أنباء وآراء

علم الفلك: النسبية العامة تجتاز اختبارًا آخر

تقوم نظرية أينشتاين للجاذبية، نظرية النسبية العامة، على مبدأ أن جميع الأجسام تتسارع على نحو متطابق في مجال جاذبية خارجي. ويطرح نظامٌ نجمي ثلاثي اختبارًا صارمًا لهذا المبدأ. 

كليفورد إم. ويل 
  • Published online:

مِن المعتقَد أن الأجسام جميعها الموجودة في مجال جاذبية معين تسقط بالتسارع نفسه. وهذه الفكرة، التي تُعرَف بمبدأ التكافؤ، تُعَد أساسًا لفَهْمنا لفيزياء الجاذبية. وقد روّج لهذه الفكرة مفكرون عدة، بدءًا من عالِم القرن السادس جون فيلوبونوس، وصولًا إلى جاليليو. وهذه الفكرة هي المبدأ الذي قامت عليه نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين، وثبتت صحتها في التجربة الشهيرة التي أسقط فيها ديفيد سكوت، رائد فضاء في إحدى رحلات برنامج "أبوللو"، مطرقة وريشة على القمر، ورآهما يصطدمان بسطح القمر في الوقت نفسه. على مدار عقود، تَحقَّق الباحثون التجريبيون من صحة مبدأ التكافؤ باستخدام أدوات شديدة الحساسية. ومؤخرًا، أعلن أرتشيبالد وآخرون1، في بحث نشر في دورية Nature،عن نتائج اختبار مميز لمبدأ التكافؤ، كانت فيه الأجسام الساقطة بقايا نجمين، أحدهما نجم نيوتروني، والآخر قزم أبيض.

يُعرَف النجم النيوتروني الدوّار - الذي تنبعث منه حزمة من الإشعاعات الكهرومغناطيسية - باسم النجم النابض. ويبدو هذا الانبعاث نابضًا، لأنه لا يمكن رؤيته إلا عندما تكون حزمة الإشعاعات موجهة نحو الأرض. والنبضات المنبعثة منتظمة للغاية، لدرجة أن الاختلافات في مدتها الزمنية المرصودة يمكن أن تُفسَّر بسهولة على أنها ناجمة عن تأثير الشدّ التجاذبي لجرم فلكي آخر على النجم النابض. وقد استُخدِمت هذه الاختلافات لاكتشاف أكثر من 220 نظامًا نجميًّا ثنائيًّا يحتوي على نجم نيوتروني، وعدد قليل من النجوم النابضة التي لها كواكب مرتبطة بها (go.nature.com/2mslfj4).

في عام 2014، أعلن الفلكيون عن اكتشاف نجم نابض، استثنائيًّا، لأن له رفيقين نجميين2 (الشكل 1). والنجم النيوتروني، الذي يزن 1.4 كتلة شمسية، يحتل مدارًا قريبًا، طول دورته 1.6 يوم مع قزم أبيض يزن 0.2 كتلة شمسية. وهذا الزوج من الأجرام يحتل بدوره مدارًا، طول دورته 327 يومًا مع قزم أبيض يزن 0.4 كتلة شمسية. والمداران الداخلي والخارجي دائريان تقريبًا، ويوجدان في المستوى نفسه بالضبط تقريبًا.  

شكل 1| نظام نجمي ثلاثي. في عام 2014، أعلن الفلكيون عن نظام يحتوي على بقايا ثلاثة نجوم، أحدها نجم نيوتروني، والآخران قزمان أبيضان2. (أ) يوجد النجم النيوتروني في مدار قريب، طول دورته 1.6 يوم مع أحد القزمين الأبيضين. (ب) يحتل هذا الزوج من الأجرام نفسه مدارًا، طول دورته 327 يومًا حول القزم الأبيض الآخر. وأعلنت أرتشيبالد وآخرون1 أنه ما مِن دليل على وجود تشوه في المدار الداخلي، وهو الأمر المتوقَّع، إذا كان هناك اختلاف بين تسارعي النجم النيوتروني، والقزم الأبيض الداخلي نحو القزم الأبيض الخارجي. وتدعم هذه النتائج نظرية أينشتاين للجاذبية، وهي "نظرية النسبية العامة".

