تعليقات

مقياس أفضل لتقييم الأبحاث من النصف الجنوبي من العالَم

يصف المموِّلان جين ليبيل، وروبرت ماكلين أداة جديدة للحُكْم على قيمة العِلْم، الذي يسعى إلى تحسين حياة الناس، وجدواه. 

جين ليبيل وروبرت ماكلين

  • Published online:

Illustration by David Parkins

في الهند، التي تُعَد المُنتِج الرئيس للمانجو في العالم، يتعرض ما يصل إلى 40% من الثمار التي يتم جَنْيها للتلف في أثناء النقل، قبل التسليم. وينجم عن هذا التلف خسائر في الإيرادات تصل إلى ما يقرب من مليار دولار أمريكي سنويًّا، ما يؤثر على حياة ملايين من المزارعين، والتُجّار، والمستهلكين، وقوتهم. لذا، طوّر باحثون من الهند، وسريلانكا، وكندا مجموعة من المواد النانوية التي يمكن رشّها على الثمار، سواء فوق الأشجار، أو عند التعبئة، أو في أثناء النقل؛ لإطالة مدة صلاحيتها. فاحتجز الباحثون جزيئات الهكسانال الكارهة للماء (المستمدة من بقايا النباتات) في غشاء محب للماء؛ حتى يمكن تعليقها في سائل؛ لاستخدامه في رش الفواكه سريعة التلف.

وفي مصر، تعرضت أكثر من 95% من النساء للتحرش الجنسي مرة واحدة على الأقل، ولكنْ لا يُبلَّغ عن معظم هذه الحالات. لذا، في عام 2010، طوّر باحثون في المؤسسة الاستشارية للشباب والتنمية في القاهرة خريطة التحرش. ويتيح هذا المورد التفاعلي على شبكة الانترنت للأشخاص إمكانية الإبلاغ عن حالات التحرش الجنسي، ووضع خريطة لها. وعندما اتضح أن مقارّ الحرم الجامعي تمثّل بؤرًا للتحرش؛ طبّقت جامعة القاهرة سياسة لمكافحة التحرش الجنسي، كانت الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط. وبدأت جامعات مصرية أخرى في الوقت الحالي تحذو حذوها.

يسهم كلا المشروعين في وضع حلول لتحديات مجتمعية مُلِحّة. ويرى الباحثون المشاركون فيهما أن الأشخاص الذين يستفيدون من هذه المشروعات هم الأقدر على الحُكْم على قيمة العمل وجدواه. لذا، أمضت الفرق البحثية وقتًا في تطوير فرضياتها ونتائجها بصحبة الأشخاص الذين يستشعرون الآثار الناتجة. وفي كلتا الحالتين، يتميز البحث بالقوة والقدرة على تغيير حياة الأشخاص، وهما يشكلان معًا بالضبط المزيج الذي يمكن أن يقول عنه معظم الناس إنه في صميم العلم.

هذا، ولكن كلا المشروعين يحتلان مرتبة متدنية، إذا ما حكمنا عليهما فقط من منظور الأساليب التقليدية لتقييم جودة الأبحاث التي تضع على رأس الأولويات آراء الأقران، وحجم الأوراق البحثية المنشورة، والاستشهادات. ويمثّل ذلك مشكلة، لأن التأييد الذي يأتي من علماء آخرين، وليس من أصحاب المصالح، يشكّل القوة الدافعة للتطور الوظيفي للباحثين في مصر، وسريلانكا، والهند، كما هو الحال في جميع الأماكن الأخرى.

