تحقيق إخباري

دليل المبتدئين لعملية تكوين الأجنة

العلماء يَشْرَعون في إزالة الغموض عن المراحل المبكرة من النمو البشري، مقتربين جدًّا من الخط الأحمر الأخلاقي.

هيلين شين

  • Published online:

© Toby Leigh

قَضَت عالمة الأحياء النمائية ماجدالينا زيرنيكا جوتز أسبوعين عصيبين في منتصف عام 2013 في سعيها لتحقيق رقم قياسي عالمي. كانت زيرنيكا جوتز وزملاؤها في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة يحاولون إنماء أجنة بشرية في المختبر، لفترة زمنية تتخطى أي فترة تحققت من قبل. وأرادوا بذلك الوصول إلى فهم كيفية تحوّل كتلة صغيرة من الخلايا ذاتيًّا إلى بِنْية مركّبة متعددة الأجزاء. كانت الجهود السابقة قد تعثرت، وتوقفت بعد مرور حوالي أسبوع، لكن زيرنيكا جوتز كانت تدرك أن هناك المزيد مما يمكن معرفته بشأن النمو البشري فيما بعد تلك المرحلة.

بدأ الباحثون عملهم بأجنة تبرعت بها نساء لم تعدن بحاجة إليها لعمليات التلقيح الصناعي (IVF). غمر الفريق الخلايا في وسط خاص، ووضعوها في حاضنة، باستخدام أساليب مقتبَسة من أعمالهم السابقة التي كانوا قد أجروها على أجنة الفئران. ونظرًا إلى أنه تحتم إبقاء العينات في بيئة مُحْكَمة تمامًا، لم يتمكن العلماء من إزالتها سوى مرة أو مرتين في اليوم الواحد؛ لتتبع تقدُّمها تحت المجهر.

ومرت الأيام تباعًا.. ستة، سبعة، ثمانية؛ وإذ بالأجنة مستمرة  في النمو والتطور1. تقول زيرنيكا جوتز: «كنا نحبس أنفاسنا. فكل يوم كان أكثر إثارة من اليوم الذي يسبقه». ووصل الفريق إلى اليوم الـ12 في تجربته الأولى، التي امتدت بعد ذلك إلى 13 يومًا. وتضيف قائلة: «كان الأمر لا يُصدَّق فعلًا. كنت سعيدة للغاية».

كان التقدم الذي حققه الفريق، إلى جانب عمل فذ مماثل، نفّذه فريق آخر في مدينة نيويورك ستي2 واحدًا من الإنجازات القليلة التي أسهمت في تنشيط دراسة المراحل المبكرة من النمو البشري خلال السنوات الخمس الماضية. فلطالما كانت إمكانية وصول الباحثين إلى الجنين البشري محدودة، وكانت معرفتهم بالتحولات المبكرة التي يتعرض لها الجنين ضئيلة نسبيًّا. والآن، تُمَكِّن التحسينات التي أُدخلت على أساليب زراعة الخلايا الباحثين من زراعة الأجنة البشرية خارج الجسم لمدة تصل إلى أسبوعين. ويَستخدِم العلماء في الوقت الراهن تقنيات التحرير الجيني، مثل تقنية «كريسبر» CRISPR، كما يُنْشِئون هياكل اصطناعية شبيهة بالأجنة، لاستكشاف الإشارات الخلوية والتأثيرات الفيزيائية التي تسهم في تكوين الجنين، ومجموعة الأنسجة الداعمة له.

تسهم هذه التقنيات في تسليط الضوء على عمليات رئيسة في المراحل الأولى، مثل عملية الانغراس، حيث يغرس الجنين متناهي الصغر نفسه في جدار الرحم، إذ لا يمكن حينها دراسته بشكل مباشر. وتكشف الصور الرقمية الجديدة عالية الوضوح بتفصيل متناهي الدقة كيف تنمو العضلات والأعصاب بعد مرور بضعة أسابيع من بدء النمو. ويمكن لتلك الاكتشافات أن تقود إلى فهم أفضل لكيفية نشوء العيوب الخلقية واضطرابات النمو، وكذلك السبب وراء عدم اكتمال بعض حالات الحمل.

