مستقبليات

حكاية داني وِيسكرز

ليس من السهل أن تكون ذكيًّا.

فواز المتروك
  • Published online:

Illustration by Jacey

على بُعْد عشرة أميال من الحدود الكندية، أوقفتهما الشرطة.

"لا تتفوه بكلمة واحدة"، قالها د. طربوش، وقد تخضبت يداه القابضتان على مقود السيارة بالحُمْرة.

"كنتَ تقود كالمجنون‘‘"، قالها القط القابع داخل صندوق حمل الحيوانات الأليفة، الموجود على المقعد المجاور للسائق. كان اسمه داني وِيسكرز.

كان د. طربوش يشعر بنبضات قلبه في يديه وهو يراقب – عبر مرآة الرؤية الخلفية لسيارته – ضابط الشرطة وهو يقترب.

"هل تعتقد أنني غبي؟ أنا لست غبيًّا"، قالها داني.

"صه".

"أنا أعرف متى يجب عليّ أن أصمت".

"مرحبًا أيها الضابط"، قالها د. طربوش.

حافَظ رجل الشرطة على المسافة التي تفصله عن السيارة، وقال: "رخصة القيادة ورخصة السيارة، من فضلك".

عبث د. طربوش في محتويات صندوق التابلوه بارتباك؛ فبرزت المحتويات إلى الخارج: إيصالات، ومظاريف، وصفحات من ورقة بحثية عن العوامل الوراثية اللا جينية للذكاء.

"لحظة واحدة! إنها هنا في مكان ما"، قالها الدكتور وهو يبحث بين الأوراق.

"يا إلهي"، قالها داني هامسًا.

"صه!"

"ستجعله يُطْلِق علينا الرصاص".

"أنت ثرثار كذلك القط المُتكلم!"

سمعه الضابط، فتساءل متعجبًا: "عفوا؟"

"عذرًا أيها الضابط، كنت فقط أتحدث إلى نفسي. وجدتها!"، قالها د. طربوش، وأبرز رخصة السيارة.

قطب الضابط جبينه وقال: "ابق مكانك".

عَبْر مرآة الرؤية الخلفية، راقب د. طربوش الضابط وهو يمشي مبتعدًا، وتجمعت قطرات من العرق على حاجبيه الكثيفين، وقال: "لقد كَشَفَ أمرنا".

"رائع.. لا يفصلنا عن كندا سوى عشرة أميال، وستكون أنت السبب في قَتْلي".

"بل أنت من لا يستطيع أن يبقى صامتًا".

"وأنت من ينحرف عن مساره عبر حارات الطريق".

"هذا لأن قطي قرر أن يخرج من صندوقه، وأن يصيح موجهًا عبارات نابية للسائقين المرافقين لي على الطريق!" قالها د.  طربوش، وقد ارتفعت نبرة صوته.

"ألا يفهمون ما يعنيه تعبير ’حارة سريعة‘؟"

"ألا تفهم أنت ما يعنيه تعبير ’هارب من العدالة‘؟"

"بلى، أفهم؛ فأنا لست غبيًّا".

"قد يُحكم عليّ بعشر سنوات في الحبس، لإجرائي تجارب غير مصرَّح بها في الهندسة الوراثية".

"أعرف هذا".

"وهناك يتعلم المرء كم هي كثيرة تلك الطرق التي يمكن بها سلْخ جلد واحد من بني جنسك".

"توقف".

"كان يجب عليّ أن أتركك في المختبر، وبعدها أقرأ عنك في صحيفة «ڨانكوڨر تايمز»، أو في أيٍّ من الصحف الموجودة لديهم هناك، بينما أحتسي شاي البابونج، أيها القط المتكلم! أيها الكائن التجريبي غريب الأطوار! أنت قط يتكلم طويلًا من أعماق قلبه، بينما تعهد به الشرطة العلمية الفيدرالية إلى … هل تبكي؟"

كان جليًّا أن داني يبكي، لكنه قال: "لا".

"كُف عن البكاء".

"هذا ليس عادلًا"، قالها داني متمتمًا، ثم أضاف: "لم أطلب هذا. لم أطلب أن أكون ذكيًّا. لقد كنت كائنًا شرعيًّا منذ أسبوع واحد فقط. لماذا قرروا أن يغيروا القوانين؟ لماذا لا يستطيعون أن يتركوني على ما أنا عليه؟"

تململ د. طربوش على مقعد السائق؛ فطوال عمره لم يكن يُحْسِن تهدئة الآخرين.

"لا أعرف يا داني".

"هذا ليس عادلًا".

"بلى، إنه ليس كذلك. الناس يصابون بالهلع، ويُشَرِّعون القوانين، ويدمرون حياة أناس آخرين، ولا يفهمون كيف يفعلون هذا".

شهق داني قائلًا: "حياة أناس آخرين؟"

"نعم".

"هل تعني أنني ’أناس آخرون‘؟"

"بالطبع، أنت كذلك".

سمح داني لابتسامة أن تظهر على محياه، ثم أردف قائلًا: "لكنني أذكى من ’الأناس البشريين‘".

"اخرس!"

ضحك داني، وحشر د. طربوش أصابعه في الشبكة المعدنية لصندوق حمل الحيوانات الأليفة، قائلًا: "تعال هنا".

مال داني متكئًا على أصابع د. طربوش، واستسلم لتدليك الرقبة، ثم بدأ في القرقرة.