إذًا، هل يكمُن الضعف في العلم نفسه، أم في طريقة قياسه؟ في أغلب الأحيان - من وجهة نظرنا - يكون الضعف في طريقة القياس. إذ تتبنى التقنيات السائدة في تقييم الأبحاث رؤية ضيقة الأفق بشأن ماهية الجودة، الأمر الذي يقلل من قيمة التوصل إلى حلول متفردة لمشكلات فريدة. ويوفر مركز بحوث التنمية الدولية الكندي في أوتاوا التمويل لهذه النوعية من الأبحاث فحسب، أي أبحاث العلوم الطبيعية والاجتماعية التي تكشف النقاب عن حلول للتحديات التنموية التي تواجه بلدان النصف الجنوبي من عالمنا. ويتولى قيادة أغلبية الأعمال التي نوفر لها الدعم باحثون من هذه البلدان.

لهذا السبب طوّرنا في مركز بحوث التنمية الدولية أداة لتقييم جودة البحوث، ترتكز على الخبرة المحلية، وتكون قابلة للتطبيق على هذه الخبرة. وقد استخدمنا هذه الأداة لتقييم 170 دراسة، ثم أجرينا تحليلًا تجميعيًّا لهذه التقييمات. تشير النتائج التي توصلنا إليها إلى أنه من الممكن - بل ومن الضروري - تغيير الطريقة التي نستخدمها في تقييم البحوث التطبيقية والانتقالية. 

رؤية ضيقة الأفق

لا شك أن أوجه قصور الاتجاهات السائدة في تقييم البحوث معروفة جيدًا1-5، فمراجعة الأقران بطبيعتها ليست سوى رأي. وتنبئنا كذلك أساليب قياس الاستشهادات – البحثية، والاجتماعية، على حدٍّ سواء - عن مدى شعبية البحوث المنشورة، لكنها لا تعبر بشكل مباشر عن دقة هذه البحوث، أو أصالتها، أو مدى نفعها. لذا، فإن طرق القياس هذه إمّا أن تقدم لنا القليل بشأن كيفية تحسين العلوم ورعايتها، أو لا تقدم لنا شيئًا على الإطلاق. وهذا يمثّل تحديًا للباحثين في شتى أنحاء العالم.

يتضاعف هذا التحدي في وجه الباحثين في البلدان الواقعة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية. فعلى سبيل المثال، تمثّل الضغوط الواقعة على الباحثين للنشر في دوريات ذات معامل تأثير مرتفع عائقًا كبيرًا، لأن النشر في هذه الدوريات يكون - في الأغلب الأعمّ - باللغة الإنجليزية، كما أن هذه الدوريات تنحاز إلى نشر البيانات الواردة من الولايات المتحدة، وغرب أوروبا6. وباستثناء مجموعة ناشئة من المجلات الصينية، يُنظَر إلى المطبوعات المنشورة بلغات محلية على نطاق واسع على أنها تنتمي إلى مستوى أدنى، بما في ذلك الدوريات المنشورة بلغات أوروبية أصلية، مثل الإسبانية، أو البرتغالية، أو الفرنسية.

تتفاقم مشكلة طرق القياس على نحو أكبر أمام الباحثين الذين يتناولون في دراساتهم تحديات محلية. وتُعَد بحوث التكيّف مع تغيّر المناخ من الأمثلة على ذلك. فالبلدان الواقعة في النصف الجنوبي من العالم تقف في الصفوف الأمامية في معركة الاحترار العالمي، حيث تُعَد استراتيجيات التكيّف الملائمة للسياق بالغة الأهمية. وتعتمد هذه الاستراتيجيات على بيانات مرتبطة بشدة بالمنطقة المعنية، حول عوامل معقدة، مثل أنماط الطقس، والتنوع البيولوجي، والمنظورات المجتمعية، والشهوة السياسية. ويمكن جمع هذه البيانات، وتنسيقها، وتحليلها، ونشرها على أيدي باحثين محليين. وفي بعض الحالات، يكون من المهم للغاية أداء هؤلاء الباحثين للعمل؛ فهم يتحدثون اللغات المطلوبة، ويفهمون العادات والثقافة، ويتمتعون بالاحترام والثقة في المجتمعات المحلية. ومن ثم، يمكنهم الاطلاع على المعرفة التقليدية المطلوبة لتفسير التغيّر التاريخي. ويساعد هذا العمل على صياغة طرق للتكيّف، تصنع فارقًا حقيقيًّا في حياة الأفراد، لكنه عنصر أساسي أيضًا للأبحاث والتحليلات التجميعية عالية المستوى، التي تُجرَى في وقت لاحق، بعيدًا عن المناطق المتضررة7.    

