رؤية كونية

الحديث جيد كبداية لكنْ حان وقت الأفعال

قبل خمس سنوات، كان إعلان سان فرانسيسكو لتقييم البحوث بمثابة نقطة انطلاق. ويجب الآن أن يصبح أداة للتقييم العادل، حسبما يرى ستيفن كوري.

ستيفن كوري
  • Published online:

Dave Guttridge

إنّ الإعلانات كافة محكوم عليها بالفشل. فإعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية - الصادر منذ 240 عامًا – يعتبره أمرًا بديهيًّا أن "كل البشر [هكذا ورد بالنص] قد خُلقوا سواء"، ومع ذلك تظل المساواة حلمًا بعيد المنال بالنسبة إلى كثير من الأمريكيين.

أما إعلان سان فرانسيسكو لتقييم البحوث (ويُطلق عليه اختصارًا إعلان "دورا" DORA؛ https://sfdora.org)، فهو أحدث عهدًا بكثير، لكنه يبدو مثاليًّا بصورة مشابهة. ينادي الإعلان - الذي وضعته مجموعة من محرري وناشري الدوريات العلمية في اجتماع للجمعية الأمريكية لعلم الأحياء الخلوي (ASCB) في ديسمبر عام 2012 - بالحاجة الملحة إلى تحسين طرق تقييم البحث العلمي، ويدعو العلماء، والممولين، والمؤسسات، والناشرين إلى التخلي عن اعتماد عوامل تأثير الدوريات العلمية (JIFs) عند تقييم الباحثين الأفراد.

يهدف إعلان "دورا" إلى خلْق عالَم يكون فيه محتوى البحث أكثر أهمية من عامِل تأثير الدورية المنشور بها. ويوافق آلاف الباحثين ومئات المؤسسات البحثية حاليًّا على ذلك، كما وقَّعوا على الإعلان. وقد بدأ الزخم يتعاظم، خاصة في المملكة المتحدة، حيث تَضاعَف عدد الموقعين من الجامعات ثلاث مرات خلال العامين الماضيين. وفي الأسبوع الأول من فبراير الماضي، أعلنت جميع مجالس الأبحاث السبعة في المملكة المتحدة دعمها له.

لم يكن أبدًا الهدف من عوامل التأثير أن تكون مقياسًا للبحوث الفردية، ناهيك عن الباحثين الأفراد؛ فهي تمثل متوسط التوزيع المشوه وغير العادل للاقتباسات التي تراكمت في البحوث المنشورة في دورية معينة على مدى عامين. ولا تخفي تلك القيم المتوسطة تباينًا كبيرًا بين الأبحاث المنشورة في الدورية نفسها فحسب، بل إن الاقتباسات تُعَد مقاييس معيوبة للجودة والتأثير. وقد تَنشر دوريات ذات عوامل تأثير عالية الكثيرَ من الموضوعات العلمية عالية الجودة، لكننا لا ينبغي أن نعهد تقييم الباحثين الأفراد وإنتاجهم لمقاييس الدوريات المغرية.

وتتفق الغالبية على أن ربط المكافآت الوظيفية بعوامل التأثير يشوِّه العلوم. ومع ذلك، يبدو من المستحيل وقف هذه الممارسة تمامًا. ففي الصين، على سبيل المثال، تدفع جامعات عديدة مكافآت ترتبط بعوامل التأثير، اقتداءً بمعايير عرفية في سنن الغرب. ويتمسك العلماء في أجزاء من أوروبا الشرقية بعوامل التأثير، بوصفها حصنًا منيعًا ضد "المحسوبية". وما يبعث على مزيد من القلق أنّ إجراءات التقييم - بعيدًا عن عوامل التأثير - لم تكتسب المصداقية بعد، حتى في بعض المؤسسات التي وقَّعت على إعلان "دورا". وتنتشر أخبار عن مديري الأبحاث الذين يطالبون بعوامل تأثير عالية، ويشعر المتقدمون إلى المنح والوظائف أنهم لا يستطيعون المنافسة، ما لم ينشروا أبحاثًا في دوريات علمية بارزة. ويخشى الجميع من العزوف عن المألوف.

لذا، فإن الدور المنشود من إعلان "دورا" الآن هو التعجيل من التغيير الذي دعا إليه. أشعر بالحاجة إلى التغيير كلما التقيت بأحد من الباحثين في مرحلة ما بعد الدكتوراة؛ إذ يبرز جليًّا اهتمامهم بالعالَم، وتصميمهم على تحسينه، غير أن أنظمة التقييم لدينا تقوّض رغباتهم في متابعة القضايا الأكثر إثارة وتأثيرًا. فعند تقدُّمهم إلى أُولَى وظائفهم الدائمة، يكونون قد بدأوا بالفعل في حساب كيفية المناورة في إطار الإدارة التنفيذية للعلوم الحديثة، المعتمِدة على عوامل تأثير الدوريات.

