أنباء وآراء

علم الأعصاب: الأثر الجزيئي للعُزْلة الاجتماعية

يتسبب العزل الاجتماعي المُطَوَّل في ظهور تأثيراتٍ مُنْهِكة في الثدييات الاجتماعية، مثل البشر. وتُبيِّن دراسةٌ أُجرِيَتْ على الفئران أن الجين Tac2 تتم زيادة التعبير عنه في جميعِ أجزاء أدمغة الحيوانات المعزولة اجتماعيًّا، ما يُحْدِث تغيراتٍ سلوكية هائلة.

نوجا زِلخا، وتالي كِمشي
  • Published online:

يُقال إنّ حتى أعتى المساجين يخشون الحبس الانفرادي. ويتزايد الإدراك حاليًّا حول العالم بأننا نواجه حالةً وبائية من مشاعر الوحدة. ويمكن للعزل الاجتماعي المطوّل، والوحدة أن يؤديا إلى كثير من المشكلات الفسيولوجية والعصبية النفسية الشديدة، بما في ذلك الاكتئاب، وأمراض القلب، وكذلك ارتفاع معدلات الوفيات1. ففي الولايات المتحدة، يعاني أكثر من 50% من الأشخاص فوق سن الستين من الوحدة2، كما عَيَّنَت المملكةُ المتحدة وزيرةً في الحكومة، للتعامل مع قضية الوحدة. هذا.. ولكنّ الآليات البيولوجية التي تؤدي إلى ظهور تأثيرات العَزل الاجتماعي ليست مفهومة على نحو جيد. وفي بحثٍ نُشر بدورية "سِل" Cell، كَشفَت زيليكوفسكي وزملاؤها3 عن آلية تأشير تعمل في عدة مناطق من الدماغ في الفئران، لإحداث بعض التأثيرات الضارة الناجمة عن الضغط الذي يسببه العزل الاجتماعي المستمر.

فَحَص الباحثون تأثيراتِ العزل الاجتماعي، الذي امتد إلى أسبوعين على أدمغة وسلوك ذكور الفئران (ما يعادل أكثرَ من سنةٍ للإنسان في ظروف مماثلة4). في البداية، استخدم الباحثون مجموعةً من الاختبارات السلوكية، ليقارنوا بين الفئران التي تعرضت للعزل، والفئران المحكمة التي وُضعت في مجموعات، وكشفت هذه الاختبارات عن تأثيرات واسعة النطاق. وبالمقارنة بالحيوانات المحكمة، أظهرت الفئرانُ المعزولة نزعة عدوانيةً أكبر، وحساسيةً مفرطة تجاه مجموعةٍ متنوعة من المثيرات الضاغطة. فعلى سبيل المثال.. اتسم سلوك الفئران التي عُزِلت اجتماعيًّا بقدرٍ أكبر من العدوانية تجاه فأرٍ غريب وُضع في القفص. وفي اختبار آخر، عَرّض الباحثون الفئران لدائرة مظلمة تحوم فوقها، ما يحاكي مفترسًا يقترب منها. واستجابةً لهذا الخطر؛ تَسَمَّرَت الفئران المحكمة في مكانها، لكنها بدأت تتحرك بشكلٍ عادي بعد زوال العامل المسبِّب للضغط، بينما الفئران التي كانت قد عُزلت ظلت متسمرة في مكانها مدة طويلة بعد زوال هذا الخطر الظاهر.

وبعد ذلك.. فحصت زيليكوفسكي وزملاؤها الآلياتِ الدماغية التي أدت إلى هذا السلوك. كانت مجموعة الباحثين نفسها قد حددت في دراسة سابقة أَجْرتها على ذباب الفاكهة أن الجين Tac هو جينٌ أساسي لتنظيم النزعة العدوانية التي يحفزها العزل الاجتماعي5. ولَدَى القوارض نسختان من الجين Tac، يتم التعبير عنهما في أماكن مختلفة من الدماغ، منها تلك المناطق ذاتَ الصلة بالسلوك الاجتماعي، والقلق النفسي، والعواطف. وباستخدام عدة طرق مستقلة، رصدت زيليكوفسكي وزملاؤها مؤخرًا زيادةً ضخمة في التعبير عن الجين Tac2  في جميع مناطق الدماغ، عقب العزل الاجتماعي.