وفي هذا الصدد نتساءل: هل نَهْج التقييم الراهن يتحرى الدقة، ويمنح تقديرًا متساويًا لكلٍّ من الباحث المحلي الذي يركز على التفاصيل الدقيقة، والباحث الذي يُعمِّم من بعيد؟ وهل يعترف النهج الحالي باختلاف الحوافز المقدَّمة إلى الباحثين المحليين والأجانب، وبأثر هذه الحوافز على القرارات البحثية؟ وهل نقيس البحوث المرتكزة على أسس محلية ولها أهميتها على الصعيد العالمي، ونكافئها بالشكل المناسب؟ من وجهة نظرنا، تتلخص الإجابة عن جميع هذه الأسئلة في كلمة "لا".

نساء يتظاهرن ضد التحرش الجنسي في القاهرة في عام 2013.

نساء يتظاهرن ضد التحرش الجنسي في القاهرة في عام 2013.

Cliff Cheney/ZUMA Wire

من "لا" إلى "نعم"

بدعم من شركاء في أنحاء النصف الجنوبي من العالَم، وتحت قيادتهم، قرر مركز بحوث التنمية الدولية أن يجرّب شيئًا مختلفًا. وكانت النتيجة أداة عملية، نُطْلِق عليها اسم «الجودة البحثية المتقدمة» (RQ+).8

تُقرّ هذه الأداة بأن الجدارة العلمية ضرورية، لكنها غير كافية، كما تعترف بالدور بالغ الأهمية لأصحاب المصالح والمستخدمين في تحديد مدى أهمية البحث ومشروعيته. وتركز الأداة الاهتمام على مدى كفاءة العلماء في تجهيز أبحاثهم للاستخدام، مع الأخذ في الاعتبار الإدراك المتزايد بأن عملية الاستيعاب والتأثير تبدأ في أثناء عملية البحث، وليس فقط في أعقابها.

في اعتقادنا أن هذا النهج له مزايا، تتجاوز سياق التنمية. ونأمل في أن يكون من الممكن تصميمه حسب الطلب، واختباره وتحسينه في مجموعة متنوعة من التخصصات والسياقات؛ لكي يوائم احتياجات المُقَيِّمين الآخرين، الذين لا يتمثّلون في جهات التمويل أمثالنا فحسب، وإنما أيضًا في الحكومات، ومراكز الفكر، والدوريات، والجامعات، وغيرها من الجهات الأخرى.

ترتكز أداة قياس «الجودة البحثية المتقدمة» على ثلاثة مبادئ، هي:

تحديد العوامل السياقية: ثمة أشياء عديدة يمكن تعلُّمها من البيئة التي تُجرَى فيها الأبحاث، فبدلًا من السعي إلى فصل البحوث عن الطريقة، والمكان، وسبب إجرائها، ومَنْ أجراها، يجب على المُقيِّمين دراسة هذه السياقات؛ للوصول إلى قرار محدد بشأن الجودة. وفيما يخص مركز بحوث التنمية الدولية، تضَمّن هذا العمل خمس مسائل: النواحي السياسية، والبيانات، والبيئات البحثية، ونضج المجال العلمي، وإلى أي مدى يتضمن المشروع تركيزًا على تعزيز القدرات. أما فيما يخص أيّ جهة تمويل، أو دورية، أو مركز فكري آخر، فيمكن - أو ينبغي - أن تكون هذه المسائل مختلفة.

