أنباء وآراء

علم الأحياء التطوري: طرق متعددة لتطوّر الأجهزة العصبية المركزية

هل تطوّرت الآليات الجزيئية المرتبطة بالتنظيم النمائي للأجهزة العصبية المركزية مرة واحدة، أم عدة مرات؟ تُرجّح أدلة مستقاة من تسعة أنواع حيوانية الاحتمال الثاني. 

كارولين بي. ألبرتِن، وكليفتون دابليو. راجسديل

  • Published online:

تتنوّع الأجهزة العصبية للحيوانات تنوعًا كبيرًا في أشكالها وأحجامها؛ من حفنة من الخلايا العصبية، وصولًا إلى الأدمغة الكبيرة المعقدة. وتمثّل أحد الأسئلة الرئيسة في هذا الشأن فيما إذا كانت الأجهزة العصبية المركزية الموجودة في العديد من الحيوانات متناظرة الجانبين (ثنائيات التناظر)، التي تشمل الفقاريات والحشرات، تشترك في أصل تطوري واحد أم أنها تطوّرت أكثر من مرة. ظاهريًّا، تتميّز الحشرات والفقاريات بدماغ متصل بحبل عصبي واحد يمتد إلى الجذع. وتشير البيانات الجزيئية إلى أن الجينات التنظيمية الرئيسة تتوزع على نحو متشابه في أثناء نمو الجهاز العصبي في الفقاريات، والذباب1 ومخلوق آخر ثنائي التناظر، يتمثّل في دودة مجزّأة (دودة حلقية)2. وقد فُسِّرت هذه التشابهات على أنها دليل على الحفظ التطوري لبرنامج نمائي قديم للأجهزة العصبية المركزية بثنائيات التناظر، لكنْ في بحث نُشِر في دورية Nature، قَدَّم مارتن دوران وزملاؤه3 أدلة على التطوّر المستقل لهذه الأجهزة العصبية.

كانت الخطوات التطوّرية بين الشبكة العصبية والأجهزة العصبية المركزية المعقّدة لثنائيات التناظر محل اهتمام كبير لأكثر من قرن4. وفي منتصف الثمانينيات، شهدت قدرتنا على دراسة هذه العملية طفرةً كبيرة، بفضل اكتشاف عائلة ضخمة من الجينات التي تُشفِّر عوامل النسخ التي تحتوي على جزء الصندوق المثلي الرابط للحمض النووي5. وقد تبيّن أن أفراد عائلة جينات الصندوق المثلي هذه -بما في ذلك مركّب جينات «هوكس» Hox- يُعبَّر عنها بالترتيب نفسه على طول المحور الممتد من الرأس إلى الذيل (الأمامي-الخلفي) في أثناء النمو في العديد من ثنائيات التناظر، التي تربط بينها صلة بعيدة، وتتضمن الذباب، والفقاريات5 وتبيّن فيما بعد أن ثمة حاجة إلى مسار تأشير تحكمه الجينات المُشفِّرة للبروتينات المُخلِّقة للعظام (BMPs)؛ لإنشاء محور الجسم الظهري-البطني (من الظهر إلى البطن) في مجموعة متنوعة من ثنائيات التناظر6.

وبالنظر إلى هذه الرؤى المتعمقة، لم يكن من المستغرَب أن نجد مجموعة من جينات الصندوق المثلي معبَّرًا عنها أيضًا في أنماط مشابهة بشكل لافت للنظر على طول المحور الظهري-البطني للأجهزة العصبية النامية للفقاريات وذباب الفاكهة1. فعلى طول هذا المحور، ترتبط التعبيرات المتوالية لجينات الصندوق المثلي بنمو أنواع معينة من الخلايا العصبية في مناطق مختلفة. وقد اعتُبِر اكتشاف أن هذه الجينات يُعبَّر عنها أيضًا على طول المحور الظهري-البطني للجهاز العصبي في دودة Platynereis dumerilii (دودة حلقية على صلة بعيدة بالذباب والفقاريات) دليلًا على أن الحبال العصبية لثنائيات التناظر قد حُفِظت تطوريًّا2.

إنّ التقدُّم في أساليب دراسة تطوّر السلالات لتحليل العلاقات التطوّرية، إلى جانب توسيع نطاق أخذ العينات على مستوى الشجرة التطوّرية، قد غيّر فَهْمنا للعلاقات الحيوانية. ففي عام 2016، حدد تحليل لتطوّر السلالات مجموعة من الديدان الصغيرة البسيطة ثنائية التناظر، يُشار إليها مجتمعةً باسم «زيناكيلومورف» xenacoelomorphs، باعتبارها المجموعة الشقيقة لبقية ثنائيات التناظر (التي تسمى «نيفروزووا» nephrozoans، أو الكلوانيات)7. ولأن ديدان «زيناكيلومورف» هي الكائنات الحيّة الأقرب صلة بالكلوانيات (الشكل 1)، فإنّ المقارنات بين هاتين المجموعتين قد تساعد الباحثين على استنتاج السمات الموجودة في آخِر سَلَف مشترك لكافة ثنائيات التناظر.

