أخبار

قانون أوروبي يعصف بالمحاصيل المحرّرة بـ"كريسبر"

حُكْم المحكمة العليا يهدد الأبحاث المجراة على النباتات المحرّرة جينيًّا.

إوين كالاوي

  • Published online:
في الاتحاد الأوروبي، ستُعامَل المحاصيل والأغذية المحررة جينيًّا مثل الكائنات المعدّلة وراثيًّا.

في الاتحاد الأوروبي، ستُعامَل المحاصيل والأغذية المحررة جينيًّا مثل الكائنات المعدّلة وراثيًّا.  

© Chris Ratcliffe/Bloomberg/Getty

إنّ المحاصيل الزراعية المحررة جينيًا يجب أن تخضع الآن للقواعد الصارمة نفسها التي تحكم الكائنات التقليدية المعدلة وراثيًّا (وتسمى اختصارًا GM)، بحسب ما اقتضته المحكمة الأوروبية العليا، في الخامس والعشرين من يوليو الماضي.

يُعتبر القرار الذي أصدرته محكمة العدل الأوروبية (ECJ) في لوكسمبورج انتكاسة كبرى لمقترحي المحاصيل المحررة جينيًّا، ومن بينهم العديد من العلماء. فقد كانوا يأملون أن تُعفى الكائنات الحية المخلّقة باستخدام تقنيات التحرير الجيني الدقيقة، والجديدة نسبيًّا - مثل تقنية "كرسبر-كاس9" CRISPR–Cas9 - من القانون الأوروبي الساري حاليًّا، الذي حَدّ من زَرْع وبَيْع المحاصيل المعدلة وراثيًّا.

بدلًا من ذلك.. قضت محكمة العدل الأوروبية بأن تخضع المحاصيل المُنْتَجة باستخدام هذه التقنيات لأمر توجيهي، صدر في عام 2001. كان هذا القانون قد صدر بحقّ تقنيات الاستيلاد الأقدم، وهو يضع عقبات شديدة في طريق تطوير المحاصيل المعدلة وراثيًّا من أجل استعمالها كغذاء.

"إنه حكم مهم، وشديد الصرامة"، حسب قول كاي بيرنهاجن، الباحث القانوني في جامعة فاجينينجن ومركز الأبحاث في هولندا، المتخصص في القانون الأوروبي والدولي. وأضاف قائلًا: "يعني هذا الحكم بالنسبة إلى جميع الابتكارات الحديثة، كالأغذية المُعَدّة بتقنية "كريسبر-كاس9"، أنك سيتعين عليك المرور بالعملية الطويلة الخاصة بالاتحاد الأوروبي؛ للحصول على الموافقة".

ومن المرجّح أن يؤدي ذلك إلى إعاقة الاستثمار في أبحاث المحاصيل باستخدام هذه الأدوات في الاتحاد الأوروبي، وفق قول بيرنهاجن. "من الناحية العملية، لا أعتقد أن هذا سيكون محل اهتمام قطاع الأعمال. إن هذا القطاع سيتوجه إلى شيء آخر".

هذا الحُكْم "محبط جدًّا"، بحسب قول نايجل هالفورد، وهو عالم وراثة، متخصص في المحاصيل الزراعية في مؤسسة روثامستيد للأبحاث في هاربندن بالمملكة المتحدة. ويتابع قائلًا: "إنها ضربة في مقتل". وسيستمر استخدام تقنيات التحرير الجيني كأداة بحثية لتطوير المحاصيل، حسبما أضاف، لكنه يشك في أن تكون لدى الشركات في أوروبا رغبة كبيرة في تطويرها. يقول: "لن يستثمروا في تقنية يرون أن لا تطبيق تجاري لها".

وفي الوقت نفسه، أصدرت المنظمة البيئية «أصدقاء الأرض» في أمستردام بيانًا، أشادت فيه بقرار المحكمة. كما دعت إلى تنظيم جميع المنتجات المطوَّرة عن طريق التحرير الجيني، وتقييم آثارها الصحية والبيئية، ووضع علامات تعريفية عليها.

تغيرات الحمض النووي

يتعلّق الأمر التوجيهي الصادر من الاتحاد الأوروبي في عام 2001 - الذي يقف وراء قرار محكمة العدل الأوروبية - بالإطلاق المتعمّد للكائنات الحية المعدلة وراثيًا في البيئة، وكان يستهدف الأنواع التي أُدخلت فيها جينات كاملة، أو أجزاء طويلة من الحمض النووي. ويستثني القانون الكائنات الحية التي عُدّلت جينوماتها باستخدام تقنيات "توليد الطفرات" - كالتشعيع مثلًا - التي تُدخل تغييرات على الحمض النووي للكائن الحي، دون أن تضيف مواد وراثية غريبة.