ورغم ذلك، فإلى جانب الآفاق الواعدة التي تبشر بها هذه التقنيات الجديدة، فإنها تدفع الباحثين نحو ساحات أخلاقية مجهولة. وبدءًا من أواخر سبعينيات القرن الماضي، أجمع العلماء وخبراء عِلم الأخلاقيات على "قاعدة الـ14 يومًا"، التي تُقْصِر مدة العمل على الأجنة البشرية على فترة أسبوعين بعد التلقيح، وهي الفترة التي تظهر فيها أولى العلامات على تَكَوُّن الجهاز العصبي، كما أنها تمثل النقطة الأخيرة التي يمكن عندها للجنين أن ينقسم. وحتى الآن، تُعَد "قاعدة الـ14 يومًا" المتعارف عليها دوليًّا حدّ زمني افتراضي بحت. وتقول عالمة الأخلاقيات الحيوية جوزِفين جونستون، من مركز هاستينجز في جاريسون بنيويورك: «لم يكن أحد ليعارض هذه القاعدة من قبل، لكنّ الأمر صار الآن ممكنًا من الناحية التقنية».

دليل التعليمات

يتشابه العديد من عمليات النمو في المراحل المبكرة بشكل مذهل عبر المملكة الحيوانية، حيث يحدث كل نوع بعض التغييرات البسيطة في الجينات هنا، أو الإشارات هناك. ومن بين أنواع الثدييات، كانت الفئران هي أكثر حيوان درس العلماء دليل التعليمات الجزيئي الخاص به، إذ قاموا بتعطيل الجينات واحدًا تلو الآخر؛ لاختبار وظائفها. فمن السهل الحصول على الفئران بالأعداد المطلوبة عادةً لإجراء التجارب، وتُعتبر بديلًا مناسبًا لدراسة نمو الأجنة البشرية، إذ يبدو العديد من أنواع الخلايا الأولية ومكوناتها متشابهًا في كلا النوعين، ولكنْ بدأ الباحثون الآن في التشكيك في مدى التشابه هذا. تقول عالمة الأحياء النمائية جانيت روسانت من مستشفى الأطفال المرضى في تورونتو بكندا: «حيث إننا استطعنا استكشاف النمو البشري المبكر إلى حد ما، أصبح واضحًا أن جنين الفأر والجنين البشري متشابهان، لكنهما ليسا متطابقَين".

كبر الصورة

كبر الصورة

© Nik Spencer/Nature; Image: Norah Fogarty and Kathy Niakan

وفي ظل محدودية الكمية المتوفرة من الأنسجة البشرية، اتجه العلماء إلى تقنيات التحرير الجيني عالية الكفاءة، مثل «كريسبر–كاس9» CRISPR-Cas9، لاستكشاف المراحل المبكرة من نمو الجنين. وجزئيًّا، بسبب الحساسيات الأخلاقية المتعلقة بالتعديل الوراثي للأجنة، لم يتلقّ الإذْن بإجراء مثل تلك الدراسات حتى الآن سوى بضع مجموعات بحثية فقط.

في معهد فرانسيس كريك في لندن، قادت عالمة الأحياء النمائية كاثي نياكان أول مشروع من نوعه يحصل على موافقة من الجهات التنظيمية على المستوى الوطني. وفي عام 2017، أفاد فريقها باستخدام تقنية «كريسبر–كاس9»؛ لتعديل جين مُعبَّر عنه في الخلايا الجذعية الجنينية لدى كل من الإنسان والفأر3 وكانت الأجنة البشرية التي تعاني من بعض الاختلالات في ذلك الجين تفتقر إلى بروتين يسمَّى OCT4، ولم تتمكن من النمو لتتحوّل إلى أكياس أريمية، وهي عبارة عن كُرَات، تتكون الواحدة منها من حوالي 200 خلية. أما أجنة الفئران التي تفتقر إلى الجين نفسه، فقد كوّنت أكياسًا أريمية، ولم تتوقف عن النمو سوى في وقت لاحق.

