئاستها، بأن المواد الكيميائية الصناعية تؤدي إلى تدهور طبقة الأوزون. وأدى تقرير هذه الهيئة1 إلى معاهدة مُلْزِمَة قانونًا، وهي بروتوكول مونتريال لعام 1987، الذي بموجبه تم التخلص تدريجيًّا من هذه المركبات. وفي 1995، قدّمت - على نحو مماثل - الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إجماع علمي على أن البشر يغيّرون المناخ. وقد مهّد ذلك الطريق لبروتوكول كيوتو لعام 1997، الذي وضع حدودًا لانبعاثات غازات الدفيئة من الدول المتقدمة.

وطالما كان التنوع الحيوي هو الاستثناء؛ فمن بين الاتفاقات العالمية العديدة المبرَمة في هذا المجال، لم يتحقق شيء نتيجةً لعملية تُمَاثِل ما قامت به الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، التي أدى الإجماع العلمي فيها إلى اتخاذ إجراءات في هذا الشأن. وفي الواقع، لم يتشكّل المنبر المعنِيّ بالتنوع الحيوي سوى في عام 2012، وذلك بعد مرور عقدين كاملين على توقيع القادة الدوليين على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التنوع الحيوي في مؤتمر قمة الأرض الشهير، الذي عُقِد في ريو دي جانيرو بالبرازيل في عام 1992.

توجد أسباب عديدة وراء عدم مقدرة علماء التنوع الحيوي على إحداث تأثير باستخدام السياسات الجماعية بالطريقة ذاتها التي قام بها زملاؤهم في أبحاث المناخ. يقول سوكديف: "التنوع الحيوي ليس مثل غازات الدفيئة". ويضيف قائلًا إن وجود فريق علمي حكومي لتقييم غازات الدفيئة يبدو منطقيًّا، لأن تغيُّر المناخ يؤثر على الجميع. لكنّ التنوع الحيوي هو مسؤولية كل دولة بمفردها، ما يجعل الأسباب وراء إنشاء هيئة علمية دولية في هذا الشأن أقل وضوحًا. ويتساءل سوكديف: "لِمَ قد تهتم الصين [بالحفاظ] على النمر البنغالي الملكي [الهندي]؟ وبالمثل، لِمَ قد تهتم الهند بحيوان الباندا الصيني؟".

لعبت سياسات الصراع بين الشمال والجنوب دورًا أيضًا في هذا الشأن. فعلى سبيل المثال.. كان ثمة قلق من احتمال قيام شبكة الخبراء، التي تهيمن عليها الدول الأكثر ثراءً، بإبطاء أو إضعاف الاتفاقيات الدولية المتعلقة بتنظيم الكائنات المُعدَّلة وراثيًّا، أو مشاركة منافع التنوع الحيوي، بسبب قوة جماعات الضغط المناصِرة للأعمال التجارية الزراعية في هذه الدول.

وبالرغم من أن هذه المخاوف لا تزال قائمة بقوة، إلا أن فرنسا ودول أوروبية أخرى مارست ضغوطًا في عام 2005؛ لإنشاء هيئة دولية قوية، ووفرت التمويل الأساسي لها. وبالرغم من أن هذا الجهد قد تلاشى في4 نهاية المطاف، إلا أن برنامج الأمم المتحدة للبيئة بثّ الحياة في صورة أخرى منه3 تأسيسه المنبر المعنِيّ بالتنوع الحيوي في عام 2012. ويتألف المنبر الجديد - الذي تكلّف 31 مليون دولار أمريكي حتى الآن - من ممثلين من 129 حكومة من الحكومات الأعضاء، ويُكلَّف - ضمن مهام أخرى - بإجراء تقييمات دورية للسياسات وتقديم التدريب، خاصةً في الدول الأقل تقدمًا.

ويرجع أحد أسباب حدوث هذا التقدّم المبهر في هذا الشأن إلى أن مؤسسي المنبر أدركوا أنه لن ينجح، إلا إذا اتفق المتخصصون في العلوم الطبيعية، خاصةً مَن ينتمون إلى الدول الأكثر ثراءً، على المساواة بينهم وبين المتخصصين في العلوم الاجتماعية، والباحثين في العلوم الإنسانية، والخبراء في معارف المجتمعات الأصلية. وكان من الأسباب المهمة كذلك وجود علاقة مشارَكة وثيقة بين أول رئيسين للمنبر؛ وهما ذكري عبد الحميد، رئيس المستشارين العلميين السابق لرئيس وزراء ماليزيا، وبوب واطسون، اللذان عملا معًا في السابق لرأب الصدع بين الشمال والجنوب.