إبراز أبعاد الجودة: ينبغي أن تكون القيم والأهداف الأساسية للجهد البحثي واضحة. فالمُقَيِّمون يقيسون أهمية أبعاد الجودة هذه باستخدام صيغة تُناسِب سياق البحث وأهدافه. وتتضمن الأبعاد المهمة من وجهة نظر مركز بحوث التنمية الدولية ما يلي: النزاهة العلمية (كمقياس للدقة المنهجية)، والمشروعية (كمقياس لامتثال البحث للسياق والأهداف)، والأهمية (كمقياس للجدوى، والإبداع)، والإعداد للاستخدام (إلى أي مدى يتميز البحث بأنه مناسب زمنيًّا، وقابل للتنفيذ، ومُعلَن عنه بصورة كافية). (انظر الشكل رقم S1 في "المعلومات التكميلية").   

استخدام قواعد التقييم والأدلة: يجب أن تكون التقييمات منهجية، وقابلة للمقارنة، ومبنية على أدلة تجريبية نوعية وكمية، وليس فقط على رأي المُقيِّم، بغض النظر عن مدى خبرته. وفيما يخص مركز بحوث التنمية الدولية، يعني ذلك أن يتحدث المُقَيِّمون إلى المستخدِمين المعنيين، وإلى أشخاص آخرين يعملون في مجالات مشابِهة، وإلى المجتمعات غير العلمية من المستفيدين، إضافة إلى تقييم المخرَجات البحثية، وطرق القياس ذات الصلة.

خوض الطريق

استخدم مركز بحوث التنمية الدولية أداة قياس «الجودة البحثية المتقدمة» للمرة الأولى في عام 2015، حيث أجرى أخصائيون مستقلون تقييمًا لعدد 170 دراسة تنتمي إلى سبعة مجالات بحثية، كان المركز قد وفر لها التمويل في السنوات الخمس السابقة. في كل مجال من هذه المجالات، قيّم ثلاثة أخصائيين المشروعات باستخدام المبادئ الثلاثة الموصوفة أعلاه، مع النظر في البيانات التجريبية لكل دراسة، وهي: تحليل الاستشهادات المرجعية، والمقابلات الشخصية مع أصحاب المصالح، وتقارير المركز بشأن العمل. وحدد المراجِعون - بشكل مستقل - البيانات المطلوب جمعها ومقارنتها لكل مشروع، وعقدوا حلقات نقاشية؛ للوصول إلى اتفاق جماعي بشأن التقديرات النهائية لكل مشروع.

شَجّع هذا الإطار (انظر الشكل رقم S2 في "المعلومات التكميلية") على صياغة رأي نقدي مُبرَّر بخصوص كل مشروع. وساعد كذلك على تطبيق حكم منهجي في سياقات وتخصصات ومنهجيات بحثية متنوعة. ففي مقابلات نهاية الخدمة، ومناقشات المتابعة، وصف المراجعون المستقلون التقييمات بأنها تختلف عن أيّ تقييمات سابقة كانوا قد أجروها، وشعروا بالثقة في أن التقييم كان منهجيًّا، وشاملًا، ونزيهًا.

لقد تعلمنا الكثير من هذه العملية بشأن المشروعات التي يدعمها المركز، وكيف يمكننا تحسين الأداء. على سبيل المثال، وجدنا أنه ينبغي علينا أن نعطي الأولوية لنوع الجنس في كل شيء نموّله، بداية من وضع النماذج المناخية، وانتهاءً بتسهيل الوصول إلى العدالة، وألا يقتصر ذلك على المشروعات البحثية التي تستهدف النساء والفتيات تحديدًا. فكما هو منصوص عليه في أحد أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وهو الهدف الخامس، تُعَد المساواة بين الجنسين عنصرًا أساسيًّا لإطلاق الإمكانات الإنمائية، ولذا، كانت بُعدًا من الأبعاد التي دَرَسها المراجعون.