شكل 1| نظام نجمي ثلاثي. في عام 2014، أعلن الفلكيون عن نظام يحتوي على بقايا ثلاثة نجوم، أحدها نجم نيوتروني، والآخران قزمان أبيضان2. (أ) يوجد النجم النيوتروني في مدار قريب، طول دورته 1.6 يوم مع أحد القزمين الأبيضين. (ب) يحتل هذا الزوج من الأجرام نفسه مدارًا، طول دورته 327 يومًا حول القزم الأبيض الآخر. وأعلنت أرتشيبالد وآخرون1 أنه ما مِن دليل على وجود تشوه في المدار الداخلي، وهو الأمر المتوقَّع، إذا كان هناك اختلاف بين تسارعي النجم النيوتروني، والقزم الأبيض الداخلي نحو القزم الأبيض الخارجي. وتدعم هذه النتائج نظرية أينشتاين للجاذبية، وهي "نظرية النسبية العامة". 

كبر الصورة

© Replace me

وإذا كان النجم النيوتروني والقزم الأبيض الداخلي يسقطان بتسارعات مختلفة نحو القزم الأبيض الخارجي، فمِن المفترض أن يوجد تشوّه بسيط في المدار الداخلي. وقد أعلنت أرتشيبالد وزملاؤها عن تحليل لبيانات جُمِعت على مدار ست سنوات، تُظهِر عدم وجود أي دليل على هذا التشوّه. فتسارعات هذين الجرمين تختلف بما لا يزيد على 2.6 جزء من المليون، ما يتوافق مع مبدأ التكافؤ.

وللاختبارات التي أُجريت على هذا المبدأ تاريخ طويل. ففي آواخر القرن التاسع عشر، كرّس الفيزيائي المَجَرِي رولاند فون إيوتفوس سنوات للتحقق من أن تسارعات مواد معملية عديدة في مجال جاذبية الأرض تختلف بأقل من بضعة أجزاء من المليار3. أما خليفته في العصر الحديث، المتمثل في مجموعة «إيوت-واش»4، الكائنة في سياتل بواشنطن، فقد زحزحت هذا الفارق إلى أجزاء من 1013. وفي عام 2017، غيرت البيانات المستقاة من بعثة الفضاء الفرنسية «مايكروسكوب»5 الأمر برمته ليصبح الفارق بمعامل عشرة أخرى.

وبالنظر إلى أن الجسم القياسي في مختبرات الفيزياء يحتوى على حشد من الجسيمات الأولية، والمجالات، وأنواع الطاقة المرتبطة بها، فإن التشابه الشديد بين ردود فعل المواد المختلفة تجاه الجاذبية هو أمر استثنائي للغاية. وفي خيال أينشتاين المتفرد، كان ثمة سبب وراء ذلك، وهو أن الجاذبية ليست قوة تؤثر على كل هذه الجسيمات على نحو فائق الدقة، لكنها ببساطة تأثير ناتج عن هندسة الزمان والمكان. وتتبع مكونات المادة مسارات عامة في زمان-مكان ينحني بفعل أجسام ضخمة، مثل الأرض، أو الشمس.  

ولكن، هل تتصرف طاقة الجاذبية على نحو مماثل للمادة؟ إن الأجسام الصغيرة المستخدَمة في التجارب المعملية لا تحتوي على طاقة جاذبية كافية للإجابة عن هذا السؤال، على عكس الكواكب والنجوم. وعند أخْذ الجاذبية الذاتية في الاعتبار، يأتي دور مفهوم يُسمَّى "مبدأ التكافؤ القوي". وهذا المبدأ يجعل نظرية النسبية العامة متفردة عن النظريات المنافِسة لها. ففي نظرية أينشتاين، تسقط كل الأجسام – من المطارق، والريش، إلى كواكب، والنجوم النيوترونية، والأقزام البيضاء، بل والثقوب السوداء أيضًا - بالتسارع نفسه، لكن في أغلب النظريات البديلة للجاذبية، مثل نظريات المجالات العددية - الموّترة6، يُنتهَك مبدأ التكافؤ في حالة الأجسام ذات الجاذبية الذاتية.

