أخبار

علامات على وجود بحيرة مدفونة في المريخ تثير حماس العلماء

في حال ثبوت وجود هذه البحيرة، ستكون أول مسطح مائي سائل يُكتشَف على الإطلاق على الكوكب الأحمر.

ألكسندرا فيتز

  • Published online:
يُعتقَد أن المريخ يأوي بحيرة مدفونة، من شأنها تغيير طريقة استكشاف العلماء للكوكب الأحمر.

يُعتقَد أن المريخ يأوي بحيرة مدفونة، من شأنها تغيير طريقة استكشاف العلماء للكوكب الأحمر.

© NASA

يبدو أن هناك بحيرة مالحة كبيرة توجد تحت الجليد بالقرب من القطب الجنوبي للمريخ. وفي حال ثبوت وجودها، ستكون أول مسطح مائي سائل يُكتشَف على الإطلاق على الكوكب الأحمر، وستمثّل علامة فارقة في طريق المساعي الرامية إلى تحديد ما إذا كانت توجد حياة هناك، أم لا.

يقول روبرتو أوروساي، عالِم الكواكب في المعهد الوطني للفيزياء الفلكية في بولونيا بإيطاليا: "إن البحيرة مكان واعد للغاية للبحث عن الحياة على المريخ، لكننا لا نعلم يقينًا ما إذا كانت مأهولة، أم لا". فعلى كوكب الأرض، تكون البحيرات "تحت الجليدية" المشابِهة موئلًا للحياة الميكروبية.

أعلن عن الاكتشاف فريق من الباحثين الإيطاليين، بقيادة أوروساي، في 25 يوليو في مجلة «ساينس» Science1، حيث رصد الفريق أدلة على وجود البحيرة المدفونة في بيانات رادارية قادمة من مركبة الفضاء «مارس إكسبريس»، التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية.

يقول آخرون إن الاكتشاف مثير للحماس، لكنه - شأنه شأن غيره من المساعي المثيرة للجدل للبحث عن المياه على المريخ - يحتاج إلى المزيد من الأدلة الداعمة. يقول جيفري بلوت، عالِم الكواكب في مختبر الدفع النفّاث، التابع لوكالة ناسا في باسادينا بكاليفورنيا، الذي قام بالبحث عن المياه باستخدام بيانات من مركبة «مارس إكسبريس»2: "إن نجاح الاكتشاف لم يتأكد بعد".

إذا أكدت دراسات أخرى وجود البحيرة، فإن هذا الاكتشاف من شأنه فتح طرق جديدة أمام دراسة المريخ. فقد نقّب الباحثون البحيرات تحت الجليدية على سطح الأرض، وجمعوا عينات من المياه؛ بحثًا عن علامات على وجود ميكروبات، بينما يطوّر آخرون حاليًّا تقنيات للوصول إلى محيط مدفون على القمر «أوروبا»، الذي يدور حول المشترى. ولا توجد بعثات فضائية قيد التخطيط حاليًّا لحفر الجليد على سطح المريخ، لكن الاكتشاف الأخير يغيّر كيفية تفكير العلماء فيما يخص استكشاف الكوكب.

ويقول جيم جرين، كبير العلماء في وكالة ناسا: "يثير الاكتشاف مجموعة جديدة من التساؤلات المثيرة جدًّا للحماس". تظهر المياه حاليًّا في أنحاء المريخ في صور متعددة، خلّفتها مليارات السنوات التي كان الكوكب فيها أكثر دفئًا ورطوبة. فقد رصدت المسابير المدارية جليدًا، وكتلًا جليدية في العديد من المواقع، والتقطت المركبات الفضائية صورًا لمنحدرات شديدة الانحدار، يتغيّر شكلها موسميًّا، كما لو كانت مياه سائلة تجري منحدرةً عليها، وتترك علامات داكنة. كما قاست مركبة «كيريوسيتي» الجوّالة، التابعة لوكالة ناسا، بخار ماء في الغلاف الجوي للكوكب.

وجد أوروساي وزملاؤه البحيرة باستخدام أداة رادارية، تُسمَّى «مارسيس»، على متن مركبة «مارس إكسبريس»، التي أُطلقت في عام 2003. ترسل هذه الأداة موجات راديو، ترتد عن سطح الكوكب والطبقات التي تحته؛ ومن شأن الطريقة التي ترتد بها موجات الراديو أن تكشف عن نوع المواد الموجودة في المكان، مثل الصخر، أو الجليد، أو الماء. وركز العلماء في بحثهم على طبقات الجليد والغبار التي تغطي القطب الجنوبي للكوكب.

غير أن الأرصاد كانت غير متسقة على نحو مُحبِط. فقد رصدت مركبة «مارس إكسبريس» أحيانًا انعكاسًا ساطعًا في عدة مواقع، لم يظهر مجددًا في المرة التالية التي حلّقت فيها المركبة فوق هذه المواقع. وأخيرًا في عام 2012، قرر العلماء أن يجعلوا الأداة «مارسيس» ترسل بيانات أولية، بدلًا من إجراء معالجة آلية قبل إرسال البيانات إلى الأرض. ويقول أوروساي: "غيّر ذلك كل شيء، وكان رصد العاكسات الساطعة أكثر وضوحًا".