وجد المراجعون - على سبيل المثال - أن برنامجًا يَستخدِم مجموعات بيانات وطنية لدراسة التداعيات المترتبة على الضرائب، ووضع البيانات على عبوات الأغذية، كان يجب أن يصنِّف البيانات حسب نوع الجنس؛ للوصول إلى نتائج أفضل باستخدام الاستثمار نفسه. وسلط المراجعون الضوء أيضًا على النماذج المثالية، مثل برنامج الزمالة البحثية لأطروحات الدكتوراة الأفريقية، الذي يساعد طلاب الدكتوراة على إتمام رسائلهم العلمية في مؤسساتهم الوطنية؛ مما يتيح الفرصة لاستيعاب عدد أكبر من الإناث المتقدمات لشغل الوظائف اللاتي يتحملن قدرًا أكبر من الواجبات الأسرية. ويأخذ البرنامج بعين الاعتبار التوازن بين الجنسين عند اختيار المتقدمين لشغل الوظائف، وكذلك عند مراجعة البحوث المقترحة.

ونتيجة لذلك، بدأ مركز بحوث التنمية الدولية، في تنفيذ نظام جديد للبيانات – إلى جانب نظم أخرى – لتمحيص البيانات وورشات العمل الخاصة بالجنسين، وذلك لكي يتسنى للموظفين مشاركة العمل الجيد، والاطلاع عليه.

مِن واقع تجربتنا، لم تكن التقييمات التقليدية مطلقًا بهذه الصعوبة، لكنها لم تكن أيضًا بهذه الدرجة من التحفيز والنفع.

تحطيم ثلاث خرافات

لاستخلاص دروس أكثر شمولية، تعاوَن مركز بحوث التنمية الدولية مع أخصائي مستقل لإجراء تحليل تجميعي إحصائي، باستخدام بيانات مُعمَّاة (انظر المرجع رقم 9 لاستعراض هذه المسألة). وجَمّعنا النتائج من تقييماتنا السبعة المستقلة، التي تضمنت 170 مكوِّنًا مأخوذًا من 130 مشروعًا بحثيًّا مموَّلًا بشكل منفصل في مجالات العلوم الطبيعية والاجتماعية، تم تنفيذها في أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، ومنطقة البحر الكاريبي، والشرق الأوسط10. وكشف هذا العمل عن ثلاثة أمور:

البحوث المقتصرة على الجنوب فقط تتسم بجودة عالية. لقد تَبيَّن أن الأبحاث التي تم تنفيذها بالكامل في بلدان النصف الجنوبي من العالَم دقيقة من الناحية العلمية، ومشروعة، ومهمة، ومُعَدة بشكل جيد للاستخدام، حيث أحرز الباحثون في هذه المنطقة نتائج جيدة في كل معيار من هذه المعايير (أعلى، في المتوسط، مما سجلته الأبحاث التي أُجريت في الشمال، والتي أُجريت بشراكة شمالية جنوبية في العينة التي درسناها). وبعبارة أخرى، يبدو أن الأشخاص الأكثر ارتباطًا بمشكلة معينة يكونون في وضع جيد يُمَكِّنهم من تطوير حلّ لهذه المشكلة. (انظر الشكل رقم S3 في "المعلومات التكميلية").   

تتحدى هذه النتيجة المسلمات القائلة إن الباحثين في النصف الشمالي من العالَم يعززون - بشكل تلقائي - من قدرة شركائهم في الجنوب11. وثمة الكثير من الأسباب الإيجابية لدعم الشراكات البحثية بين الشمال والجنوب، لكن البيانات تشير إلى ضرورة التفكير بشكل استراتيجي؛ لتحقيق أفضل النتائج.

تعزيز القدرات يقترن بالتميّز. يفترض عدد كبير للغاية من الممولين أن الجهود البحثية التي تتلقى فِرَق العمل فيها تدريبًا وتطويرًا للمهارات تتمخض حتمًا عن بحوث منخفضة الجودة، بيد أن التحليل التجميعي لم يجد أثرًا لمثل هذه العلاقة. بل ووجدنا - في الواقع - ارتباطًا إيجابيًّا كبيرًا بين الدقة العلمية، وتعزيز القدرات.