لم يَكُف المنبر - منذ تأسيسه - عن العمل. فقد نشر في وقت سابق من العام الجاري تقييمات للتنوع الحيوي في مناطق مختلفة، وتقريرًا حول حالة تدهور الأراضي، خلص إلى نتيجة مفادها أن مثل هذه البيئات المتضررة تشكل تهديدًا لرفاهية 3.2 مليار شخص4.

وشرعت الفرق البحثية التابعة للمنبر في شهر أغسطس من هذا العام في إجراء تقييم مرتقب على نطاق واسع للطرق المختلفة التي يمكن عن طريقها تقييم الأنواع والأنظمة الحيوية. وهذه واحدة من النقاط العالقة بين مختلف فصائل المجتمع المعني بالتنوع الحيوي.

وبالرغم من أن الجدال الحالي له جذور تعود إلى عقود مضت، فقد احتدم منذ عام 2016 عندما نشر المنبر تقييمًا مكوّنًا من 800 صفحة عن التلقيح في النباتات. ساعد هذا التقرير على تركيز الاهتمام على حقيقة أن استخدام مبيدات الآفات قد أسهم في انخفاض أعداد النحل في وقت كان يتزايد فيه الحجم العالمي للمحاصيل التي تعتمد على الملقحات.

ويفيد التقرير بأن المحاصيل التي تصل قيمتها السوقية إلى 577 مليار دولار (وفق أسعار عام 2015) تعتمد على التلقيح عن طريق الحيوانات، ويتضمن فصلًا عن اقتصاديات التلقيح، إلا أنه تم إغفال المعلومات الاقتصادية من ملخص التقرير إلى حدٍّ كبير، بالرغم من أن ذلك هو الجزء الذي قد يودّ معظم صُنّاع السياسات قراءته. ويؤيد سوكديف وعلماء آخرون إبراز مثل هذا التحليل الاقتصادي على نحو أكبر، بوصفه وسيلة لإجراء تقدير كَمّي لأهمية أنواع مثل الملقحات، لكنْ من وجهة نظر قيادة المنبر، سيؤدي فعل ذلك إلى تمييز فرع واحد من الاقتصاديات عن التخصصات الأخرى، وإغفال الأساليب غير المالية لتقييم الأنواع.

يرى كثيرون في الدول النامية التقييم المالي رؤية "غربية" للطبيعة، حسبما يقول أوناي باسكوال، وهو إخصائي في الاقتصاد البيئي في مركز الباسك لتغير المناخ، بالقرب من بلباو في إسبانيا، ويشارك في قيادة الدراسة التابعة للمنبر، التي تتناول تقييم التنوع الحيوي. ويضيف باسكوال: "إنها رؤية ناتجة عن ثقافة ومنظور محددَين للعالم، ونظام اقتصادي معين".

الآمور (أو النمر السيبيري) هو نُوَيع مهدد بالانقراض.

الآمور (أو النمر السيبيري) هو نُوَيع مهدد بالانقراض.

© Marc Moritsch/NGC

التكلفة المُتكبَّدة

لقد دارت هذه المجادلات بين أفراد المجتمع المعني بالتنوع الحيوي، لكنّ ناقدي المنبر سعوا مؤخرًا إلى مخاطبة جمهور أوسع نطاقًا عبر صفحات الرسائل في دورية «ساينس»Science ، حيث وصفوا جوانب العملية بأنها سياسية للغاية، واتهموا المنبر باستبعاد عِلْم مهم6.

تتمثّل إحدى نقاط الخلاف الرئيسة في مفهوم "خدمات النظم البيئية"، وهو فكرة اكتسبت أهمية في عام 2001 عند بدء إجراء التقييم الدولي الكبير الأخير للتنوع الحيوي، وهو تقييم النظام البيئي للألفية. وخدمات النظم البيئية هي تلك الخصائص، أو الوظائف، أو العمليات البيئية التي تسهم - على نحو مباشر، أو غير مباشر - في رفاهية الإنسان7.

استخدم علماء البيئة اللغة الاقتصادية بشكل واعٍ، لأنها كانت وسيلة للتحدث إلى السياسيين وغيرهم من صنّاع السياسات بمصطلحات مألوفة، حسبما يقول واطسون، الذي رأَس كذلك هذه العملية. ويضيف واطسون: "أردنا جذب جميع الأطراف السياسية الفاعلة".