أظهرت البيانات الانعكاسات القادمة من نطاق طوله 20 كيلومترًا في منطقة تُعرَف باسم "بلانوم أوسترال". وبعد استبعاد الأسباب المحتملة الأخرى، مثل ثلج ثاني أكسيد الكربون، استنتج العلماء أن الانعكاسات كانت لمياه تحت السطح.

مسارات الرادار على منطقة «بلانوم أوسترال» في المريخ تُظهِر موقع بحيرة مدفونة محتملة (موضحة باللون الأزرق).

مسارات الرادار على منطقة «بلانوم أوسترال» في المريخ تُظهِر موقع بحيرة مدفونة محتملة (موضحة باللون الأزرق).

© USGS Astrogeology Science Center, Arizona State University, INAF

تقع البحيرة على بعد حوالي 1.5 كيلومتر تحت السطح الجليدي للمريخ، وعمقها متر واحد على الأقل. ولتحاشي التجمد، ينبغي أن تكون المياه مالحة جدًّا، حسب قول أوروساي، ربما على نحو يماثل البحيرات تحت الجليدية شديدة الملوحة، التي عُثِر عليها في القطب الكندي الشمالي في وقت سابق من العام الجاري3. وتقول أنجا روتشهوسر، عالِمة الجليد بجامعة ألبرتا في إدمنتون، إن الصخور الغنية بالأملاح الواقعة تحت البحيرات الكندية تتخلل الماء، وتسمح ببقائها سائلة. وعلى المريخ، قد تكون الأملاح المعروفة باسم البركلورات هي التي تكوِّن الماء المالح؛ ففي عام 2008، وجدت مركبة «فينيكس» الفضائية - التابعة لوكالة ناسا - بركلورات في تربة قريبة من جليد القطب الشمالي للكوكب.

ربما احتوى المريخ في الماضي على العديد من البحيرات المماثلة، عندما أدت الحرارة المتصاعدة من أعماق الكوكب إلى ذوبان بعض الجليد الذي يغطي مناطقه القطبية، حسبما يقول ستيفن كليفورد، وهو عالِم الكواكب الذي اقترح الفكرة4 في عام 1987، ويعمل الآن في معهد علوم الكواكب في هيوستن بتكساس. ويضيف كليفورد قائلًا إنه إذا كانت الحياة قد ازدهرت ذات مرة في البحيرات القديمة تحت السطح، فإن الاكتشاف الأخير "يعزز فكرة أن الحياة ربما لا تزال قائمة على المريخ".

ويقول جون بريسكو، عالِم الكيمياء الجيولوجية الحيوية بجامعة مونتانا في بوزمان، إنه في ظل توفر المياه السائلة والعناصر الكيميائية الصحيحة للإمداد بالطاقة، فإنّ أيّ بحيرة مريخية مدفونة ستكون بها المكونات الضرورية من أجل حياة مستدامة، طالما أنها ليست شديدة الملوحة، لكنّ استكشافها لن يكون بالمهمة السهلة. ويقود بريسكو فريقًا يهدف إلى حفر بحيرة «ميرسر» تحت الجليدية في القارة القطبية الجنوبية في وقت لاحق من هذا العام. وتَطَلَّب نقل الأطنان من المعدات والوقود اللازم إلى هناك أسابيع من اجتياز الغطاء الجليدي للقطب الجنوبي بالجرارات. ويضيف بريسكو: "من المستحيل نقل كل هذه المعدات إلى المريخ".

ولكن، ثمة طرق للحصول على مزيد من المعلومات باستخدام المركبات الفضائية الموجودة بالفعل. يشير جرين إلى أن مسبار «إنسايت» - التابع لوكالة ناسا، الذي من المقرر له أن يهبط بالقرب من خط الاستواء المريخي في نوفمبر من هذا العام - سيقيس تدفق الحرارة في الأمتار الخمسة العلوية من سطح الكوكب. ويمكن أن يَستخدِم العلماء هذه البيانات؛ لاستقراء مقدار الحرارة الذي قد يخرج من أسفل الغطاء الجليدي القطبي الجنوبي، فيذيب الثلوج، ومن المحتمل أن ينتج المزيد من البحيرات.

يقول أوروساي إن فريقه لمح انعكاسات ساطعة أخرى، لكنه ليس مستعدًا للجَزْم بأن هذه الانعكاسات لبحيرات. ويقول بلوت إن المزيد من الدراسات باستخدام الأداة «مارسيس»، وكذلك الرادار الموجود على متن مركبة «مارس ريكونيسانس أوربيتر»، التابعة لوكالة ناسا - الذي رصد منطقة «بلانوم أوسترال»، ولم ير الانعكاسات - سيساعد على كشف ما إذا كانت هذه الانعكاسات مياه سائلة حقًّا، أم شيئًا آخر.

References

  1. Orosei, R. et al. Science https://doi.org/10.1126/science.aar7268 (2018).

    | article

  2. Plaut, J. J. et al. Science316, 92–95 (2007). | article
  3. Rutishauser, A. et al. Sci. Adv.4, eaar4353 (2018). | article
  4. Clifford, S. M. J. Geophys. Res. 92, 9135–9152 (1987). | article