يشير ذلك إلى أنه لا ينبغي تجنب البحوث التي تتطلب تركيزًا على تعزيز القدرات بدافع الرغبة في التميّز، بل يمكن - في الواقع – أن يسير الاثنان مع بعضهما البعض.

يمكن للبحوث أن تكون دقيقة ومفيدة في آن واحد. في عالَم السياسات والممارسات سريع الإيقاع، ينبغي أن تصل النتائج إلى الأشخاص المناسبين في الوقت المناسب، وبطرق قابلة للتطبيق (انظر: "التعاون لوضع طرق للتكيّف مع تغيُّر المناخ في بيرو"). وكثيرًا ما يتناهى إلى مسامعنا وجود تعارض بين تشبُّع العينة، أو استقطاب المشاركين في التجارب، ودورة صنع القرار التي تضم واضعي السياسات، أو الجهات التنفيذية في قطاع الصناعة. ولحسن الحظ، اكتشف التحليل التجميعي وجود ارتباط إيجابي قوي بين مدى دقة الأبحاث، وكيفية تجهيزها للتطبيق.

تدعم هذه النتيجة الحجج المؤيِّدة للاستثمار في النزاهة العلمية، حتى في أكثر البرامج استخدامًا وقابلية للتطبيق العملي.

مزارعون في بامبالاكتا في بيرو يفحصون ثمار البطاطس بعد حصادها.

مزارعون في بامبالاكتا في بيرو يفحصون ثمار البطاطس بعد حصادها.

Jim Richardson/National Geographic Creative

يعيش أكثر من 500 ألف شخص في وادي مانتارو، الذي يقع في وسط جمهورية بيرو، حيث تُعَد الزراعة المصدر الرئيس للدخل. ينتج المزارعون الصغار في ذلك الوادي معظم الخضراوات والحبوب التي تُستهلَك في العاصمة ليما، لكنهم يجدون صعوبة كبيرة في التعامل مع التكرار المتزايد لبعض الظروف المناخية، وشِدّتها، مثل حالات الجفاف الشديد، وهطول الأمطار الغزيرة، وموجات الصقيع.

ويقدم المعهد الجيوفيزيائي في بيرو - الذي يقع مقره في ليما - صورة أوضح في الوقت الراهن بشأن كيفية تغيّر المناخ في المنطقة، وذلك باستخدام توليفات جديدة ومبتكرة من القياسات الفيزيائية، ومناهج العمل المشترَك، مثل رسم الخرائط المجتمعية. ويوجِّه هذا البحث حاليًّا السياسة المحلية، وإجراءات التكيف. فقد رَسَم المشروع خرائط للبؤر التي تعرضت لتغيّر المناخ في أنحاء المنطقة، كما عَقَد حلقات نقاشية مع المزارعين وصائدي الأسماك، بشأن الكيفية التي يمكنهم من خلالها تعديل الجداول الزمنية والتقنيات المستخدَمة؛ للتقليل من آثار تغيّر المناخ.

لم يتعجل الفريق في نشر البحث في الدوريات الغربية الكبرى. ويرجع ذلك - بصفة جزئية - إلى عائق اللغة الإنجليزية، لكنه يُعزَى بدرجة أكبر إلى الطابع المُلِحّ للمشكلة، إذ تَطَلَّب الأمر أن تكون المخرَجات البحثية قابلة للفهم والاستخدام بشكل فوري. ولذا، نشر الفريق نتائجه سريعًا في صورة أوراق عمل، وتقارير (جُمِع الكثير منها في كتاب منشور باللغة الإسبانية13،14). وأُتيحت هذه الأوراق والتقارير على الفور لأعضاء الحكومة المحلية، الذين طلبوا أدلة لتوجيه رد الفعل. ومن ثم، فإن المقاييس السائدة لا تعبِّر عن قيمة هذا العمل.