وفي عام 2016، طلبت الحكومة الفرنسية من محكمة العدل الأوروبية تفسير الأمر التوجيهي الصادر في ضوء تقنيات استيلاد النباتات التي ظهرت منذ ذلك الحين.

ويؤكد العديد من مُرَبِّي النباتات والعلماء على وجوب اعتبار تقنيات التحرير الجيني - مثل «كريسبر-كاس 9» - مولدات للطفرات، مثلها مثل التشعيع تمامًا، ويمكن بالتالي استثناؤها من الأمر التوجيهي، إذ يمكنها أن تنطوي على تغييرات في الحمض النووي، من دون إدخال جينات غريبة، لكنّ معارضي الكائنات الحية المعدلة وراثيًّا يؤكدون أن الطبيعة المتعمدة للتعديلات المحدثة عن طريق التحرير الجيني تعني أنه يتوجب إخضاعها للأمر التوجيهي.

وفي شهر يناير الماضي، أصدر ميشال بوبيك - المحامي العام في المحكمة - مذكرة رأي من 15 ألف كلمة، يرى كلا الطرفين أنها كانت جزئيًّا لصالحهما. وقال إن المحاصيل المحررة جينيًّا تحتوي في تكوينها على كائنات حية معدلة وراثيًّا، خاضعة للأمر التوجيهي الأول، لكنه قال أيضًا إن الأنواع المعدّلة باستخدام تقنيات اكتشفت منذ عام 2001 - كتلك المستخدَمة في التحرير الجيني - يمكن استثناؤها، طالما أنها لا تحتوي على حمض نووي من أنواع أخرى، أو على حمض نووي اصطناعي.

ورغم ذلك.. قررت محكمة العدل الأوروبية في حُكْمها أن تقنيات توليد الطفرات فقط التي "استُخدمت تقليديًّا في عدد من التطبيقات، وتتمتع بسجل أمان طويل، معفاة من تلك الالتزامات". والكائنات المخلّقة باستعمال تقنيات توليد الطفرات التي طُوّرت بعد عام 2001 - بما في ذلك التحرير الجيني - غير مستثناة من القرار.

لا حوافز..

"من شأن ذلك أن يعطل البحوث بعض الشيء، بالطريقة نفسها التي أدى بها تشريع الكائنات المعدلة وراثيًّا إلى تعطيل البحوث الخاصة بها لمدة 15 عامًا تستمر إلى الآن"، بحسب قول ستيفان جانسون، عالِم فسيولوجيا النبات في جامعة أوميا في السويد. لن تختفي المحاصيل المحررة جينيًّا من مختبرات الأبحاث الأوروبية، لكنه يخشى أن تنفد أموال التمويل اللازمة لتطويرها. ويضيف: "إذا لم يكن بإمكاننا إنتاج أشياء يجدها المجتمع مفيدة؛ سيتضاءل احتمال مَنْحنا تمويلًا".

ويبدي جانسون أيضًا مخاوف عملية تساوره حول الحكم. كان قد طوّر "ملفوف بتقنية كريبسبر" الذي تناوله، والذي كان مزروعًا في حديقة منزله وقت تَحَدُّثه إلى دورية Nature. يقول: "التقطت صورة أمس، وصورة أخرى بعد صدور الحكم. لا يزال النبات هو نفسه. بالأمس، لم يكن من الكائنات المعدلة وراثيًّا، وأصبح الآن واحدًا منها. يخامرني نوع من الفضول حيال ما يجب عليَّ فعله.. هل يتعين عليَّ اقتلاعه؟"

ومن جانبه، يقول بيرنهاجن إن هذا الحكم يترك المجال مفتوحًا لثغرة محتمَلة، فإن تمكن العلماء من إثبات أن تقنيات التحرير الجيني آمنة بقَدْر أمان أساليب توليد الطفرات المستثناة بالفعل من القانون (مثل التشعيع)؛ سيكون بإمكان التقنيات الجديدة أيضًا أن تُمنح استثناءً، لكنه يشك في أن يظل عند الباحثين، وقطاعات الأعمال المعنية بتطوير محاصيل محرّرة جينيًّا، أمل في الأمر. ويقول: "لا يمكنني رؤية «كريسبر-كاس9» وكل هذه التقنيات الحديثة تقنيات مربحة في الاتحاد الأوروبي. لا أتصور ذلك. أعتقد أن هذا المجال البحثي سينتقل إلى مكان آخر".