يعزز الاختلاف المذكور أعلاه الفكرة الآخذة في الانتشار بأنه حتى في مراحل النمو المبكرة جدًّا قد يكون بعض التفاصيل الوراثية – مثل متى تنشط بعض الجينات – قاصرًا على البشر بصفة خاصة. تقول نياكان: «نعلم أن غالبية أجنة التلقيح الصناعي لن تتمكن من النمو إلى مرحلة الكيسة الأريمية»، وأسباب ذلك غير واضحة. وتضيف نياكان قائلة: «إنّ فهمنا أي من المسارات قد يكون المسؤول عن تحديد الأنواع الأولى من خلايا الجنين، يمكن أن يؤدي إلى تحسينات في عمليات التلقيح الصناعي». وتأمل نياكان أن تتمكن في أبحاثها المستقبلية من دراسة الجينات البشرية التي تَعْهَد إلى جزء صغير من خلايا الأكياس الأريمية بتكوين الكتلة الخلوية الداخلية التي ستكوِّن الجنين فيما بعد (embryo proper)، مقارنة بالأنسجة الداعمة، مثل المشيمة.

البحث عن موطن

بعد أن تتحول الكيسة الأريمية الصغيرة إلى كرة من 200 خلية، عليها حينئذ أن تنغرس في جدار الرحم؛ لكي تتمكن من البقاء، لكن فور حدوث ذلك (في اليوم السابع تقريبًا)، يصبح العلماء إلى حد كبير غير قادرين على دراسة نموها. إن ملاحظة عملية الانغراس نفسها هي التحدي الأول، فحتى وقت قريب لم يكن لدى الباحثين أساليب موثوقة للحفاظ على استمرار نمو الجنين إلى ما بعد الأسبوع الأول.

أما الآن، فقد تمكَّن العلماء من فتح ذلك الصندوق الأسود. ففي بحثين نُشرا في شهر مايو من عام 2016، أعلن فريق زيرنيكا جوتز1، ومجموعة علي بريفانلو2 بجامعة روكفلر في مدينة نيويورك عن أول نظم زراعة يمكنها إنماء الأجنة البشرية حتى 12 أو 13 يومًا. وأظهر الباحثون أنه باستخدام المزيج المناسب من عوامل النمو والتغذية، يكون بمقدور الأجنة البشرية المزروعة في المختبر أن "تنغرس" في قاع الطبق. وجدير بالملاحظة أن الأجنة لم تحتَجْ إلى أيّ أنسجة من الأم، لتحفيز خطوات إعادة النمذجة المبكرة التي تحدث بعد عملية الانغراس. يتذكر بريفانلو تلك اللحظات قائلًا: «كان ذلك صادمًا بالنسبة لي. كنتُ أعتقد أنه من المستحيل للجنين البشري أن يتجاوز ولو حتى يومًا واحدًا أو يومين بعد الالتصاق".

وتكون الأجنة التي تلتصق بالطبق مسطحة أكثر من الأجنة الحقيقية. (يُشبِّه بريفانلو عملية الالتصاق بالهبوط بالمظلات)، لكنّ تقنية الأجنة المزروعة مع ذلك راحت تحقق العديد من الإنجازات المتوقعة من التجارب التي تُجرى على الحيوانات، ومن الدراسات المحدودة لعينات من الأنسجة البشرية تُجمَع بعد حالات الإجهاض، ومن مصادر أخرى. وفي أحدث التجارب، بعد أن التصق الجنين بالطبق، بدأت طبقة خارجية من الخلايا في التمايز إلى أنواع أولية من خلايا المشيمة وغيرها من الخلايا الأخرى التي تدعم نمو الجنين. وفي الداخل، بدا أن الخلايا تتطور إلى أسلاف الكتلة الخلوية الداخلية التي ستكوّن الجنين فيما بعد، والكيس المُحي، وهو بمثابة بِنْية أولية لإمداد الجنين بالدم. وبعد مرور أسبوعين تقريبًا، أنهى كلا الفريقين التجارب، خضوعًا لقاعدة الـ14 يومًا.

وبحلول ذلك الوقت، كان قد توقف بعض الأجنة عن النمو، لكن بمزيد من التحسينات - حسب قول الباحثين - يمكن لنظم الزراعة هذه أن تساعد في الكشف عن قدر أكبر بكثير من التفاصيل بشأن الأسبوعين الأولين من عمر الجنين.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

© Nik Spencer/Nature; Images: Magdalena Zernicka-Goetz group (top); I. Martyn et al./Nature(bottom)

تقع أحداث رئيسة عديدة في الأسبوع الثالث، خلال عملية يُطلق عليها اسم "تَكَوُّن المُعَيْدة". يبدأ الجنين في تكوين محور للجسم، بحيث يصبح أحد أطرافه الرأس بلا شك. كما تبدأ الخلايا في الانتقال والتمايز إلى الطبقات الثلاث التي سوف تتولى في نهاية المطاف تكوين جميع أعضاء الجسم وأنسجته (انظر: "الخطوات الأولى"). إن مدى أهمية هذه العملية كان سببًا رئيسًا في فرض حد أخلاقي، هو 14 يومًا.

