أنباء وآراء

مرض ألزهايمر: التخلص من المخلَّفات في الدماغ عن طريق الجهاز الليمفاوي

إنّ اكتشاف أنّ مجموعة من الأوعية الليمفاويّة تعمل مع الأوعية الدمويّة لإزالة المخلَّفات السامّة من الدماغ له تبعات في التعامل مع الوظائف الإدراكيّة، والشيخوخة، واضطرابات معينة، مثل مرض ألزهايمر.

ميلاني دي. سويني، وبريسلاف في. زلوكوفيتش 

  • Published online:

تعمل شبكةٌ من الأوعية الليمفاويّة – جنبًا إلى جنب مع نظام الأوعية الدمويّة - على تنظيم توازُن السوائل في الجسم1. ولا يملك الدماغ شبكة ليمفاويّة خاصّة به، إلا أن الأغشية الخلويّة المحيطة بالمخ، المعروفة بالسحايا، بها شبكة من الأوعية الليمفاويّة. اكتُشف هذا الجهاز الليمفاوي السحائي للمرة الأولى2 في عام 1787، و"أُعيد اكتشافه" خلال العِقد الحاليّ3-5. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل للأوعية الليمفاويّة السحائيّة هذه دورٌ في الإصابة بأمراض الدماغ، كما للأوعية الليمفاويّة الجهازية دور في الأمراض الجهازيّة مثل السرطان1؟ في بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، كَشَف دا ميسكيتا وزملاؤه6 أن الأوعية الليمفاويّة السحائيّة تساعد على حِفظ كلٍّ من الوظيفة الإدراكيّة، والمستويات المناسبة من البروتينات في سوائل الدماغ (وهي عمليّة تسمّى الاستتباب البروتينيّ). ولهذا الاكتشاف تبعات في التعامل مع الشيخوخة الطبيعيّة، والأمراض، مثل مرض ألزهايمر.

في الجسم، تصرِّف الأوعية الليمفاوية السائل الخلاليّ (ISF) من الأنسجة، وهذا السائل يحتوي على المخلفَّات من قبيل الحُطام الخلوي والجزيئات السامّة. يكوِّن السائل الخلاليّ سائلًا غنيًّا بالبروتينات، يسمَّى "الليمف"، يدور في الجهاز الليمفاويّ عائدًا إلى الدورة الدمويّة1. وفي طريق عودته، تقوم بترشيحه العقد الليمفاويّة، التي بإمكانها تحفيز بدء استجابات مناعيّة في حال اكتشاف جزيئات غريبة.

لا يمتلك الدماغ أوعية ليمفاويّة خاصة به، ولذلك، تُنْقَل البروتينات والمخلفَّات من الجزء الأساسيّ من المخ (مَتْن المخ) خلال السائل الخلاليّ على طول جدران الأوعية الدمويّة، حتى تصل إلى السائل الدماغي النخاعي (CSF)، الذي يدور في السحايا7. ومن المعروف أن البروتينات، والمخلَّفات الاستقلابية، والجزيئات الأخرى في هذه السوائل يمكن إزالتها من الدماغ، عن طريق نقلها عبر جدران الأوعية الدمويّة، ما يعني تَجاوُزها الحاجز الدموي الدماغي8،7، فيما يُعرف بعملية "التصفية عبر الوعائيّة"، لكنْ لم يكن معروفًا ما إذا كانت الأوعية الليمفاويّة السحائيّة تلعب دور هي الأخرى في تصفية المخلفات، أم لا.

أتلف دي ميسكيتا وزملاؤه الأوعية الليمفاويّة السحائيّة في فئران تجارب، من خلال حقنها بعقارٍ مُتْلِفٍ للأوعية في الصهريج الكبير، وهو فراغٌ كبيرٌ في السحايا، مملوء بالسائل الدماغي النخاعي. بعد ذلك، أدخل الباحثون جزيئًا متتبِّعًا متألقًا فلوريًّا إلى الصهريج الكبير. ولُوحِظ أن في الفئران المفتقرة إلى الأوعية الليمفاويّة السحائيّة، لم يصل المتتبِّع إلى العقد الليمفاويّة العنقيّة العميقة، التي تُصَرِّف إليها الأوعية الليمفاويّة السحائيّة عادةً. وبالمثل، كشف حقن المتتبِّعات في متن المخّ عن خفض في تصريف السائل الخلاليّ إلى العقد الليمفاويّة العنقيّة العميقة. وكانت أبحاث سابقة9 قد كشفت أن حَقْن تركيزات عالية من المتتبِّع في السائل الدماغي النخاعي قد يسبب انتشار المتتبِّع إلى المخّ على طول الأوعية الدمويّة، إلا أن عملية الانتقال هذه قَلَّت هي الأخرى. وأكَّد الباحثون هذه النتائج من خلال عدة مقاربات بديلة، شملت استخدام متتبعات مختلفة، وإغلاق قناة التصريف إلى العقد الليمفاويّة العنقيّة العميقة جراحيًّا، وفحص الفئران المُعدَّلة وراثيًّا؛ ليصبح نموّ الأوعية الليمفاويّة لديها معتلًّا.

