رؤية كونية

تخلخل عِلم الحرائق الهائلة بسبب نقص البيانات الشاملة

إنشاء مبادرة رصد دولية أمر ضروري لفهم الحرائق الهائلة، والحدّ من خسائرها، كما يقول ديفيد بومان.

ديفيد بومان
  • Published online:

© MATTHEW NEWTON/UNIV. TASMANIA

شَهِد عام 2013 اندلاع حريق هائل؛ تَسبب في تدمير قرية ساحلية صغيرة شرق مدينة هوبارت الأسترالية، وهي المدينة التي أقطنها وأعمل بها اختصاصيًّا في دراسة التوزُّع الجغرافي للحرائق الهائلة. وقد أظهرت صورة نشرتها إحدى الصحف حجم الرعب الذي صاحب هذه العاصفة النارية، حيث كانت الصورة لأسرة تحتمي تحت رصيف بحري في مشهد يبدو فيه الشفق البرتقالي السريالي الملبَّد بالأدخنة. وفي الأسبوع الأخير من يوليو الماضي، هزتني صور واردة من اليونان، لا تقل رعبًا عن سابقتها، ويظهر فيها السكان وهم يركضون نحو البحر؛ فرارًا من الجحيم.

وخلال الأسابيع السابقة لهذه الفترة، شبت النيران في أماكن أخرى، من بينها مناطق في السويد، وكاليفورنيا. وبالرغم من ذلك، لا يتوافر لدينا سوى القليل من المعلومات المؤكدة بشأن طبيعة المنحى الذي تسلكه الحرائق الهائلة حول العالم؛ فالبيانات المتوفرة في غاية الندرة، ولا تكفي للجزم بما إذا كانت الحرائق تزداد ضراوةً وتدميرًا، أم لا. وإذا كان للبشر أن يعيشوا بصورة مستدامة في مناطق ذات طبيعة قابلة للاشتعال، فنحن بحاجة إلى منظومة عالمية لجمع البيانات المتعلقة بالحرائق، بما يُمَكِّننا من رسم صورة مترابطة عن الوضع، وكذلك تقييم الاستراتيجيات.

قمتُ أنا وعدد من زملائي بتحليل سجلات للفترة ما بين عامي 1979، و2013 (W. M. Jolly et al. Nature Commun. 6, 7537; 2015)؛ واكتشفنا أن مواسم الحرائق تزداد طولًا حول العالم، وأن "الطقس المواتي للحرائق" – أي ذلك المزيج من الرطوبة، والحرارة، والرياح، وغيرها من العوامل المساعِدة على انتشار اللهب – قد صار أشد قسوة وحِدَّة، بيد أن الصلات الوثيقة التي تربط البشر بالأراضي ذات الطبيعة القابلة للاشتعال تجعل من الحرائق خطرًا طبيعيًّا، بشكل خاص. وبإمكاننا توسيع نطاق هذه الدورة أو إخمادها، إما بإضرام الحرائق، أو مكافحتها. وعليه، فإن ازدياد طول أحد مواسم الحرائق لا يعني بالضرورة وجود عدد أكبر من الحرائق.

لقد أحدث التصوير بالأقمار الاصطناعية ثورة في فهمنا لنشاط الحرائق؛ فقد أمدنا ببيانات تشمل العالم بأسره للمناطق التي تشتعل فيها الحرائق، والتفاوت الموسمي المتعلق بتوقيت حدوث الحرائق، والمدى الذي يمكن أن تصل إليه أحجام هذه الحرائق، إلا أن الصور المأخوذة بالأقمار الاصطناعية لا تخلو من العيوب، حيث إن المُدَد الزمنية التي تغطيها الصور عالية الدقة تفصل بينها أيام، أو أسابيع، أو حتى شهور، وذلك إذا ما غطت السُّحُب على الحرائق، أو على مساحات الأرض التي اندلعت فيها النيران. أما الأقمار الاصطناعية التي تدور مع حركة دوران الأرض، والتي تتميز بارتفاع مداراتها، مقارنًة بالأنواع الأخرى، فيمكنها توفير معلومات آنية، بيد أنها يعيبها تدنِّي دقة تصويرها.