يعكف بعض الباحثين حاليًّا على إيجاد أساليب بديلة باستخدام تقنيات الخلايا الجذعية البشرية في بناء هياكل اصطناعية تشبه الأجنة، ولا تخضع لقاعدة الـ14 يومًا، إلا أن هذه التركيبات تفتقر إلى بعض المكونات الأساسية للنمو الكامل، ولا يمكن أن ينشأ عنها كائن بشري، إذا زُرعت. وفي عام 2014، أعلن بريفانلو وإريك سيجيا وزملاؤهما في جامعة روكفلر عن محاكاة عملية تَكَوُّن المُعَيْدة في المختبر باستخدام خلايا جذعية جنينية بشرية مزروعة خصيصًا4. ووجد الباحثون أنه عندما يتم تحديد نطاق الخلايا الجذعية لتنمو في دوائر يبلغ قطرها بضع مئات من الميكرومترات، فإنها تنقسم وتتمايز إلى نمط من الدوائر متحدة المركز يحتوي على أنواع الخلايا الثلاث الرئيسة التي تؤدي مستقبلًا إلى نشأة جميع أجزاء الجسم. وفي جميع الحيوانات تقريبًا، بدءًا من الديدان العريضة، وحتى الرئيسيات، لوحظ أن أنواع الخلايا تلك تقوم بدور متشابه: تكوّن الخلايا الموجودة في المنتصف الجلد، والدماغ، والجهاز العصبي، بينما الخلايا في الحلقة التالية تكوِّن العضلات، والدم، والعظام، والعديد من الأعضاء المختلفة، وأخيرًا تكوُّن خلايا الحلقة الخارجية (القناة الهضمية، والجهاز التنفسي).

والحلقات المسطحة لا تشبه الشكل ثلاثي الأبعاد المكوَّن من ثلاث طبقات كالشطيرة، الذي يتكون في الأجنة البشرية الحقيقية، لكن على المستوى الخلوي والجزيئي، حقق التركيب ما توقعه الباحثون تمامًا. يقول إيريه وورمفلاش، الذي كان في السابق زميل ما بعد الدكتوراة لدى مختبر سيجيا: «ها هو نظام يمكِّننا بالفعل من تحليل العلاقات بين مسارات التأشير، ومصائر الخلايا".

وكشفت دراسات المتابعة التي أُجريت على النظام بالفعل عن تفاصيل جديدة حول كيفية استخدام الخلايا الجنينية لمبادئ هندسية وكيميائية؛ لتنظيم نفسها في أنواع متمايزة من الأنسجة. وفي عام 2016، أوضح بريفانلو، وسيجيا، وفريقاهما5 أن الخلايا الجذعية يمكنها استشعار موقعها في المستعمرات الدائرية، وبالتبعية يمكنها تعديل طريقة استجابتها للجزيئات التي يُطلق عليها عوامل النمو، ما يساعد على تكوين مناطق منفصلة من الخلايا. وفي بحثٍ وُضعت نسخة ما قبل النشر منه على خادم موقع  bioRxiv في عام 2017، أظهرت مجموعة وورمفلاش، بجامعة رايس في هيوستن بولاية تكساس، أن ديناميكيات عوامل النمو لها دور أيضًا، إذ رأى الباحثون أن هناك طفرة في التأشير من جهة مجموعة معينة من البروتينات - تُسمَّى مجتمعةً "المسار العُقدي" - تنتشر من محيط المستعمرة إلى الداخل مثل الموجة، مخلِّفةً في أعقابها أنواعًا مختلفة من الخلايا6.