يُشَفِّر الجين Tac2 لإنتاجِ بروتينٍ يسمَّى «نيوروكينين بي» neurokinin B، أو NkB (اختصارًا)، وهو يرتبط تحديدًا بالمستقبِل Nk3R. وأجرى الباحثون سلسلةً من التجارب؛ لتغيير تأشير البروتين NkB في المخ. في البداية، ثَبَّطُوا - بشكل مُنظَّمٍ - تأشير البروتين NkB في ذكور الفئران المعزولة، وذلك باستخدام عقار يسمَّى «أوسانيتانت» osanetant، الذي يُثَبِّط نشاطَ المستقبِل Nk3R. وأدى إعطاء الفئرانِ هذا العقار، سواء خلال فترة العزل الاجتماعي، أَم قبل عشرين دقيقة من بدء الاختبار السلوكي، إلى التقليل من آثار العزل الاجتماعي على السلوك بشكل كبير. وبعد ذلك.. قام الباحثون بزيادة التعبير عن الجين Tac2 في حيوانات موضوعة في مجموعات، بالتزامن مع تنشيط الخلايا العصبيةَ المعبِّرة عن الجين لديها، باستخدام فيروساتٍ صُمِّمَت خصيصًا وحُقِنَت في الأوردة، بينما كانت قادرةً أيضًا على عبور الحاجز الدموي الدماغي، والوصول إلى الدماغ. ووجد الباحثون أن هذا التلاعب في الجينات أدى بالفئران التي عاشت في مجموعات إلى أن تتصرف بطريقةٍ مشابهة للفئران التي كانوا قد عزلوها.

وفي النهاية، أحدثت زيليكوفسكي وزملاؤها تغييرًا في التعبير عن الجين Tac2 في الفئران، وكذلك تأشير البروتين NkB، إما بحقن عقار «أوسانيتانت» في مواضع محددة من الدماغ أو حقن الفيروسات؛ لخفض التعبير عن الجين Tac2، أو لتثبيط نشاط الخلايا العصبية، التي يتم التعبير فيها عن ذلك الجين. وقد مَكَّنَت هذه التجاربُ مؤلِّفِي البحث من الربط بين سلوكياتٍ محدَّدة، وتنظيم نشاط الجين Tac2 في مناطق معينة من الدماغ. فقد تم التحكم في التأثير الاجتماعي الرئيس للعزل – وهو ازديادُ العدوانية تجاه أي دخيل – من قبل الجين Tac2 في منطقة ما تحت المهاد الظهرية الوسطية، بينما تم تنظيم الاستجاباتِ للضغطِ الحاد والمتواصل من قِبَل الجين بشكل أَوّلِي في اللوزة المركزية (الشكل 1).

الشكل 1 | يساعد الجين Tac2 على ظهور التأثيرات المختلفة للعزل في الفئران. فحصَت زيليكوفسكي وزملاؤها3كيف تأثرت أدمغة وسلوكيات ذكور الفئران، نتيجة عزلها لمدة أسبوعين. ووجدوا أن التعبير عن الجين Tac2 يزداد في كل مناطق الدماغ، وأن ارتفاع التعبير عنه في مناطق محددة – بما في ذلك اللوزة المركزية، ومنطقة ما تحت المهاد الظهرية الوسطية – أدّى إلى تغَيُّراتٍ نوعية في السلوك الاجتماعي للحيوانات، وفي استجابتها للمثيرات المختلفة المُسَبِّبة للضغط.

الشكل 1 | يساعد الجين Tac2 على ظهور التأثيرات المختلفة للعزل في الفئران. فحصَت زيليكوفسكي وزملاؤها3كيف تأثرت أدمغة وسلوكيات ذكور الفئران، نتيجة عزلها لمدة أسبوعين. ووجدوا أن التعبير عن الجين Tac2 يزداد في كل مناطق الدماغ، وأن ارتفاع التعبير عنه في مناطق محددة – بما في ذلك اللوزة المركزية، ومنطقة ما تحت المهاد الظهرية الوسطية – أدّى إلى تغَيُّراتٍ نوعية في السلوك الاجتماعي للحيوانات، وفي استجابتها للمثيرات المختلفة المُسَبِّبة للضغط. 

كبر الصورة

ومن شأن هذا البحث أن يفتح البابَ أمام الكثير من البحوث الأخرى في المستقبل. فبدايةً – وهو أهم ما في الأمر - سيكون من المثير معرفة ما إذا كان الجين TAC3 - وهو الجين البشري المُناظر للجين Tac2 - يؤدي دورًا في ظهور تأثيرات الوحدة والعزل الاجتماعي في البشر، أم لا. وحسب عِلْمنا.. لم يتم حتى الآن الربط مباشرة بين الجين TAC3، وأي نوع من النشاط أو السلوك الاجتماعي في البشر، غير أنه يتم التعبير عنه في الدماغ البشري، كما أظهر مستويات غير طبيعية من التعبير في الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد6، الذي يؤثر بشكل كبير على التفاعل الاجتماعي. ويمكن تطبيق أساليب التلاعُب المنظَّمة في بحث زيليكوفسكي وزملائها على البشر فورًا، إذ إن عقار «أوسانيتانت» والمثبطات الأخرى للبروتين NkB قد اختُبِرَت بالفعل في تجاربَ إكلينيكية. ويمكن لهذه العقاقير أن تعالِج الاضطراباتِ المعادية للمجتمع، التي يُحْدِثها العزل، وكذلك اضطرابات المزاج والقلق.