كما أدّى تلف الأوعية الليمفاويّة السحائيّة إلى اختلال في التوجيه المكاني، وذاكرة الخوف. هذا، ويقوم الحُصَيْنُ في المخ بوظيفة مهمة في هذه السلوكيّات. وقد اكتشف الباحثون تغيّرات في التعبير الجينيّ في هذه المنطقة تشبه التغيرات التي لوحظت في الاضطرابات التنكسيّة العصبيّة. وإجمالًا، تشير هذه التجارب إلى أن تصريف الأوعية الليمفاويّة السحائيّة للسائل الخلاليّ والسائل الدماغي النخاعي في الدماغ هو أمرٌ ضروريّ لحفظ سلامة الوظائف الإدراكيّة.

تثير هذه النتائج تساؤلًا مهمًّا، هو: أين ذهبت المتتبِّعات المحقونة؟ كشفت إحدى الدراسات10 أن المتتبّعات المحقونة في الصهريج الكبير تنتقل بشكل أساسي إلى مجرى الدم، بينما تذهب بشكلٍ ثانويّ فقط إلى الجهاز الليمفاويّ. والقياسات المتزامنة لتحرّكات المتتبعات إلى داخل الأوعية الليمفاويّة السحائيّة، والأوعية الليمفاويّة الأخرى (مثل الموجودة في الرقبة)، والدم، قد تَكشِف عمّا إذا كان تلف الأوعية الليمفاويّة السحائيّة يؤدّي إلى تحوُّل في المسارات المستخدَمة للتحكم في الاستتباب البروتينيّ للدماغ؛ ما يزيد الإزالة عبر الوعائيّة للمخلّفات عبر الحاجز الدمويّ الدماغيّ (الشكل 1)، أو تصريفها في الجهاز الوريديّ في السحايا7، أم لا.

الشكل 1 | تنظيم تصفية المخلفات في الدماغ. أ. لا يمتلك الدماغ أوعية ليمفاويّة خاصة به لإدارة تصفية المخلفات. تُنْقَل البروتينات والمخلفات من السائل الخلاليّ (ISF) في الدماغ على طول جدران الأوعية الدمويّة، لتصل إلى السائل الدماغي النخاعي (CSF)، في فراغٍ داخل السحايا، وهي أغشية تغطِّي المخّ. سجَّل دا ميسكيتا وزملاؤه6في بحثهم أن الأوعية الليمفاويّة في السحايا تصرّف السائل الدماغي النخاعي والسائل الخلالي المحتويَين على المخلَّفات. ب. في دماغ فأر سليم، يستلزم التصريف الليمفاوي لكلا السائلين التأشير بين عامل النموّ البطاني الوعائي «سي»، (VEGF-C)، ومُسْتَقْبِله VEGFR3 على الخلايا البطانيّة الليمفاويّة المبطِّنة لجدران الأوعية الليمفاويّة السحائيّة. ويُزال بروتين الأميلويد بيتا (Aβ) – المرتبط بمرض ألزهايمر - بشكل مبدئي من السائل الخلاليّ، عن طريق الأوعية الدمويّة. ج. مع التقدم في العمر، قد يتلف كلا الجهازين الوعائيين. وينكمش قُطْر الأوعية الليمفاويّة السحائيّة، ما يتسبب في تقليل تصفية المخلفات عبر هذا المسار. ويؤدي هذا العيب - إلى جانب اعتلال التصفية عن طريق الأوعية الدموية - إلى تراكم الأميلويد بيتا في المخّ.