تظهر في ديدان «زيناكيلومورف» ترتيبات متنوعة للجهاز العصبي؛ فبعضها يحتوي على شبكة عصبية فقط، مثل اللاسعات (قناديل البحر، وشقائق النعمان)، التي تُعَد الكائنات الأقرب صلة من ثنائيات التناظر. والبعض الآخر لديه حبل عصبي واحد أو أكثر، تتموضع ظهريًّا أو بطنيًّا، أو في مواقع متعددة على طول المحور الظهري-البطني. وقد بحث مارتن دوران وزملاؤه في التعبير عن جينات التنميط في أربعة أنواع من ديدان «زيناكيلومورف». وتوصلوا إلى أنه على الرغم من أن التعبير عن جينات البروتينات المُخلِّقة للعظام وجينات الصندوق المثلي الأمامية-الخلفية في هذه الأنواع كان متسقًا مع أنماط لُوحِظت في غيرها من ثنائيات التناظر، إلا أن التعبير عن جينات الصندوق المثلي الظهرية-البطنية في الجهاز العصبي لم يتسم بهذا الاتساق.

بعد ذلك.. درس مارتن دوران وزملاؤه التنميط الظهري-البطني في الكلوانيات. ولتنفيذ هذا العمل، قاموا بتوسيع نطاق تحليلهم لجينات الصندوق المثلي الظهري-البطني؛ ليشمل خمسة أنواع ضمن اللولبيات (Spiralia)، وهي مجموعة كبيرة من ثنائيات التناظر، لم تخضع لقَدْر كبير من الدراسة، وتشمل الديدان الحلقية، والديدان المسطحة، والرخويات (الشكل 1). ووجد الباحثون أن النمط المتوقّع للصندوق المثلي الظهري-البطني نادرًا ما لوحِظ، ولو جزئيًّا، في الأجهزة العصبية لهذه الأنواع، بما في ذلك دودة حلقية وثيقة الصلة بدودة P. dumerilii. وتشير هذه النتائج إلى أنه حتى الأنواع وثيقة الصلة، التي تمتلك جهازًا عصبيًّا مشابِهًا في بِنْيته، يمكنها أن تُظهِر الجينات القديمة بشكل مختلف جدًّا.

الشكل 1 | تطوّر الأجهزة العصبية للحيوانات. تتألف ثنائيات التناظر (الحيوانات التي تتسم بتناظر ثنائيّ) من الكلوانيات، ومجموعة شقيقة لها، هي ديدان «زيناكيلومورف». ويمتلك العديد من الكلوانيات وديدان «زيناكيلومورف» جهازًا عصبيًّا مركزيًّا، على عكس اللاسعات الأوثق قربًا لها، التي تتسم بشبكة عصبية بسيطة. ويتم التعبير عن مجموعة من جينات الصندوق المثلي (مُشار إليها في الشكل بنجوم) على طول المحور الممتد من الظهر إلى البطن، الخاص بالأجهزة العصبية المركزية للفقاريات، والذباب، ودودة مجزأة (دودة حلقية). وقد افتُرِض أن هذا نمط تعبير جيني محفوظ تطوريًّا، يوجِّه نمو جهاز عصبي مركزي، نشأ أصلًا من سلف مشترك ثنائي التناظر (مُشار إليه في الشكل بدائرة زرقاء)، أو كلواني (مُشار إليه في الشكل بدائرة بنفسجية)، إلا أن مارتن دوران وزملاءه3 لم يجدوا هذا النمط في تسعة أنواع ثنائية التناظر؛ وهي خمسة لولبيات وأربعة من ديدان «زيناكيلومورف» (مُشار إليها في الشكل بالنص الأحمر). وتدعم بياناتهم الرأي القائل إن التشابهات التطورية والمورفولوجية بين الأجهزة العصبية المركزية لثنائيات التناظر هي نتيجة أحداث تطورية مستقلة، تلاقت في نتائج متشابهة.

الشكل 1 | تطوّر الأجهزة العصبية للحيوانات. تتألف ثنائيات التناظر (الحيوانات التي تتسم بتناظر ثنائيّ) من الكلوانيات، ومجموعة شقيقة لها، هي ديدان «زيناكيلومورف». ويمتلك العديد من الكلوانيات وديدان «زيناكيلومورف» جهازًا عصبيًّا مركزيًّا، على عكس اللاسعات الأوثق قربًا لها، التي تتسم بشبكة عصبية بسيطة. ويتم التعبير عن مجموعة من جينات الصندوق المثلي (مُشار إليها في الشكل بنجوم) على طول المحور الممتد من الظهر إلى البطن، الخاص بالأجهزة العصبية المركزية للفقاريات، والذباب، ودودة مجزأة (دودة حلقية). وقد افتُرِض أن هذا نمط تعبير جيني محفوظ تطوريًّا، يوجِّه نمو جهاز عصبي مركزي، نشأ أصلًا من سلف مشترك ثنائي التناظر (مُشار إليه في الشكل بدائرة زرقاء)، أو كلواني (مُشار إليه في الشكل بدائرة بنفسجية)، إلا أن مارتن دوران وزملاءه3 لم يجدوا هذا النمط في تسعة أنواع ثنائية التناظر؛ وهي خمسة لولبيات وأربعة من ديدان «زيناكيلومورف» (مُشار إليها في الشكل بالنص الأحمر). وتدعم بياناتهم الرأي القائل إن التشابهات التطورية والمورفولوجية بين الأجهزة العصبية المركزية لثنائيات التناظر هي نتيجة أحداث تطورية مستقلة، تلاقت في نتائج متشابهة.

