رؤية كونية

نُسَخ ما قبل النشر قد تثير الالتباس وتشوِّه الحقائق

يجب على المجتمع العلمي أن يتخذ بعض التدابير، للحيلولة دون تشويه فَهْم الجمهور للعلوم بسبب نُسَخ ما قبل النشر ، حسب قول توم شيلدون.

توم شيلدون
  • Published online:

تَستقبِل مِنَصّتا «أركايف» arXiv، و«بيو أركايف» bioRxiv شهريًّا آلاف الأوراق العلمية، حيث توفران لها فرصة النشر، قبل الخضوع لمراجعة الأقران، والقبول للنشر في إحدى الدوريات العلمية. يُثْنِي العلماء على نُسَخ ما قبل النشر  (preprints)هذه، لكونها تسمح للباحثين ادّعاء الملكية، ومشاركة نتائجهم بشكل أسرع، محرَّرةً من قيود الدوريات ذات سياسات النشر البطيئة، والجائرة.

وقد يبدو ذلك منطقيًّا داخل المجتمع العلمي، لكنْ بصفتي قد عملت لسنوات مع باحثين وصحفيين؛ لضمان التناول الإعلامي المسؤول للعلوم في الإعلام، أخشى أن تَحمِل طريقة النشر هذه مخاطر حقيقية للنطاق الأوسع من المجتمع، وهي المخاطر التي لم يُولِها أبطال هذا النوع من النشر الاعتبار المناسب. فقد تُضَخِّم وسائل الإعلام الأعمال البحثية الضعيفة التي لم تخضع للمراجعة، بينما - على العكس - تتجاهل الأبحاث الأخرى الأفضل.

ويتحمل مَن يديرون خوادم نُسَخ ما قبل النشر، والباحثون الذين يقدمونها إليهم، وأي شخص يفكر في الترويج لأيّ مِن هذه النسخ الأولية، مسؤولية إدراك هذه المخاطر، لكن لم تطمئنِّي إطلاقًا الردود التي تلقيناها على رسالة مفتوحة، نشرناها في السابع عشر من يوليو (انظر: go.nature.com/2uxf86x) بأنّ الأمر كذلك. وهنا، أدعو العلماء لأنْ يفكروا مليًا في احتمالات أن تثير نُسَخ ما قبل النشر هذه الالتباس، ونشر معلومات خاطئة بين الجمهور، وأن يجدوا وسائل للحدّ من ذلك.

إن الكثيرين لا يزالون يتعرفون على المحتوى العلمي بالطريقة نفسها لتَعَرُّفهم على فلاديمير بوتين، أو سوريا، أو بطولة كأس العالم، وذلك من خلال المواقع الإخبارية الإلكترونية، والقنوات التلفزيونية والإذاعية. ويخضع الجزء الأكبر من البحوث العلمية التي يتم نشرها عبر تلك القنوات لمراجعة الأقران؛ حيث تقوم الدورية العلمية - بعد مرور أيام قليلة على نشر البحث - بإصدار بيان صحفي مقيد لصحفيين مؤهلين بموجب اتفاقية (يُطلَق عليها اسم "اتفاقية حظر النشر"، أو embargo) تحظر عليهم نشر أي شيء حول البحث قبل موعد محدد. وعلى الرغم من أن نظام حظر النشر هذا له ثغراته، إلا أنه يمنح الصحفيين الوقت لتقييم البحث، وجمع ردود أفعال الخبراء حياله.

أما في حال نُسَخ ما قبل النشر، يكون الأمر نقيض ذلك.. فبمجرد إتاحة البحث للعموم، لا يوجد ما يمنع أي صحفي من الكتابة عنه، بل والمسارعة ليكون أول مَن يقوم بذلك. ولك أن تتخيل النتائج الأولية التي قد تُظهِر أن تغيُّر المناخ مسألة طبيعية، أو أنّ أحد اللقاحات الشائعة غير آمن. قد تؤدى نُسَخ ما قبل النشر من البحوث المتعلقة بمثل هذه الأمور - إذا ما تحولت إلى خبر صحفي ينتشر بسرعة على نطاق واسع - إلى تضليل الملايين، سواء أكان هذا هو غرض مؤلفيها، أم لم يكن.

وقد كتب العديد من الصحفيين (ومنهم صحفيو دورية Nature) موضوعات تستند إلى نُسَخ ما قبل الطباعة هذه. وأنا أقرّ بأننا ليس لدينا حتى الآن أمثلة لحالات ضرر نتجت عن نشر مثل تلك الموضوعات، لكن يُحتمَل أن يكون السبب في ذلك – في الوقت الراهن – هو أن جزءًا ضئيلًا من هذه النسخ يتناول مجالات تتعلق بالصحة، أو مجالات مثيرة للجدل.