الشكل 1 | تنظيم تصفية المخلفات في الدماغ. أ. لا يمتلك الدماغ أوعية ليمفاويّة خاصة به لإدارة تصفية المخلفات. تُنْقَل البروتينات والمخلفات من السائل الخلاليّ (ISF) في الدماغ على طول جدران الأوعية الدمويّة، لتصل إلى السائل الدماغي النخاعي (CSF)، في فراغٍ داخل السحايا، وهي أغشية تغطِّي المخّ. سجَّل دا ميسكيتا وزملاؤه6في بحثهم أن الأوعية الليمفاويّة في السحايا تصرّف السائل الدماغي النخاعي والسائل الخلالي المحتويَين على المخلَّفات. ب. في دماغ فأر سليم، يستلزم التصريف الليمفاوي لكلا السائلين التأشير بين عامل النموّ البطاني الوعائي «سي»، (VEGF-C)، ومُسْتَقْبِله VEGFR3 على الخلايا البطانيّة الليمفاويّة المبطِّنة لجدران الأوعية الليمفاويّة السحائيّة. ويُزال بروتين الأميلويد بيتا (Aβ) – المرتبط بمرض ألزهايمر - بشكل مبدئي من السائل الخلاليّ، عن طريق الأوعية الدمويّة. ج. مع التقدم في العمر، قد يتلف كلا الجهازين الوعائيين. وينكمش قُطْر الأوعية الليمفاويّة السحائيّة، ما يتسبب في تقليل تصفية المخلفات عبر هذا المسار. ويؤدي هذا العيب - إلى جانب اعتلال التصفية عن طريق الأوعية الدموية - إلى تراكم الأميلويد بيتا في المخّ.

كبر الصورة

بعد ذلك، لاحظ دا ميسكيتا وزملاؤه تقلصًا تُسَبِّبه الشيخوخة في قُطْر ومدى امتداد الأوعية الليمفاويّة السحائيّة، وتناقصًا في تصريف المتتبِّعات من السائل الخلاليّ والسائل الدماغي النخاعي إلى العقد الليمفاويّة العنقيّة العميقة. يتعزز نمو الأوعية الليمفاويّة في الفئران بمسار تأشيرٍ يتضمّن عامل النمو البطانيّ الوعائيّ «سي»، (VEGF-C)، ومُسْتَقْبِله VEGFR3، في حين أن تلفيات المسار تتسبب في فقد الأوعية الليمفاويّة السحائيّة3،1. وإضافة إلى ذلك، فإن العلاج بالعامل VEGF-C يوسّع قُطْر الأوعية الليمفاويّة السحائيّة؛ ما حَسَّن التصريف الليمفاويّ4 واتساقًا مع هذه النتائج، كشف الباحثون أن الإدخال الموضعي للجين Vegf-c في الصهريج الكبير في الفئران الهَرِمَة باستخدام فيروس، قد استرجع عملية تصريف متتبع السائل الدماغي النخاعي إلى العقد الليمفاويّة العنقيّة العميقة. وقد صاحب هذا التغيّر استعادة التوجيه المكاني في الفئران الهَرِمَة.

وقد سبق الاستدلال على حدوث تلفيات مرتبطة بالتقدم في العمر في التصفية عبر الوعائيّة للمخلفّات من تراكم بروتين أميلويد بيتا في المخّ12،11،7، وهي إحدى العلامات المهمّة لمرض ألزهايمر. دَرَس دا ميسكيتا وزملاؤه آثار إتلاف الأوعية الليمفاويّة السحائيّة في نموذجين لمرض ألزهايمر في فأرين، يُنتج فيهما بروتين أميلويد بيتا في الخلايا العصبية، ويُفْرَز في السائل الخلاليّ. وأدّى إتلاف الأوعية إلى تراكم أميلويد بيتا في السحايا، وتعجيل ترسبه في متن المخّ، وحدوث عيوب في الإدراك. كذلك أظهر الباحثون أن الأميلويد بيتا تراكم في سحايا المصابين بمرض ألزهايمر، مشيرين إلى إمكانيّة انطباق هذه النتائج على البشر.