وبالإضافة إلى ذلك، لم تكن صور الأقمار الاصطناعية متوافرة على نطاق واسع، إلا في ثمانينيات القرن الماضي، ولذلك، لا يُلِمّ العلماء إلا بالقليل من المعلومات عن المناطق التي تتعرض للحرائق بصورة غير متكررة، وهو ما يضطرنا إلى الاعتماد على المؤشرات التاريخية، كتحديد عمر الآثار التي تتركها الحرائق على جذوع الأشجار، وفحص طبقات الفحم النباتي الكامنة في رواسب البحيرات.

يشير التحليل الذي تم إجراؤه بالاستعانة بالأقمار الاصطناعية إلى أن المساحة الكلية التي دمرتها الحرائق الهائلة على مدار الثمانية عشر عامًا الماضية قد تراجعت (N. Andela et al. Science 356, 1356–1362; 2017). ويبدو أن هذا يُعزى – بشكل جزئي – إلى أن مساحات كبيرة من السافانا الاستوائية على مستوى العالم قد تحولت إلى مَزارع للإنتاج الحيواني، وأراضٍ مزروعة بالمحاصيل، من شأنها تجزئة الأراضي، والحدّ من قابليتها للاشتعال، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالكوارث، عادةً ما تكون الرقعة المحترقة أقل أهمية من شدة الحريق، وذلك وفقًا لما تحدده تقديرات العلماء للطاقة المنبعثة من الحرائق. وفي هذا الصدد، توصلنا إلى أن الحرائق الكارثية عادًة ما تندلع في المناطق ذات الكثافات السكانية المتوسطة، وكذلك في أثناء الفترات التي تشهد حرارة مرتفعة، أو رياحًا عاتية، أو جفافًا شديدًا بشكل غير معتاد (D. M. J. S. Bowman et al. Nature Ecol. Evol. 1, 0058; 2017).

وحتى الحرائق ضعيفة الحدة قد تَنْتُج عنها تأثيرات بيولوجية شديدة الوطأة، لا سيما في المناطق التي تتسم بقدرة ضعيفة على التأقلم مع هذا النوع من الحرائق، كالغابات المطيرة مثلًا. ويتطلب التقييم الموثوق لمدى شدة الحرائق عملًا ميدانيًّا لجمع البيانات التي ربما لا يتسنى جَمْعها بطريقة أخرى. فعلى سبيل المثال، تعجز الأقمار الاصطناعية - بشكل عام - عن رصد تلك الحرائق التي تندلع تحت ظُلل الغابات.

وحتى يتسنى لنا التوصُّل إلى تكوين رؤية شاملة، نحتاج إلى مبادرة على غرار اتحاد الشبكات الوطنية للأرصاد الجوية، الذي يرصد الأحوال الجوية بصفة يومية. وتُعَدّ هذه الشبكة العالمية، التي أُنشئت على مدار القرنين التاسع عشر والعشرين، انتصارًا علميًّا لم ينل حظه من التقدير، إذ تمثل البيانات التي تقدِّمها هذه الشبكات ركيزة أساسية بالنسبة إلى التنبؤات الجوية، وأعمال ضبط ومعايرة نماذج التغير المناخي. ولك أن تتخيل إلى أيّ مدى ستصبح توقعات الأحوال الجوية غير موثوق بها، في حال استنادها فقط إلى بيانات الأقمار الاصطناعية، والقياسات الميدانية غير المتسقة، وعمليات إعادة تصوُّر الأطوار التاريخية، كما يجري الأمر بالنسبة إلى الحرائق التي تندلع في الأراضي.

لم يصل التحليل المقارن لنشاط الحرائق إلى أن يكون أمرًا ممكنًا في أوروبا، إلا في عام 2004، وذلك مع إنشاء قاعدة بيانات الحرائق التابعة للاتحاد الأوروبي، التي تضم بيانات من 22 دولة. ولا يحتفظ سوى عدد قليل من البلدان بسجلات للحرائق تغطي ما قبل عام 2004.

