افتتاحيات

مراجعة الرياضيات

تحديث عِقدي للرياضيات الأكاديمية يكشف قيمة التأني في تصنيف العلوم.

  • Published online:

للرياضيات أسلوبها الخاص في إنجاز الأمور.. فأخصائيو الرياضيات لا يسعون باستماتة وراء أحدث الصيحات الأكاديمية. وعندما سُئِلت إحدى الخبيرات عمّا إذا كان تخصصها في مجال ديناميكا الموائع رائجًا الآن، أم لا، أجابت: "الأمر يختلف من حين إلى آخر على مرِّ القرون".

تتحرك الرياضيات بإيقاعها الخاص. ومجال دراستها منخرط حاليًّا في جهد عالمي لتحليل التصنيفات الجديدة، وتدقيقها، ومراجعتها فيما يخص دراسة إخصائيي الرياضيات لهذا العِلْم، واستخدامه. وسيعتمد نظام تصنيف موضوعات الرياضيات 2020 - المعروف اختصارًا باسم "إم إس سي 2020"، الذي من المقرر ظهوره رسميًّا في عام 2020 - فئات جديدة من الرياضيات، وسيقسِّم التعريفات القائمة حاليًّا إلى فئات أكثر دقة.

يقدّم نظام تصنيف موضوعات الرياضيات ترتيبًا تصنيفيًّا. ففي نظام "إم إس سي 2010" - على سبيل المثال - يمثّل الرمز 03 المنطق الرياضي والأسس الرياضية. وعلى نحو أكثر تفصيلًا، يشير الرمز 03E إلى نظرية المجموعات، والرمز 03E72 إلى نظرية المجموعات الضبابية.

لماذا نزعج أنفسنا بوضع هذا التصنيف؟ يشترك في إدارة هذا النظام كلٌّ من مورد الرياضيات "زد بي ماث" (zbMATH)، الذي يرعاه معهد لايبنتس لهياكل المعلومات في كارلسروه بألمانيا، ودورية "ماثيماتيكال ريفيوز" Mathematical Reviews، التي تصدرها الجمعية الأمريكية للرياضيات. وتُعَد كلتاهما دورية شاملة، تلخص وتراجع - على نحو منهجي - كل بحث يظهر في منشورات الرياضيات الخاضعة لمراجعة الأقران. وتستخدم دورية "ماثيماتيكال ريفيوز"، ومصدر "زد بي ماث" نظام تصنيف موضوعات الرياضيات في مسارات العمل الداخلية بهما، وقد استخدم العديد من الدوريات الأخرى النظام أيضًا في إسناد الأبحاث المُقدّمة لها للمحررين والمراجعين. ويستخدم أخصائيو الرياضيات كذلك الرموز الرقمية؛ للبحث عن الأوراق البحثية، كلٌّ في تخصصه.

وللحفاظ على مواكبة النظام للمستجدات، تستشير المؤسستان كل عشر سنوات مراجعين، وتطلبان مقترحات لمدخلات جديدة من مجتمع الرياضيات الأوسع نطاقًا. وقد بدأت الترشيحات لهذه المقترحات في يوليو 2016، وانتهت في أغسطس الماضي. وتتمثّل إحدى الأفكار الناشئة للفئات الجديدة المقترحة في المجالات التي تمزج بين تخصصات تقليدية، مثل "الإحصاء الجبري"، و"الهندسة الجبرية الرقمية".

ولننظر - على سبيل المثال - إلى التحليل الطوبولوجي للبيانات، الذي يُعَد مرشحًا بقوة للإدراج في النظام. تستمد نظرية هذا التحليل أصولها من الطوبولوجيا - وهي دراسة الأشكال، وصور ترتيبها داخل بعضها البعض - التي تشمل نظرية العُقَد والفضاءات عالية الأبعاد. كانت الطوبولوجيا على مدار أكثر من قرن تندرج بصفة أساسية تحت الرياضيات البحتة، لكنّ الباحثين وجدوا طرقًا لاستخدامها؛ لإضافة هيكل إلى مجموعات البيانات الكبيرة. ومن هنا.. ظهر التحليل الطوبولوجي للبيانات إلى الوجود.

وبوجه أكثر عمومية، تُتَابِع المراجعة التي تقوم بها المؤسستان التحوّلات الثقافية الأوسع نطاقًا، حيث تشير الفئات الجديدة المقترحة إلى أن عددًا أكبر من أخصائيي الرياضيات بدأوا يتعاونون مع باحثين في مجالات أخرى.

يمكن أن يعتمد الاعتراف بمجال فرعي جديد على ظهوره في الاستشهادات المرجعية، وهي عملية بطيئة في الرياضيات. فقد كشفت دراسة حديثة لحوالي 20 مليون إحالة مرجعية لأكثر من 900 ألف مقال في الرياضيات في مورد "زد بي ماث" أن الوقت الذي تستغرقه الاستشهادات المرجعية لأيّ ورقة بحثية، حتى تصل إلى ذروتها، أطول بعدة سنوات من المجالات الأخرى، وهذا الوقت يزداد طولًا. ومن ثم، تستغرق الإنجازات - حتى الكبيرة منها - بعض الوقت، حتى تظهر في نظام تصنيف موضوعات الرياضيات. وكما توقع الكثير من إخصائيي الرياضيات، فقد فاز بيتر شولز - وهو عالِم نظري، متخصص في الأرقام، يعمل في جامعة بون بألمانيا - بميدالية "فيلدز" هذا العام؛ لعمله الرائد في الفضاءات شبه التامة (perfectoid spaces). هذا.. ولا يزال تخصص الفضاءات شبه التامة - بوصفه فئة بحثية ظهرت منذ عام 2010، أو نحو ذلك - غير ناضج على الأرجح بما يكفي؛ لكي يشق طريقه إلى نظام تصنيف موضوعات الرياضيات 2020.

والسؤال الآن.. هل يمكن أن يُكتَب البقاء لمثل هذا التدرج الهرمي الجامد في عصر يقوم على بيانات التعريف المتدفقة، والتصنيف بالكلمات المفتاحية؟ في الواقع، لا يزال هذا التصنيف صالحًا للبقاء في هذا العصر. فقد وجدت الدراسات علاقة قوية بين تصنيف المؤلفات في مجال الرياضيات إلى موضوعات - كما تُقاس من شبكات الاستشهادات المرجعية - ونظام تصنيف موضوعات الرياضيات، على الأقل في مستوياته العليا، لكنّ الأمور قد تتغير. وعلى سبيل المثال.. تحوّلت الجمعية الأمريكية للفيزياء في عام 2016 في دورياتها من نظام يشبه نظام تصنيف موضوعات الرياضيات إلى نظام مختلط يُسمَّى "عناوين موضوعات الفيزياء". ويمتاز هذا النظام بشجرة هرمية من التخصصات الفرعية، ومجموعة واسعة من "الأوجه" التي تمتد عبر هذه التخصصات، مثل مخطط "فِن" Venn، الذي يشتمل على مصطلحات عديدة. وربما تفعل الرياضيات الأمر نفسه في وقت ما، وبالأحرى في الوقت المناسب. فالرياضيات لا تحتاج إلى اتباع الاتجاهات الجديدة الآن.