"يالك من ولد لطيف"، قالها د. طربوش.

"لا تجاملني"، قالها داني وهو يواصل القرقرة.

وعندها، أنبأت طرقات كعبيّ حذاء الضابط عن عودته؛ فاعتدل د. طربوش في جلسته. اتكأ الضابط على السيارة ممسكًا بورقة مُخالفة صفراء بين أصابعه، ثم ألقى بورقة المخالفة فوق كومة الأوراق قائلًا: "اعتقد أن هذا هو المكان الذي تريدها أن تكون فيه".

"بالتأكيد".

"هذه المخالفة عقابًا لك على التبديل بين الحارات، دون إعطاء إشارة". أومأ د. طربوش برأسه قائلًا: "حسنًا".

"هل هذا قطك؟"

"نعم".

"قط لطيف".

أصدر داني صوت همهة من داخل صندوقه، وعندها شعر د. طربوش بقلبه يهوي بين قدميه.

ابتسم الضابط وقال: "لابد أنك تعلم أن ثمة أناسًا يجرون تجارب غريبة على الحيوانات، ويغيِّرون من جيناتها، وأشياء أخرى من هذا القبيل.. وأن هناك شيئًا يُسمُّونه كريسبي".

أطلق داني صيحة استهزاء؛ فأطلق د. طربوش صيحة استهزاء هو الآخر؛ ليحجب صوت صيحة داني.

"أتستهزىء بما أقول؟"

تحشرج صوت د. طربوش وهو يقول: "لا، لا، أيها الضابط؛ بل أستهزئ بهذا الـ ’كريسبي‘ .. إنها فكرة غبية".

نظر إليه الضابط مُضيِّقًا عينيه، قائلًا: ولما تراها فكرة غبية؟"

تنحنح د. طربوش، قائلًا: "إنها ضد المشيئة الإلهية، كما تعلم. يجب أن يكون هناك قانون".

"هناك قانون".

"حقًّا؟"

"قانون صارم، وفترات عقوبة صارمة. وهناك اثنان هاربان منه الآن.. رجل مسن، وقطه. ولقد شوهدا آخِر مرة متجهَين شمالًا من كاليفورنيا. قط ثرثار، وُصف بأنه ’مغرور‘"

"مغرور!"، كان هذا داني وِيسكرز.

ضرب د. طربوش جبهته في عجلة القيادة.

قال الضابط: "كانت هذه من القط".

"سيدي..."

"بدت كما لو كانت صادرة من القط".

"أنا ماهر في التكلُّم من البطن يا سيدي. يمكنني جعل الأصوات تبدو وكأنها تخرج من مكان آخر".

قال الضابط ضاحكًا: "أنت ماهر في التكلُّم من البطن! د. طه طربوش .. دكتوراة في التكلم من البطن، أو هل يُطلق عليه ’التكلم البطني‘؟ لا أعرف، ولا يهمني أن أعرف. فلنعد إلى الموضوع؛ تقول إن العبث بالجينات يخالف مشيئة الله. وأنا أقول..‘‘، ثم انحنى برأسه إلى داخل السيارة ليقول هامسًا: ".. إنّ والدي يعاني من مرض الزهايمر، وأتمنى أن يحدث إنجاز علمي فيما يتعلق بالعلاج. أتمنى لك رحلة موفقة!"

بهذه الكلمات، سار الضابط مبتعدًا عن السيارة. كان د. طربوش يشعر بنبضات قلبه؛ ست نبضات مع كل خطوة خطاها الضابط.

"لكنْ لا تَقُدْ مسرعًا!" قالها الضابط صائحًا من داخل سيارة دورية الشرطة الخاصة به.

"ماذا حدث للتو؟"، سأل داني وِيسكرز.

"أعتقد أننا كنا محظوظين".

"أعتقد أن الحقيقة سادت".

"نعم".

"أنا حقيقة، وقد سُدْتُ"، قالها داني.

التفت د. طربوش في اتجاه المقعد المجاور له، وقال: "اسمع يا داني، أمامنا عشرة أميال حتى نصل إلى الحدود. إذا صدر عنك صوت واحد آخر؛ عندها ستصبح قطًا ضالًّا".

"ماذا عن القرقرة لمرة واحدة؟"

"’داني!"

"مواء واحد؟"

"اخرس!"

’’ماذا إذا شعرت بالخَدَر في ذيلي؟ هل أخبرك بذلك؟ هل بإمكاني مغادرة صندوقي؟ ماذا لو تسبب الصندوق في إصابتي بالحَكَّة؟ ماذا إذا احتجت إلى حَكّ فروتي؟ الحَكّ هو بمثابة صوت. هل بإمكاني أن أقوم بالحَكّ؟"

خلال الأميال العشرة التي قطعَتْها السيارة، حتى وصلَتْ إلى الحدود، لم تكن هناك لحظة صمت واحدة فيما بينهما. بعد دخولهما إلى كولومبيا البريطانية بوقت قصير، خلد داني وِيسكرز إلى النوم. 

يهوى فواز المتروك متابعة أحدث التقنيات، ولكنه يكتب باستخدام الورقة والقلم. يعمل فواز مخرجًا للأفلام، بحُكْم خبرته، وهو يعمل حاليًّا على إخراج فيلم يُعتبر أول عمل بارز له، وذلك بدعم من مهرجان سان فرانسيسكو الدولي للأفلام (SFFILM).