وبالرغم من أن خدمات النظم البيئية قد شهدت بعض النجاح في مجال السياسات، إلا أن الباحثين الذين يدرسون البيئة من هذا المنظور يقولون إن عمليات المنبر قد قامت بتنحيتهم. ويقول دولف دي جروت، أستاذ العلوم البيئية بجامعة فاخينينجن بهولندا، الذي يرأس مشارَكة خدمات النظم البيئية، وهي شبكة مؤلَّفة من 3 آلاف عالِم يعملون في هذا المجال: "نعاني الكثير من الارتباك والطاقة السلبية". ويضيف قائلًا إنّ ثمة تصورًا يسود بين أعضاء الشبكة بأنهم يتعرضون للمَنْع.

وتردّ دياز مُحتَجّةً: "بالقطع لا يوجد أي حظر" لخدمات النظم البيئية، "نحن لا نعتزم إلغاءها، أو محوها، أو استبدالها".

وتضيف قائلة إنّ العلماء العاملين في خدمات النظم البيئية، ومَن يُفضِّلون إضافة التحليلات الاقتصادية إلى دراسات التنوع الحيوي ينبغي أن يكونوا على استعداد للعمل مع الباحثين وغير العلماء الذين يختلفون مع هذه النُّهج. فثمة تشكك ملحوظ، كما تقول، بشأن مفهوم خدمات النظم البيئية بين الباحثين والحكومات في الدول النامية.

لقد أقنعت دياز وزملاؤها الحكومات الأعضاء في المنبر بتبنِّي إطار عمل بديل للتقييم، يطلقون عليه إسهام الطبيعة في حياة البشر. وتقول دياز إن هذا المفهوم الأحدث يناسب - بشكل أكبر - تقييم التنوع الحيوي، لأنه سيتضمن معارف المجتمعات الأصلية، فضلًا عن اشتماله على باحثين من الدول النامية. والكثير من نُهج التعامل مع التنوع الحيوي غير الغربية أقل اختزالًا وأكثر شمولية، حسبما يقول سيبسيبي ديميسيو، الذي يرأس حديقة جاليلي النباتية بأديس أبابا، وكان عضوًا سابقًا في لجنة الخبراء العلمية بالمنبر. ويضيف ديميسيو: "في هذه الثقافات، لا معنى لتحديد قيمة مالية لغابة، أو نهر، لأنه جزء من كيان كامل. فذلك أشبه بقولك لإنسان: ما ثمن أحد أطرافك؟ أو ما ثمن كليتك؟".

ومن وجهة نظر دي جروت "من الخطأ القول - ببساطة - إنّ خدمات النظم البيئية عِلْم غربي". ويزعم هو وحلفاؤه أن اللغة المستخدمة في التقديرات الاقتصادية مهمة، لأنها تجذب انتباه صُنّاع السياسات. ويقول: "إنك لن توقف حكومة ترامب عن مدِّ خطوط أنابيب في المحميات الطبيعية، عن طريق التأكيد على إسهام الطبيعة في حياة البشر".

مجتمع منقسم على ذاته

إن أحد أكبر مخاوف واطسون هو أن يتوقف صُنّاع السياسات عن الاهتمام بالقضية بمجرد رؤيتهم شجارًا بين العلماء. لذا.. عقد واطسون اجتماعًا في الأسبوع الأول من يونيو من العام الجاري لعلماء المنبر، وممثلي الحكومات في مدينة بون بألمانيا؛ لتشجيعهم على منح الضوء الأخضر لنهج إسهام الطبيعة في حياة البشر، الأكثر شمولية. وترغب الحكومات ووكالات الأمم المتحدة في أن تنجح هذه الهيئة الناشئة في تحقيق طموحها في أنْ تكون أكثر شمولية، وأقّروا النموذج الجديد لها.

حضرت الاجتماع في بون آنا ماريا هيرنانديز، مندوبة كولومبيا في المنبر. وتتفق هيرنانديز مع فكرة أن التقييمات الصادرة عن المنبر ستشكل تحديًا لأسلوب تفكير العلماء وصُنّاع السياسات بشأن القضايا محل الاهتمام، وتقول: "إن المجتمع العلمي لديه رؤية واحدة، لكنْ ليس كل مَن لديه علم بالتنوع الحيوي أو يُعنَى بالحفاظ عليه عالِمًا. نحن بحاجة إلى أن نتعلم الإصغاء إلى الناس، حتى وإنْ لم يكونوا من حاملي شهادة الدكتوراة". تشغل هيرنانديز منصب مديرة السياسات بمعهد ألكسندر فون هومبولت لأبحاث الموارد البيولوجية في بوجوتا.