إن إنشاء مركز عالمي مختص بجمع المعلومات، وإتاحتها، ورصد الحرائق التي تندلع في الأراضي سوف يسهل من تسجيل أنواع الغطاء النباتي التي تلتهمها النيران، وحجم الأضرار الناجمة، وحجم المساحات المتضررة، وحجم الخسائر في الأرواح والممتلكات، التي تنتج عن هذه الحرائق. إننا نحتاج إلى هذه البيانات؛ لتسهيل إجراء التحليلات المعنية بأسباب الحرائق ونتائجها، وكذا تقييم منهجيات إدارة الحرائق، وتوفير الإرشاد المتعلق بتحديد أسعار إعادة التأمين. وسوف تسمح لنا هذه البيانات بالتنبؤ بمدى إسهام احتراق النباتات أو عدم احتراقها في تعديل مستويات ثاني أكسيد الكربون وغيره من غازات الدفيئة، كما أنها ستساعدنا على تقييم كيفية تأثير التغير المناخي، وإدارة الأراضي والسياسات الاجتماعية الاقتصادية على نشاط الحرائق، وقابليتها للاندلاع.

مِن المتوقع أن يشكل إنشاء قاعدة بيانات عالمية كهذه تحديًا ضخمًا من ناحية السياسات، وفيما يتعلق بالمسائل التقنية، إلا أن هذا التحدي لا يختلف عن ذلك التحدي الذي واجهناه عندما قمنا بإنشاء محطات الأرصاد الجوية. وبعض العناصر اللازمة لإنشاء قاعدة بيانات كتلك موجود بالفعل ضمن قاعدة بيانات الاتحاد الأوروبي، وقواعد البيانات الوطنية لدى عدد من البلدان. وإلى جانب تقنيات الاستشعار عن بُعْد، تُعتبر الملاحظات الميدانية أمرًا جوهريًّا لأغراض ضبط ومعايرة هذا التدفق للبيانات، والتحقق من صحتها. ويمكننا كذلك الاستعانة بإسهامات الجماهير في البحث العلمي؛ فالهواتف الذكية المزودة بخاصية النظام العالمي لتحديد المواقع يمكنها توثيق التأثيرات البيولوجية، وقد تساعد منصات إلكترونية - مثل «جوجل إيرث» - على دمج البيانات، وإدارتها.

إنّ التوصل إلى تحقيق فَهْم عالمي لنشاط الحرائق سوف يتطلب مبادرة دولية كبرى، وربما يحتاج الأمر إلى أنْ تقوده جهة ما ذات سُلطة، كالبنك الدولي، أو الأمم المتحدة. وبالرغم من أن الأمر صعب ومعقد، إلا أن ثماره لا تُقَدَّر بثمن، ويكفي أن نلقي نظرة على مشروعات أخرى بهذا الحجم، لنكتشف إمكاناتها الكامنة. ومثال على ذلك، الأثر الذي أحدثَتْه منظمة الصحة العالمية، وتقييمها للعبء الذي تُسَبِّبه الأمراض على مستوى العالم.

وما لم تكن لدينا آليات متطورة للمسح والرصد، فسنبقى عاجزين عن تقديم إجابات لأبسط الأسئلة المتعلقة بطبيعة المنحى الذي تسلكه الحرائق الهائلة. إنّ اتخاذ الإجراءات على قاعدة من الجهل يُعتبر طريقة لا ترقى إلى مستوى تكريم أولئك الذين يفقدون حياتهم كل عام مِن جرَّاء الحرائق، ناهيك عن الحدّ من هذه الخسائر في الأرواح. 

ديفيد بومان أحد المتخصصين في دراسة التوزُّع الجغرافي للحرائق الهائلة في جامعة تسمانيا بمدينة هوبارت الأسترالية، وله اهتمام بدراسة الأبعاد البيوفيزيائية والبشرية للحرائق.

البريد الإلكتروني: david.bowman@utas.edu.au