وقد أدخل فريق بريفانلو مزيدًا من التحسينات على النظام، حيث أظهر في مايو الماضي7 أن علاج أنواع المستعمرات تلك بمزيج من عوامل النمو يحفز عملية تكوين الخلايا "المُنظِّمة". توجه هذه الخلايا الخاصة في الحيوانات جيرانها إلى تشكيل المحور الممتد من الرأس إلى الذيل، لكن – جزئيًّا بسبب قاعدة الـ14 يومًا - لم يكن العلماء قد رأوا من قبل الخلايا البشرية المُنظِّمة في أثناء عملها. ونظرًا إلى القيود الأخلاقية والتقنية للعمل مع الأجنة البشرية، زرع بريفانلو بدلًا من ذلك مجموعات من الخلايا البشرية المُنظِّمة الافتراضية في أجنة دجاج، لا زالت في طور النمو، وراقب الخلايا المزروعة وهي توجه خلايا الدجاج نحو النمو والتطور إلى أن تصبح جهازًا عصبيًّا ثانيًّا للدجاجة.

دعم الحياة

صبت بحوث كثيرة حول المراحل المبكرة من النمو البشري تركيزها على الجنين نفسه، لكن ثمة أنسجة أخرى عديدة لها أهمية بالغة لبقائه. وتشمل تلك الأنسجة الكيس السلوي الذي يحتوي الجنين، والمشيمة التي توفر الأكسجين والمواد الغذائية.

ومن أجل دراسة كيفية تطور الكيس السلوي على نحو أفضل، أنشأ الباحثون نموذجًا باستخدام خلايا جذعية بشرية. وفي العام الماضي8 أوضحت عالمة الأحياء النمائية ديبورا جوموسيو، والمهندس البيولوجي جيانبينج فو، بجامعة ميشيجان في آن أربور، وزملاؤهما أنهم عندما زرعوا الخلايا الجذعية البشرية على طبقة من الهلام، وأحاطوها بجزيئات السقالة الطبيعية، نظمت الخلايا نفسها ذاتيًّا، مكوِّنة كتلة تمثل الكيس السلوي. وبعد حوالي 24 ساعة، حدثت فتحة، ومن ثم بدأت الخلايا تتسطح من ناحية، وتتمدد من الناحية الأخرى، وهو ما يميز العملية المؤدية إلى تكوُّن المُعَيْدة.

يستنسخ النموذج أساس الجنين والكيس الخاص به فقط، من دون أيّ مِن الأنسجة الداعمة الأخرى التي قد يحتاجها ليصبح قادرًا على البقاء. ورغم ذلك، تمكَّن الباحثون من تحديد بعض الإشارات الجزيئية التي يمكنها أن تساعد في تكوين هذا الهيكل اللامتناظر. تقول جوموسيو: "ثمة قدر كبير من المعرفة القيمة التي يمكن التوصل إليها، وليس هناك سبب يدعونا إلى إغفال هذه المعرفة بأي شكل من الأشكال، في سبيل الدنو من إنتاج أجنة". وقد حافظ العلماء على مستزرعاتهم الشبيهة بالأجنة لمدة تصل إلى خمسة أيام، وهو ما يقابل تقريبًا أيام النمو من التاسع إلى الرابع عشر، وهي النقطة التي أنهوا عندها التجارب.

ويحاول فريق زيرنيكا جوتز تطوير هياكل أكثر اكتمالًا. ففي عام 2017، زرع الفريق مزيجًا من نوعين من الخلايا الجذعية لدى الفئران: تلك التي تشكل الجنين نفسه، وأخرى تساعد على تكوين المشيمة، تُعرف بالخلايا الجذعية للأرومة الغذائية. ونما ذلك الهيكل الاصطناعي المزروع في سقالة ثلاثية الأبعاد، ليشبه الجنين بعد الانغراس9 ويعمل الباحثون حاليًّا على إنشاء تركيبة مماثلة شبيهة بالجنين، باستخدام الخلايا الجذعية البشرية. قد يساعد هذا التطور العلماء على معرفة المزيد حول التداخلات بين الأنسجة الجنينية، والأنسجة خارج الجنينية، مثل المشيمة.