والجدير بالذكر أن الباحثين اكتشفوا أن نماذج الفئران لم تُظهِر أيّ تغيرات هيكلية أو وظيفيّة واضحة في الأوعية الليمفاويّة السحائيّة وقت بدء ظهور ترسب الأميلويد بيتا في متن المخّ. ولم يتمكّن نقل الجين Vegf-c عن طريق الفيروس في تلك اللحظة من منع اعتلال الوظائف الإدراكيّة في أيّ من النموذجين، ما يشير إلى أن التراكم المبكّر للأميلويد بيتا، واعتلال الوظائف الإدراكيّة في الحيوانين كان سببه اختلالًا في مسار تصريف آخر، على الأرجح التصفية عبر الوعائيّة. وبما أن مسارات التصفية عبر الوعائيّة تتداعى تدريجيًّا مع التقدم في العمر، فالمحتمل أن الجهاز الليمفاويّ السحائيّ يتحمَّل عبئًا متزايدًا. وإذا وصل الجهاز الليمفاويّ إلى أقصى قدراته، فإن هذا قد يؤدي إلى اختلال التصريف الليمفاويّ للأميلويد بيتا، وبروتينات أخرى من السائل الخلاليّ، والسائل الدماغي النخاعي (الشكل 1). وبالتالي، يبدو أن ثمّة علاقة ديناميكية بين الأوعية الليمفاويّة السحائيّة، والأوعية الدمويّة، تنظِّم الاستتباب البروتيني في الدماغ.

وينبغي أنْ يهدف مزيد من الأبحاث إلى تحسين فهْمنا لمسارات تصريف المخلفات من الدماغ، وكيفية تصريف السائل الخلاليّ والسائل الدماغي النخاعي إلى الأوعية الليمفاويّة السحائيّة، وكيفيّة تفاعل هذه الأوعية الليمفاويّة مع الأوعية الدمويّة في الحاجز الدمويّ الدماغي. وهذا النوع من التحليلات سيفتح أبوابًا لاتجاهات جديدة للبحوث في الوظائف الإدراكيّة، والتنكس العصبي، ومرض ألزهايمر. وكشف دا ميسكيتا وزملاؤه أن الاستراتيجيّات المُعَزِّزة للنمو الموضعي للأوعية الليمفاوية قد تتمكَّن من تحسين التصريف، من خلال الجهاز الليمفاوي السحائي، لإعادة بناء الاستتباب البروتيني للدماغ، وقد تقلِّل من تراكم الأميلويد بيتا. ولكن ما يبقى هو تحديد ما إذا كانت العلاجات المُوَجَّهة إلى الجهاز الليمفاوي السحائي قادرة أيضًا على تحسين وظائف الأوعية الدمويّة التي تتلف مع التقدم في العمر، أم لا، وما إذا كان تحسين التصفية عند الحاجز الدموي الدماغي يمكنه أن يحسِّن من وظيفة التصريف الليمفاوي، أم لا.

References

  1. Alitalo, K., Tammela, T. & Petrova, T. V. Nature 438, 946–953 (2005). | article

  2. Mascagni, P. Vasorum lymphaticorum corporis humani historia et ichnographia (Pazzini Carli, 1787)
  3. Aspelund, A. et al. J. Exp. Med. 212, 991–999 (2015). | article
  4. Louveau, A. et al. Nature 523, 337–341 (2015). | article

  5. Absinta, M. et al. eLife 6, e29738 (2017). | article

  6. Da Mesquita, S. et al. Nature 560, 185–191 (2018). | article
  7. Sweeney, M. D., Sagare, A. P. & Zlokovic, B. V. Nature Rev. Neurol. 14, 133–150 (2018). | article
  8. Zhao, Z. et al. Nature Neurosci. 18, 978–987 (2015). | article
  9. Xie, L. et al. Science 342, 373–377 (2013). | article

  10. Courtice, F. C. & Simmonds, W. J. Aust. J. Exp. Biol. Med. Sci. 29, 255–263 (1951). | article
  11. Shibata, M. et al. J. Clin. Invest. 106, 1489–1499 (2000). | article

  12. Deane, R. et al. Neuron 43, 333–344 (2004). | article

ميلاني دي. سويني، وبريسلاف في. زلوكوفيتش يعملان بقسم الفسيولوجيا والعلوم العصبية ومعهد زيلخا للعلوم الجينيّة العصبيّة، مدرسة كِيك للطب، جامعة جنوب كاليفورنيا، لوس أنجيليس، كاليفورنيا 90089-2821، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: zlokovic@usc.edu