إن ما نفتقر إليه الآن هو الأمثلة التي يشوِّه فيها التناول الإعلامي للعلوم الغامضة، أو التي لا تستند إلى المعايير العلمية السليمة، فَهْم الجمهور. ولنأخذ مثلًا الورقة البحثية (التي تم سحبها الآن)، والتي زعمت أن الذُّرَة المعدلة وراثيًّا أصابت الجرذان بالسرطان  (G.-E. Séra-lini et al. Food Chem. Toxicol. 50, 4221–4231; 2012)؛ فقد حرصت الحملة الدعائية المصاحِبة لها والمخطَّطة بعناية على عدم تمكين الصحفيين من الاستعانة بتدقيق خارجي، قبل نشرهم القصص الخبرية ذات الصلة. كان ما يحويه البحث من عِلْم ضعيفًا، لكنّ الادعاءات كانت مثيرة للاهتمام، وتخلَّى العديد من الصحفيين عن حقهم في التدقيق في المعلومات؛ حتى لا يتأخروا عن نشر الخبر.

كما أشار بعض العلماء إلى أن نُسَخ ما قبل الطباعة هذه تشبه عروض البحوث في المؤتمرات، التي لا تخضع هي الأخرى لمراجعة الأقران. وبخبرتي... غالبًا ما تشكِّل وقائع المؤتمرات أكثر الأخبار المضللة عن أيّ مِن الوسائل الأخرى. ولنأخذ مثلًا ملصقًا من اجتماع الجمعيات الأكاديمية لطب الأطفال في الفترة بين إبريل ومايو من عام 2016، الذي تَناوَل حالات الإصابة بمرض التوحد، واستخدام مبيدات الحشرات في ولاية نيويورك. كان ذلك عملًا مبكرًا للغاية، لم يتمكن من تأسيس نمط معين، ناهيك عن إنشاء علاقة سببية. ومع ذلك.. سارعت عدة وسائل إعلامية رئيسة إلى تغطية الموضوع بعناوين مثيرة للقلق؛ ما أثار غضب العلماء. وقد تؤدي نُسَخ ما قبل النشر إلى خلق ضغوط مماثلة، وإلى تناول إعلامي مشوب بالثغرات على نحو مماثل، لكنْ بشكل أكثر تواترًا، وعلى نطاق أوسع.

"كيف يمكن أن تكون لدينا نُسَخ ما قبل النشر، وأنْ ندعم الصحافة الجيدة في الوقت نفسه؟"

والخطر الآخر هو عكس ذلك، ويمكن لذلك أن يكون أكثر أهمية لبعض الباحثين. ففي إطار نظام نُسَخ ما قبل النشر، يمكن لصحفي واحد جريء يتصفح خوادم تلك المِنصّات أن يقتنص أحد الأخبار، وفي الوقت الذي يراه صحفيون آخرون يكون قد أصبح خبرًا قديمًا، ولا يمكنهم حينها إقناع محرريهم بنشره.

وهناك حالات حصل فيها أحد البحوث تلك التي حظيت بتغطية خبرية كبيرة على موجة ثانية من التناول الإعلامي، بعد نشره بإحدى الدوريات، لكنّ القاعدة عمومًا هي أنه "يجب أن تكون المعلومة جديدة؛ لتصبح خبرًا". ومن جانبه، قال توم ويبل - محرر علمي لدى مجلة «التايمز» The Times - في المملكة المتحدة، في "تغريدة" له، ردًّا على مدوّنتنا: "لا أعرف كيف يمكن لصحيفة أن تحافظ على وجودها وربحها، وهي تقرِّر أن تقدم إلى جمهورها أخبارًا قد قرأوها من قبل على موقع «بي بي سي» BBC".

ولا يكفي أن تتحلى باللا مبالاة، وتلقي اللوم على الصحفيين، وليس من المفيد إقالة هؤلاء الصحفيين الذين يستطيعون نقل العلوم المعقدة بدقة إلى جمهور عريض. يجب أن يكون العلماء جزءًا من هذه النقاشات، مع بقائهم يقظين لكيفية عمل قطاع الإعلام. ويُطْلِق الصحفيون التحذيرات المناسبة - أو حتى قد يقررون عدم نشر الخبر - عندما تكون الاستنتاجات أولية، لكن ذلك يحدث فقط إذا ما توفر لهم الوقت الكافي والمساحة لالتقاط الأنفاس، وتقييم الخبر. فإذا لم يتوخ المجتمع العلمي الحذر؛ فقد تستأثر نُسَخ ما قبل النشر بهذا المورد.

وهنا نتساءل: كيف يمكن أن تكون لدينا نُسَخ ما قبل النشر، وأنْ ندعم الصحافة الجيدة في الوقت نفسه؟ وهل يجب على الجمعيات العلمية، أو المدافِعين عن الأمر، وضع مبادئ توجيهية لِمَا ينبغي وما لا ينبغي نشره في هذه الصورة؟ وهل ينبغي أن يُمنَع إطلاق نُسَخ ما قبل النشر لأيّ بَحْث يؤثر على الصحة العامة؟ وهل ينبغي للجامعات أو الباحثين الترويج لنسخة ما قبل النشر؟ وهل ينبغي وضع تحذير موجَّه إلى الصحفيين على كل نُسَخ ما قبل النشر بأنّ البحث لم يخضع لمراجعة الأقران؟

إنّ نُسَخ ما قبل النشر يمكنها أن تأتي للعلوم بفوائد عظيمة، لكنْ يجب طرح هذه الأسئلة الآن، حتى لا يتضرر فَهْم الجمهور مع ازدهارها.

توم شيلدون كبير المسؤولين الإعلاميين بمركز وسائط العلوم في لندن.

البريد الإلكتروني: tom@sciencemediacentre.org