وفيما تعكف مختبرات على تطوير هذه النماذج التخليقية التي تزداد تعقيدًا، وتسمَّى أجسامًا جنينية مضغية الشكل (embryoids)، بدأ يظهر على السطح بعض التساؤلات الأخلاقية. يقول مارتن بيرا، وهو عالم أحياء متخصص في الخلايا الجذعية بمختبر «ذا جاكسون» The Jackson Laboratory في بار هاربور بولاية ماين: «أعتقد أنه أمر غامض حقًا، فكيف ننظر إلى هذه الهياكل التي تتطور بصفة مستمرة؟» يتفق العديد من المتخصصين في عِلم الأخلاقيات والعلماء على أن الإصدارات الحالية من الأجسام المضغية الاصطناعية مبسطة جدًّا بدرجة لا تجعلها تخضع لقاعدة الـ14 يومًا، لكنّ عالِم الأخلاقيات الحيوية إينسو هيون - بجامعة كيس ويسترن ريزيرف في كليفلاند بولاية أوهايو - يقول إنه من الصعب تحديد أيٍّ من السمات سوف تجعل الأجسام المضغية حقيقية بما يكفي. ويضيف: «الفرصة متاحة لبناء شيء ما يتجاوز نطاق الأربعة عشر يومًا، ويمكنه أن ينمو ويتطور إنْ زرعته في الرحم».

بناء الجسم

في الوقت الحالي، يخطو الباحثون خطوات كبيرة نحو الكشف عن تفاصيل من المراحل اللاحقة. وينشأ العديد من تلك التطورات بفضل التحسن الذي طرأ على عمليات صبغ الأنسجة، وتصويرها. وفي تقرير نُشر خلال عام 2016 في دورية «ساينس» Science، قام باحثون من المركز الطبي الأكاديمي بجامعة أمستردام بترقيم 15 ألف شريحة من مجموعة من الأنسجة يحتفظ بها معهد كارنيجي للعلوم في واشنطن العاصمة. تحتوي المجموعة على عينات، تم الحصول عليها من حالات إجهاض، وعمليات جراحية، وعمليات تشريح للجثث، تبدأ من ثمانينيات القرن التاسع عشر، وتستمر طيلة النصف الأول من القرن العشرين. وفي الدراسة الهولندية10 التي تغطي الشهرين الأولين من النمو، تتبع الباحثون رقميًّا الخطوط العامة لما يصل إلى 150 عضوًا من أعضاء الجسم على شرائح مفردة، ثم رصوا المقاطع؛ لإعادة بناء نماذج ثلاثية الأبعاد للجنين الأصلي، وهي متاحة في صورة أطلس تفاعلي.

وكانت دراسة الأجنة بدقة عالية قد أدت بالفعل إلى بعض الاكتشافات. فعلى سبيل المثال، وجد الفريق10 أن الكُلى التي يُعتقد أنها تصعد إلى أعلى في أثناء النمو، والغدد التناسلية التي يُعتقد أنها تنزل إلى أسفل، يبدو أنها تصعد وتهبط في الجسم لأنها تنمو بمعدلات مختلفة، مقارنة بالفقرات.

وجدير بالذكر أن أحد أوجه القصور الرئيسة في مجموعة كارنيجي هو افتقارها إلى المؤشرات الجزيئية، ما يجعل من الصعب التمييز بين أنواع الخلايا المختلفة. وللتعامل مع هذه المسائل، نشر ألين شيدوتال - من المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحوث الطبية (INSERM) في باريس - في عام 2017 أطلس جديدًا ثلاثي الأبعاد لعدد 36 من الأجنة البشرية الأولية، وتلك المتقدمة في النمو، وتغطي الفترة بين الأسبوع السادس والرابع عشر من النمو11 وقد وضع شيدوتال وفريقه علاجًا لإيضاح الأنسجة على العينات المُتبرَّع بها، لتسهيل تصوير تلك العينات تحت المجهر، كما صبغوها لتمييز الأنواع المختلفة من الخلايا.

تبيِّن هذه الصورة تفرُّع الأعصاب في يد في الأسبوع التاسع من الحمل.

تبيِّن هذه الصورة تفرُّع الأعصاب في يد في الأسبوع التاسع من الحمل.