لقد سَلَّطَت المراجعة باستخدام أداة قياس «الجودة البحثية المتقدمة» ضوء مختلف على هذا المشروع وإنجازاته. فقد حقق المشروع درجة عالية في النزاهة (بما في ذلك المزج المبتكر بين التقنيات؛ لمعرفة المناخ)، وفي الاستناد بشكل مشروع إلى الاحتياجات والمعرفة المحلية، وفي التصدي لمشكلة مُلِحّة، وفي التركيز على الاستيعاب والعمل.

جين ليبيل، وروبرت ماكلين

أربعة مخاوف

تساوِرنا أربعة مخاوف رئيسة بشأن أداة قياس «الجودة البحثية المتقدمة»، وكيف يمكن تنقيحها، وتجهيزها؛ من أجل تطبيقها على نطاق أوسع.

أولًا، نجد أن التحيّز عنصر راسخ في دراستنا. فقد استخدمنا الأداة التي طورناها؛ لدراسة أبحاث كنا قد دعمناها بالفعل. كما وجهت أداة قياس «الجودة البحثية المتقدمة» تركيز تقييماتنا البعدية على القيم ذات الأهمية لمؤسستنا. ويدرس المنهج الذي استخدمناه أهدافنا وأولوياتنا، وذلك وفقًا لتعريفاتنا لها. ولذا، قد لا يقبل البعض هذه الأداة، بحجة أنها تجسِّد هذه الأهداف والأولويات. 

ثانيًا، ربما يكون لهذه الأداة – شأنها شأن جميع الأدوات الأخرى - أثر مضلل. فعلى سبيل المثال، عندما طلبنا من المراجعين أن يفحصوا النزاهة والمشروعية، وهي مسائل نراها تمثّل أساسًا لنجاحنا، فإننا صرفنا انتباههم بعيدًا عن عوامل أخرى، مثل الإنتاجية (حجم الأعمال المنشورة والمخرجات)، وفعالية التكلفة. 

ثالثًا، ثمة خطورة من أن تصبح نتائج أداة قياس «الجودة البحثية المتقدمة» منعزلة، وذلك إذا ما تبين اختلافها عن المقاييس الشائعة لجودة البحوث التي تستخدمها المؤسسات البحثية العالمية. فهل أداة قياس «الجودة البحثية المتقدمة» ليست سوى عقبة كؤود أخرى تعترض طريق الباحثين في النصف الجنوبي من العالَم؟ هذا سؤال ما زلنا نعمل على التوصل إلى إجابة عنه.

رابعًا، تكبدنا أداة قياس «الجودة البحثية المتقدمة» المزيد من التكلفة، وتستغرق وقتًا أطول مما لو طلبنا من اثنين أو ثلاثة من الأقران طرح آرائهم. ونحن نظن أنها تتطلب ما يقرب من الضِّعف من الوقت والتكلفة المادية، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى أنها تتطلب جمْع المُقَيِّمين لبيانات تجريبية. وذلك يمثّل لنا وقتًا ومالًا يُنفَقان في موضعهما الصحيح؛ فالنتائج تساعدنا على صقل النهج الذي نتبعه في التمويل والمشاركة.

لا شك أن هذه المخاوف ستسهم في توجيه جهودنا نحو تحسين أداة قياس «الجودة البحثية المتقدمة»، مثلما ستفعل المدخلات الواردة من الأقران والشركاء.

نحو مزيد من النُّهُج المشابِهة

ماذا بعد؟ إذا كان من المفترَض أن تصنع التريليونات من الدولارات التي تُستثمَر في البحث العلمي على المستوى العالمي سنويًّا12 فارقًا، فيجب علينا أن نفعل ما هو أكثر من مجرد التقدير الكَمِّي البدائي للاستشهادات، مثلما أوضح إعلان ليدن1، وإعلان سان فرانسيسكو، بشأن تقييم البحوث العلمية2