وتوالت دعوات كثيرة إلى شيء أفضل، بما في ذلك "بيان ليدن" Leiden Manifesto، وتقرير المملكة المتحدة "المَدّ القياسي" The Metric Tide، وكلاهما صدر في عام 2015، وكما هو الحال مع إعلان "دورا"، فقد أسهَما في تغيير مسار المناقشات الدائرة حول تقييم الباحثين، ومهَّدا الطريق للتغيير.

وقد آن الأوان للانتقال من إصدار الإعلانات إلى إيجاد الحلول. فبدعم من الجمعية الأمريكية لعلم الأحياء الخلوي، ومعهد أبحاث السرطان في المملكة المتحدة، والمنظمة الأوروبية للأحياء الجزيئية، وصندوق "وِيلْكَم تراست" لتمويل بحوث الطب الحيوي، ودور النشر "كومباني أوف بيولوجستس" Company of Biologists و"إي لايف" eLife، و"إف 1000" F1000، و"هنداوي" Hindawi، و"بلوس" PLOS، وَظَّف إعلان "دورا" شخصًا بدوام كامل في منصب "مدير مجتمع"، وجدد اللجنة التوجيهية لديه، التي أتولى رئاستها. فنحن ملتزمون بالمضي قدمًا في الأمر.

إنّ هدفنا هو اكتشاف ونشر أمثلة للممارسات الجيدة، وتعزيز الملامح العامة لإصلاح إجراءات التقييم. وسوف نقوم بذلك في المؤتمرات، وفي المناقشات التي تتم عبر الإنترنت، كما سننشئ مراكز إقليمية حول العالم، يديرها متطوعون سيعملون على تحديد ومعالجة القضايا المحلية.

وعلى سبيل المثال، شارك ممثلون عن إعلان "دورا" في ورشة عمل في بداية شهر فبراير الماضي، كان من المقرر أن تعرض خلالها "هيئة الاستخدام المسؤول للمقاييس" Forum for Responsible Metrics – وهو فريق من الخبراء، تأسس عقب إصدار تقرير "المدّ القياسي" - نتائج أول مسح تم على نطاق المملكة المتحدة لتقييم البحوث. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى توسيع نطاق التعرض لما تفكر فيه الجامعات وتفعله، كما يسلط الضوء على حالات من الممارسات الجيدة والسيئة.

وعلينا أن نتجاوز الشكوى؛ كي نصل إلى أساليب تقييم قوية، وفعالة، وخالية من التحيز. وفي الوقت الحالي، هناك عدد قليل من الخيارات الجذابة؛ فأنا أؤيد "المخططات الحيوية" الموجزة، التي تتألف من صفحة، أو صفحتين، على غرار تلك التي أصدرها المركز الطبي لجامعة أوتريخت في هولندا خلال عام 2016. وهي تتيح للباحثين تلخيص أهم إسهاماتهم البحثية، بالإضافة إلى التوجيه والمشاركة المجتمعية، وغيرها من الأنشطة القيّمة الأخرى. وقد تكون لهذا النهج عيوب أيضًا؛ فربما يمنح حرية أكبر للالتفاف، لكننا – كعلماء - يمكننا بالتأكيد أن نتفق على أن الأمر يستحق إجراء التجربة؛ من أجل التقييم السليم لعملية التقييم.

وهذا شيء صعب؛ فنحن بحاجة إلى مناقشات صريحة؛ للنظر في أدق التفاصيل مع الباحثين أنفسهم؛ ليعرفوا ما يصلح وما لا يصلح، ويتفادوا المشكلات في المستقبل. نحن بحاجة إلى الانتباه إلى الأضرار الواقعة على المسيرات المهنية للنساء، والأقليات، بسبب التحيز في مراجعات الأقران، وفي التقييمات غير الموضوعية. كما نحتاج إلى المشاركة في التحركات الموازية نحو الأبحاث المفتوحة، ومشاركة البيانات والأكواد، والاعتراف بحقيقة قابلية تكرار النتائج العلمية.

إن الإعلانات - من قبيل إعلان "دورا" - مهمة، والبدائل ذات المصداقية للوضع الراهن أكثر أهمية. وسيكون النجاح الحقيقي هو أن تتباهي كل مؤسسة في كل مكان من العالم بنوعية إجراءات تقييم البحوث لديها، بدلًا من حجم عوامل التأثير.

ستيفن كوري أستاذ في علم الأحياء البنيوية، ومساعد المدير الأكاديمي للمساواة، والتنوع، والإدماج في كلية لندن الإمبراطورية. وهو أيضًا رئيس الفريق التوجيهي لإعلان "دورا".

البريد الإلكترونى: s.curry@imperial.ac.uk