تشعر كذلك كريستينا فيجيراس - التي أدارت بنجاح اتفاق باريس للمناخ، بوصفها الأمينة التنفيذية السابقة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ - بالحماس لاتباع المنبر للنهج الأكثر شمولية، وتقول: "ينتفع العالَم من إجراء المزيد من الحوارات الصريحة على مستوى العلوم والثقافات المختلفة. وأنا أحيِّي وأدعم ما يقومون به، وأتمنى لهم النجاح".

هذا.. ولكنْ يساور آخرين القلق بشأن الانقسام الذي يهز المجتمع المعني بالتنوع الحيوي، والمنبر المذكور. فالجانبان لا يتقاربان. ويقول دي جروت إن اجتماع المنبر - الذي عُقِد في يونيو - استبعد في الواقع مشارَكة خدمات النظم البيئية. ويضيف: "لم تتم دعوتنا إلى أيٍّ من الاجتماعات". ويرد واطسون على ذلك قائلًا إن الاجتماع كان مقصورًا على ممثلي الحكومات الأعضاء في المنبر، تلك الحكومات البالغ عددها 129 حكومة، وأن الحاضرين البالغ عددهم 49 أيّدوا الابتعاد عن خدمات النظم البيئية.

ويجادل نقّاد المنبر، مُعَبِّرين عن أنّ المنبر أصبح أداة لتحقيق رغبة أعضائه من الباحثين، بدلًا من تقديم علْم عملي يمكنه أن يحفز اتخاذ القرارات القادمة، ويقدم المعلومات اللازمة لهذه القرارات، مثل تحديد أهداف جديدة لكبح جماح فقدان التنوع الحيوي. وتُناقَش حاليًّا هذه الأهداف بشكل منفصل، بوصفها جزءًا من اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بالتنوع البيولوجي.

ولكي يحقق المنبر الأثر المنشود، سيكون عليه تجاوُز هذا الانقسام، حسبما تقول ماريا إيفانوفا بجامعة ماساتشوستس بمدينة بوسطن، التي تكتب تاريخ برنامج الأمم المتحدة للبيئة. وتوصي إيفانوفا بأنْ يَمُد واطسون وقيادة المنبر غصن الزيتون إلى منتقديهم. وتقول: "ينبغي عليهم - على الأقل - أن يقيموا حوارًا بنّاءً، بدلًا من رشق بعضهم البعض بالرسائل على صفحات الدوريات الأكاديمية".

ويبدو أن واطسون يتفق في الرأي مع إيفانوفا؛ فهذا المجادل المتمرس في النقاشات الدائرة بين الشمال والجنوب، والكثير من التقييمات العالمية السابقة يعرف أن السنوات الأولى للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ كانت تعرقلها أيضًا المناوشات داخل الجماعة، التي يدور بعضها حول الأدلة المشيرة إلى أن البشر يتسببون في التغير المناخي. وهو يتفهم كذلك أن تأثير هيئة المناخ كان لينخفض كثيرًا، دون اتحاد المجتمع حول توافق علمي في الآراء.

يخضع المنبر كذلك لتقييم خارجي، مِن المقرر أن يُقدَّم به تقرير بحلول شهر مايو العام المقبل. والمراجعون القائمون على هذا التقييم على وعي تام بالانشقاق القائم، والخطر الذي يشكّله على طموحات المنبر في إقناع صُنّاع السياسات لاتخاذ خطوات، مِن شأنها الحدّ من فقدان التنوع الحيوي. ويحذّر واطسون من أنه إذا كان للمنبر أن يلاقي نجاحًا، "فعلينا ألا نُحدِث انقسامًا في المجتمع الأكاديمي أو الحكومات تحت أي ظرف من الظروف".

References

  1. World Meteorological Organization. Atmospheric Ozone 1985 Volume III (WMO, 1985). 
  2. Intergovernmental Panel on Climate Change. IPCC Second Assessment: Climate Change 1995 (IPCC, 1995). 
  3. Granjou, C., Mauz, I., Louvel, S. & Tournay, V. Sci. Technol. Soc. 18, 9–27 (2013). | article
  4. Intergovernmental Science-Policy Platform on Biodiversity and Ecosystem Services. The Assessment Report on Land Degradation and Restoration (IPBES, 2018). 
  5. Intergovernmental Science-Policy Platform on Biodiversity and Ecosystem Services. Thematic Assessment on Pollinators, Pollination and Food Production (IPBES, 2016). 
  6. Díaz, S. et al. Science 359, 270–272 (2018). | article

  7. Costanza, R. et al. Ecosyst. Serv. 28, 1–16 (2017). | article

إحسان مسعود يكتب من لندن في موضوعات عن العلوم والسياسات.