ورغم أن معظمَ تجاربهم قد ركزَت على ذكور الفئران، رصدت زيليكوفسكي وزملاؤها ازديادًا في معدَّل التعبير عن الجين Tac2، استجابةً للعزل الاجتماعي في كل من الذكور والإناث. إنّ الاختلافات بين الجنسين من حيث الاستجابة للضغوط والعزل موثَّقةٌ على نحوٍ جيد، وهي - في العادة - ثابتةٌ عبر تاريخ النوع7. ومن ثم، سيكون من المثير اختبار ما إذا كانت أدوار الجين Tac2 في ظهور تأثيرات العزل الاجتماعي في الإناث تشبه أدواره في الذكور، أم تختلف عنها.

وقد تتباين الحاجة إلى التفاعلات الاجتماعية، وشكل الاستجابة للعزل الاجتماعي بدرجة كبيرة بين الأنواع المختلفة، وبين الأفراد داخل النوع الواحد. وعادةً ما يُعتبَر البشر - على سبيل المثال - مخلوقاتٍ اجتماعية بدرجة كبيرة، وكذلك الفئران8. وقد يعانون من تبعات مُنْهِكة، إذا لم تُلَبّ احتياجاتُهم الاجتماعية9،1، غير أن هناك أنواعًا (وبعض الأفراد داخل النوع الواحد) تكون أكثر ميلًا إلى العيش الانفرادي، أو حتى تتجنب التفاعلات الاجتماعية10. ويمكن أن تكون لدى مِثْل هذه الأنواع أو الأفراد آلياتٌ عصبيةٌ متكيفة للتوافق مع غياب التفاعل الاجتماعي، لكنّ تحديد ما إذا كانت الجيناتُ من عائلة Tac تعمل بشكلٍ مختلفٍ، أم لا، في الأفراد أو الأنواع ذات النزعة الانعزالية، مقارنة بكيفية عملها في الأفراد أو الأنواع الأكثر اجتماعيةً، لم يُكشف بعد.

وأخيرًا، يتحتم على المرء أن يتساءل: إلى أيّ مدى نستطيع الاعتماد على نموذج من الفئران للعزل الاجتماعي، كوسيلة يمكن بها فعليًّا بَحْثُ الآليات المؤدية إلى مَشاعر الوحدة في البشر؟ في النهاية، الشعور بالوحدة والعزلة العقلية أمر شخصي وتقديري، فقد يشعر الشخص بأنه وحيد، بينما هو محاط بأناس آخرين. إنّ السمات التي تبديها الفئران المعرَّضة للعزل الاجتماعي المطَوَّل تشبه - إلى حد بعيد - تلك التي تُرى في البشر الموضوعين في حبس انفرادي؛ ولذا.. فإن هذه الحيوانات تُوَفِّر بالفعل نموذجًا جيدًا لدراسة الأمر. وما نفتقِرُ إليه الآن هو وجود نماذج حيوانية للأشكال الأخرى من الوحدة البشرية، كالانسحاب الاجتماعي، أو اضطراب الشخصية المُعادي للمجتمع. وقد يؤدي التوسع في استخدام الطرق والأدوات البحثية – عبر دراسة أنواع مختلفة على سبيل المثال، بما فيها الحيوانات غير الاجتماعية، وتلك التي تعيش في مجتمعات، وكذلك البشر – إلى تقريبنا أكثر من فَهْم الأساس البيولوجي للوحدة في البشر.

References

  1. Holt-Lunstad, J., Smith, T. B., Baker, M., Harris, T. & Stephenson, D. Perspect. Psychol. Sci. 10, 227–237 (2015). | article
  2. Gerst-Emerson, K. & Jayawardhana, J. Am. J. Public Health 105, 1013–1019 (2015). | article

  3.  Zelikowsky, M. et al. Cell 173, 1265–1279 (2018). | article
  4. Dutta, S. & Sengupta, P. Life Sci. 152, 244–248 (2016). | article
  5. Asahina, K. et al. Cell 156, 221–235 (2014). | article

  6. Martin, J. et al. J. Am. Acad. Child Adolescent Psychiatry 53, 761–770 (2014). | article
  7. Bale, T. L. & Epperson, C. N. Nature Neurosci. 18, 1413 (2015). | article
  8. Insel, T. R. & Fernald, R. D. Annu. Rev. Neurosci. 27, 697–722 (2004). | article
  9. House, J., Landis, K. & Umberson, D. Science 241, 540–545 (1988). | article
  10. Rehan, S. M. & Toth, A. L. Trends Ecol. Evol. 30, 426–433 (2015). | article

نوجا زِلخا، وتالي كِمشي تعملان في قسم بيولوجيا الأعصاب، معهد وايزمان للعلوم، ريهوفوت 76100، إسرائيل.