على مدار نحو 50 عامًا، قاس الباحثون المدة الزمنية التي تستغرقها نبضات الليزر لتقطع الرحلة الكاملة من الأرض إلى القمر، وتعود منها، وهي تقنية تُعرَف بقياس المسافات القمرية باستخدام الليزر. وتحليل هذه البيانات8،7 أكد صحة مبدأ التكافؤ القوي، عن طريق إثبات أن اختلاف تسارُع الجرمين نحو الشمس لا يزيد على بضعة أجزاء من 1013. ولأن حوالي 5 أجزاء من 1010 من كتلة الأرض تُمثّل طاقة جاذبية9، فإن هذه النتيجة تعني ضمنيًّا أن تسارع طاقة الجاذبية والمادة يختلف بأقل من بضعة أجزاء من 104.

لقد بلغت دراسة أرتشيبالد وزملائها أفقًا علميًّا جديدًا في هذا الشأن؛ لأن طاقة الجاذبية داخل النجم النيوتروني يمكن أن تُمثّل نسبة تصل إلى 20% من كتلته10. وبالتالي، فإن نتائج مؤلفي البحث تشير إلى أن تسارُع طاقة الجاذبية والمادة يختلف بما لا يزيد على بضعة أجزاء من 105، وهو ما يُعَد تحسنًا بمقدار عشرة أضعاف عن النتيجة التي توصلت إليها تقنية قياس المسافات القمرية باستخدام الليزر.

والأهم من ذلك، هو أن مؤلفي البحث قد قدّموا بذلك ما يُعرَف باختبار المجال القوى للنسبية العامة. فعلى عكس المجموعة الشمسية، التي تنبأت لها نظرية أينشتاين بحيود بسيط فقط عن نظرية نيوتن للجاذبية، فإن حركة النجم النيوتروني في مجال جاذبية تستدعي النسبية العامة كاملةً بكل عظمتها المركبة. ولذا، فإن نظرية أينشتاين تجتاز اختبار المجال القوي هذا بنجاح.

ولأن النسبية العامة تتنبأ بانعدام التأثير، فإن نتيجة هذا الاختبار تكون إما النجاح، أو الفشل. وفيما يخص النظريات البديلة، فإنّ استدعاء تأثيرات جاذبية قوية يُعقِّد تفسير النتائج تعقيدًا كبيرًا. وتوضح أرتشيبالد وزملاؤها هذا التعقيد باستخدام نظريات المجالات العددية - الموّترة كمثال. ففي هذه النظريات، يَعتمِد تفسير النتائج على التكوين الداخلي المفترض للنجم النيوتروني، وعلى القيم المختارة لما يُعرَف بثوابت الاقتران. ويوضح مؤلفو البحث أن نتائجهم تُحسِّن من القيود التي كانت موجودة في السابق على العوامل التي تتحكم في هذه النظريات، والتي ينشأ بعضها من قياسات المجموعة الشمسية، وبعضها الآخر من بيانات مستقاة من أنظمة نجمية ثنائية تحتوي على نجم نابض. وعلى الرغم من أن هذه النظريات لم تُدحض كليةً، فإن الآمال المعقودة على إثبات صحتها صارت أصغر بكثير. 

References

  1. Archibald, A. M. et al. Nature559, 73–76 (2018). | article
  2. Ransom, S. M. et al. Nature505, 520–524 (2014). | article
  3. Eötvös, R. V., Pekár, D. & Fekete, E. Ann. Phys. (Leipz.)373, 11–66 (1922). | article
  4. Wagner, T. A., Schlamminger, S., Gundlach, J. H. &Adelberger, E. G. Class. Quantum Grav.29, 184002(2012). | article
  5. Touboul, P. et al. Phys. Rev. Lett.119, 231101(2017). | article
  6. Brans, C. & Dicke, R. H. Phys. Rev.124, 925–935(1961). | article
  7. Williams, J. G., Turyshev, S. G. & Boggs, D. H. Int. J. Mod. Phys. D18, 1129–1175 (2009). | article
  8. Hofmann, F., Müller, J. & Biskupek, L. Astron. Astrophys. 522, L5 (2010).  | article
  9. Will, C. M. Theory and Experiment in Gravitational Physics, Revised Edition174 (Cambridge Univ.Press, 1993).  | article
  10. Shapiro, S. L. & Teukolsky, S. A. Black Holes, White Dwarfs and Neutron Stars: The Physics of Compact Objects 241 (Wiley, 1986).  | article

كليفورد إم. ويل يعمل في قسم الفيزياء بجامعة فلوريدا، جينزفيل، فلوريدا 32611، الولايات المتحدة الأمريكية

البريد الإلكتروني: cmw@phys.ufl.edu