كبر الصورة

ولم تتمكن الدراسات السابقة، التي أُجريت على ديدان البلوط8 (النصف حبليّات أو hemichordates)، والديدان المسطحة9 من إيجاد أي تعبير ظهري-بطني لجينات الصندوق المثلي في أجهزتها العصبية الجذعية. وكان هذا الغياب قد فُسّر سابقًا على أنه خسارة ثانوية لنظام تنميط عصبي للأسلاف. وفي ضوء بيانات مارتن دوران وزملائه، يمكن أن تعكس هذه الحالة في الواقع حالة أسلاف الكلوانيات. ويبدو الآن أن شبكة الجينات الظهرية-البطنية "النمطية" لم تظهر في الجهاز العصبي لآخِر سَلَف مشترك لثنائيات التناظر، أو الكلوانيات. وبدلًا من ذلك.. ربما تكون الآليات النمائية التي تنمّط الحبال العصبية في الفئران، والذباب، ودودة P. dumerilii، قد تطورت بشكل متقارب.

يرسم عمل مارتن دوران وزملائه صورة معقدة ودقيقة لتطور الجهاز العصبي. وتطرح بياناتهم إمكانية تعدُّد أصول الحبال العصبية عند الحيوانات، وتشير إلى أن مجموعة من الجينات التي تشكّل المحور الظهري-البطني قد اُختيرت على نحو متكرر في سياق تطوّر الجهاز العصبي. وفي الواقع، يوضح الباحثون أن العلاقة بين مورفولوجيا الحيوان، والتعبير عن جينات نمائية معينة قد لا تكون دائمًا وثيقة. وتطرح هذه الأفكار أسئلة مثيرة حول آليات التغيّر التطوري، التي تكمن وراء تطور التنوع المورفولوجي، بما في ذلك أسباب استخدام الأجهزة العصبية المتطورة على نحو متقارب لمجموعات جينية عالية الحفظ، وماهية القيود التطورية التي تحكم الاختلافات في هذه الآليات بين الحيوانات.

يتمثّل أحد الانتقادات المتكررة لدراسة الكائنات النموذجية الرئيسة - مثل ذباب الفاكهة، والفئران، والديدان الخيطية - في أن هذه الأنواع عالية الاشتقاق؛ أي أن لديها العديد من السمات التي تتفرد بها، وبالتالي فهي تختلف عن أي سَلَف بعيد، لكنّ جميع الأنواع الحية عالية الاشتقاق أيضًا، وتكتسب شكلها بفعل الانتقاء الطبيعي والجنسي على مدار أطر زمنية تطورية؛ للحفاظ على التكيّف مع البيئات الملائمة المتفاوتة. وما سلّط عمل مارتن دوران وزملائه الضوء عليه ليس أن هذه الكائنات النموذجية "أنواع مرجعية" غير ملائمة10، وإنما أنها تدلل على أهمية كلٍّ من تطوير أنواع مرجعية لمجموعات متعددة ضمن إطار عمل دقيق لتطور السلالات، ودراسة الأقارب وثيقة الصلة بالأنواع المرجعية باستمرار، قبل التوصل إلى استنتاجات عن التاريخ التطوري للسمات المشتركة. 

References

  1. Cornell, R. A. & Von Ohlen, T. Curr. Opin. Neurobiol. 10, 63–71 (2000). | article
  2. Denes, A. S. et al. Cell 129, 277–288 (2007). | article
  3. Martín-Durán, J. M. et al. Nature 553, 45–50 (2018). | article

  4. Dohrn, A. & Ghiselin, M. T. Hist. Phil. Life Sci. 16, 3–96 (1994).  | article
  5. McGinnis, W. & Krumlauf, R. Cell 68, 283–302 (1992). | article
  6. De Robertis, E. M. & Sasai, Y. Nature 380, 37–40 (1996). | article
  7. Cannon, J. T. et al. Nature 530, 89–93 (2016). | article

  8. Lowe, C. J. et al. PLoS Biol. 4, e291 (2006). | article
  9. Scimone, M. L., Kravarik, K. M., Lapan, S. W. & Reddien, P. W. Stem Cell Rep. 3, 339–352 (2014). | article

  10. Striedter, G. F. et al. Brain Behav. Evol. 83, 1–8 (2014). | article

كارولين بي. ألبرتِن، وكليفتون دابليو. راجسديل يعملان في قسم الأحياء العصبية بجامعة شيكاجو، شيكاجو، إلينوي 60637، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: calbertin@uchicago.edu