© ALAIN CHÉDOTAL/MORGANE BELLE/FONDATION VOIR ET ENTENDRE

تُظهِر الصور الناتجة ثلاثية الأبعاد - بتفصيل عالي الدقة – الأعصاب، والعضلات، والرئتين، وغيرها من الأعضاء وهي تنمو. «من حيث الوضوح، هذا عمل لم يسبق له مثيل»، على حد قول روي ديوجو من كلية الطب في جامعة هاورد في واشنطن العاصمة، الذي نقّب في مجموعة البيانات؛ بحثًا عن معلومات حول كيفية نمو عضلات الأطراف.

وفي نتائج لم تُنشر بعد، لاحظ فريق ديوجو عددًا من عضلات اليدين والقدمين، التي تختفي أو تندمج في أثناء النمو. «عندما نكون أجنة، تكون لدينا عضلات ليست لدينا ونحن بالغين»، كما يقول. ومن بين النتائج الأخرى غير المتوقعة، ذكر شيدوتال أنه رغم أن التنظيم الإجمالي للأعصاب متشابه في اليدين اليمنى واليسرى، فإن أنماط التفرع الدقيق في كل يد تتباين وتتباعد في مسارات مختلفة في الفترة من الأسبوع السابع إلى الحادي عشر.

مجال نامٍ

وفيما يعمل العلماء على ضبط وتحسين تقنياتهم، فهم يأملون أن يعرفوا المزيد والمزيد عن النمو البشري، وأن يسلطوا الضوء على أسباب فقدان الحمل، وظهور العيوب الخلقية.

وفي الوقت الذي تستحوذه فيه الأيام الأولى للجنين على الانتباه، كذلك تتجه الأنظار إلى مناقشات الحدود الأخلاقية. إذ قادت التجارب الموسعة التي أجرتها زيرنيكا جوتز، وبريفانلو البعض إلى اقتراح أنه قد آن الأوان لإعادة تقييم إيجابيات وسلبيات قاعدة الـ14 يومًا. ففي مايو الماضي، استضاف مركز الصحة والعلوم الحيوية بمعهد بيكر في جامعة رايس اجتماعًا، ضم ثلاثين من العلماء والمتخصصين في عِلم الأخلاقيات، وغيرهم من الخبراء من الولايات المتحدة، ومنهم بريفانلو، وجونستون، وذلك لبحث إمكانية تغيير هذه الحدود قليلًا، وكيفية القيام بذلك. يقول هيون، الذي حضر الفعالية أيضًا: «أعتقد أنه من الأفضل الحفاظ على قاعدة الـ14 يومًا، وتقديم التماس خاص للاستثناء منها».

وبينما تتراكم نتائج هذا العمل البحثي، تثير جوانب التقدم التقني مزيجًا من مشاعر الانبهار وعدم الارتياح بين العلماء. ولكل شعور منهما قيمته، حسبما تقول جونستون. وتضيف: «تذكِّرنا مشاعر الدهشة والانبهار هذه بأن هذا هو الشكل الأول من تكوين البشر، وهذا هو السبب في كون كثير من الناس تساورهم مخاوف أخلاقية. ويذكِّرنا ذلك بأن المسألة ليست مجرد مجموعة من الخلايا في طبق مختبري فحسب".

References

  1. Shahbazi, M. N. et al. Nature Cell Biol. 18, 700–708 (2016). | article
  2. Deglincerti, A. et al. Nature 533, 251–254 (2016). | article
  3.  Fogarty, N. M. E. et al. Nature 550, 67–73 (2017). | article
  4. Warmflash, A., Sorre, B., Etoc, F., Siggia, E. D. & Brivanlou, A. H. Nature Meth. 11, 847–854 (2014). | article
  5. Etoc, F. et al. Dev. Cell 39, 302–315 (2016). | article
  6. Heemskerk, I. et al. preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/202366 (2017).

  7. Martyn, I., Kanno, T. Y., Ruzo, A., Siggia, E. D. & Brivanlou, A. H. Nature 558, 132–135 (2018). | article
  8. Shao, Y. et al. Nature Commun. 8, 208 (2017). | article

  9. Harrison, S. E., Sozen, B., Christodoulou, N., Kyprianou, C. & Zernicka-Goetz, M. Science 356, eaal1810 (2017). | article

  10. de Bakker, B. S. et al. Science 354, aag0053 (2016). | article
  11. Belle, M. et al. Cell 169, 161–173.e12 (2017). | article

هيلين شين صحفية علمية، تقيم في سانيفيل بولاية كاليفورنيا.