افتتاحيات

كيف حصلت السحالي على أقدامها الكبيرة

تقدِّم المخلوقات التي نجت من الطقس الجامح في منطقة الكاريبي لمحة نادرة ومزيلة للالتباس عن الانتقاء الطبيعي أثناء حدوثه.

  • Published online:

عندما رأى تشارلز داروين إحدى أوركيدات مدغشقر النجمية لأول مرة – وهي زهرة، كان أحد المتحمسين قد أُرسلها إليه – تنبأ بوجود مُلقِّحات طويلة اللسان يمكنها أن تصل إلى الرحيق الموجود داخل الأنابيب الطويلة لهذه الزهور. وقد أدى اكتشاف عثة أبي الهول Morgan’s sphinx moth، التي تمتلك لسانًا طويلًا بما يكفي بالكاد (وليس أطول من هذا)، إلى إثبات أن داروين كان على حق، وذلك بعد عقدين تقريبًا من وفاته.

 إنّ هذا يُعتبر أحد أكبر براهين التطور عبر الانتقاء الطبيعي، إلا أن ما يريده علماء الطبيعة حقًّا هو التحقق من الانتقاء الطبيعي خلال حدوثه، أي خلال قيامه بعملية الانتقاء. وقَبْل عام مضى، طرقت الفرصة باب عالِم الأحياء كولين دونيوي، من جامعة هارڨارد في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، وذلك بعد عودته مباشرة هو وزملائه من جزيرتي توركس، وكايكوس، حيث كانوا يدرسون سحالي الأنول (Anolis scriptus).

في الثامن من سبتمبر من العام الماضي، ضرب إعصار "إرما" Irma هاتين الجزيرتين برياح مستمرة، وصلت سرعتها إلى 265 كيلومترًا في الساعة. وبعد ذلك الإعصار بأسبوعين، وصل إعصار "ماريا" Maria؛ فلقي عشرات الناس في المنطقة حتفهم، وما زالت عمليات إعادة الإعمار والبناء جارية.

وبعد ثلاثة أسابيع من انخفاض حدة الرياح، عاد الباحثون إلى أماكنهم؛ لتقييم الأضرار، وللتحقق من الطريقة التي تمكنت بها السحالي من أن تنجو (أو التحقق مما إذا كانت قد نجت أصلًا). وتُعد الدراسة التي أجراها الباحثون – والتي نُشرت في دورية Nature في الأسبوع الأخير من يوليو الماضي هي الدراسة الأولى التي تَستخدِم مقارنة مباشرة بين ما حدث فيما قبل، وما حدث فيما بعد، لتقييم آثار الأعاصير على الانتقاء التطوري (C. M. Donihue et al. Nature http://doi.org/csgp; 2018). وقد شهد الباحثون أنماطًا واضحة للانتقاء الطبيعي أثناء حدوثه. فبشكل عام، تميزت سحالي الأنول، التي تم العثور عليها بعد العواصف، براحات أكبر حجمًا لأصابع القدم، وأطراف أمامية أطول، وأطراف خلفية أقصر، وذلك بالمقارنة بالسحالي التي تم جمْعها قبل العواصف.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما علاقة تلك السمات بالأعاصير؟ تعيش هذه السحالي داخل الشجيرات، وفي غيرها من النباتات قصيرة الطول. وتعمل راحات أصابع القدم على تمكين هذه السحالي من التشبث بالفروع أثناء الحركة. ومِن الوارد أيضًا أن نِسب مقاييس الأطراف تلعب دورًا في مساعدة السحالي على الإبقاء على تَمَسُّكها بالفروع، وهو ما يُمَكِّن هذه السحالي من التصدي لمحاولات تحريكها من قبل المُفترِسات، أو السحالي الأخرى، أو – كما اتضح – الأعاصير التي تهددها.

أخذ الباحثون فِكْرتهم إلى ما هو أبعد من هذا، وذلك عبر تجربة معملية بسيطة، سمحوا من خلالها للسحالي بالاستقرار على قصبة، ثم قاموا بنفخ السحالي باستخدام أداة نفخ أوراق الشجر المتاحة في الأسواق. (طارت السحالي إلى بطانة ذات حشو مريح، ولم تتعرض لأي أذي خلال التجارب).

أظهرت هذه التجربة أنه عند تَعَرُّض السحالي لهواء قوي، فإنها تقوم بالتشبث بقوة باستخدام أطرافها الأمامية، وتترك أطرافها الخلفية مُعَلَّقة بشكل حر. وبالتالي، فإن الأطراف الأمامية الأطول توفِّر قدرة أكبر على التشبث، ما يفسر السبب في أن السحالي التي تم العثور عليها بعد العواصف كانت تنحى إلى أن تكون لديها أطراف خلفية أقصر، وأطراف أمامية أطول.

إن الراحات الأكبر حجمًا لأصابع القدم، والأطراف الخلفية الأقصر، والأطراف الأمامية الأطول لم تتطور كاستجابة مباشِرة للأعاصير. لقد تداخل الانتقاء الطبيعي مع الطريقة التي انتشرت بها هذه السمات عبر جماعة السحالي. وعلى وجه التحديد، مِن المفترَض أن تلك السحالي التي كانت غير قادرة على الصمود عندما هبت العواصف – أي تلك التي كانت لديها راحات صغيرة لأصابع القدم، وأطراف خلفية أطول، وأطراف أمامية أقصر – قد تم العصف بها؛ وهلكت. وتلك السحالي التي كانت لديها القدرة على التشبث بإحكام ربما تكون قد تمكنت من البقاء، لتحمُّل أجواء يوم آخر. وفي سياق المصطلحات التقنية، ما حدث هو أن القيم المتوسطة للسمات الحرجة التي تم قياسها قبل العواصف قد تغيرت.

إنّ هذه التغيرات ذات نمط ظاهري، أي أنها مجرد خصائص يمكن ملاحظتها، وليست لها أيّ دلالات على حدوث تَمَثُّل جيني لمثل هذه التغيرات، ومِن المفترَض لهذا التمثل الجيني أن يحدث عندما تتكاثر السحالي الناجية فيما بينها، وتنضم سحالٍ جديدة إلى العشيرة. وفي ظل أحوال الطقس بالغة الشدة، المتوقع حدوثها في المستقبل، من غير المحتمَل أن تكون هذه التغيرات هي الأخيرة من نوعها.