في اعتقادنا أن أداة قياس «الجودة البحثية المتقدمة» تطرح حلًّا عمليًّا. وينبغي في الوقت الحالي تكرار النهج الذي اتبعناه في التحليل التجميعي، والنتائج التي توصلنا إليها في سياقات أخرى. ولذا، فنحن الآن في مركز بحوث التنمية الدولية بصدد التخطيط لتقييم آخَر بأثر رجعي في عام 2020. ويثير حماسنا مدى التقدم والتغير الذي ربما يَكشِف عنه هذا التقييم. ونحن بالفعل ننظر حاليًّا في وسائل يمكننا - من خلالها - تطبيق أداة قياس «الجودة البحثية المتقدمة»؛ في اختيار المنح، ومراقبة مدى تقدُّم المشروعات الفردية، والتعبير عن أهدافنا التنظيمية لشركاء التمويل، وطالبي الوظائف.

وبالمثل، فإننا نشجع جهات التمويل ومؤسسات أخرى على تحسين التقييمات التي تجريها بثلاث طرق، هي: دراسة البحوث في سياقاتها، وقبول رؤية متعددة الأبعاد للجودة، واستخدام طريقة منهجية وتجريبية في جمع الأدلة وتقييمها. لقد حان الوقت لكي يُحَوِّل العِلْم أعظم مَواطن قُوّته تجاه نفسه، ألا وهي "التجريب، والتقييم، والنِّقاش، ثم التحسين".

للإطلاع على المعلومات التكميلية المصاحبة لهذا المقال الرجوع للرابط التالي go.nature.com/2ja2dfr

References

  1. Hicks, D., Wouters, P., Waltman, L., de Rijcke, S. & Rafols I. Nature 520, 429–431 (2015). | article
  2. Annual Meeting of the American Society for Cell Biology. San Francisco Declaration on Research Assessment (ASCB, 2012).  
  3. Canadian Institutes of Health Research. Evaluation of CIHR’s Knowledge Translation Funding Program (CIHR, 2013).  
  4. Wilsdon, J. et al. The Metric Tide: Report of the Independent Review of the Role of Metrics in Research Assessment and Management (Higher Education Funding Council of England, 2015). 
  5. Holmes, B. The Rise of the Impact Agenda. Fuse International Conference on Knowledge Exchange in Public Health, Newcastle, UK (27 April 2016); available at https://go.nature.com/2yujm39 

  6. Amano, T., González-Varo, J. P. & Sutherland, W. J. PLoS Biol. 14, e2000933 (2016).  | article
  7. Amano, T. & Sutherland, W. J. Proc. R. Soc. B 280, 20122649 (2013). | article
  8. Ofir, Z., Schwandt, T., Duggan, C. & McLean, R. Research Quality Plus (RQ+): A Holistic Approach to Evaluating Research (IDRC, 2016).  

  9. Gurevitch, J., Koricheva, J., Nakagawa, S. & Stewart, G. Nature 555, 175–182 (2018). | article
  10. McLean, R. & Sen, K. Making a Difference in the Real World? A Meta-Analysis of Research for Development (IDRC, 2018).

  11. Bradley, M. in Putting Knowledge to Work (ed. Mougeot, L. J. A.) Ch. 2 (Practical Action, 2017). 
  12. ‘2017 Global R&D Funding Forecast’ R&D Mag. (Suppl.) Winter 2017, 3–6 (2017). 

  13. . Instituto Geofisico del Peru. Eventos meteorológicos extremos (sequías, heladas y lluvias intensas) en el valle del Mantaro. Vol. 1 (IGP, 2012).  

  14. . Instituto Geofisico del Peru. Manejo de riesgos de desastres ante eventos meteorológicos extremos en el valle del Mantaro. Vol. 2 (IGP, 2012).

جين ليبيل رئيس مركز أبحاث التنمية الدولية في أوتاوا بكندا. ويشغل روبرت ماكلين وظيفة كبير أخصائيي البرامج في المركز ذاته.

البريد الإلكتروني: jlebel@idrc.ca؛ rmclean@idrc.ca