أخبار

نهاية تليسكوب تمثل نهاية حقبة في علم الكون

تعاون بعثة تليسكوب بلانك الأوروبية ينشر خرائطه النهائية لبدايات الكون.

دافيديه كاستيلفيكي
  • Published online:
إشعاع الخلفية الكونية الميكروي للكون، وفقًا لقياس القمر الصناعي بلانك.

إشعاع الخلفية الكونية الميكروي للكون، وفقًا لقياس القمر الصناعي بلانك.

© ESA/Planck Collaboration

انتهت حقبة تحولية في تاريخ علم الكون في الأسبوع الماضي عندما نشر تليسكوب بلانك، التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، خرائطه النهائية لبدايات الكون. كان بلانك هو التليسكوب الأخير ضمن ثلاثة تليسكوبات فضائية كبرى، هدفت إلى دراسة إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وهو التوهج الخافت اللاحق للانفجار العظيم، منتِجةً أكثر القياسات دقة حتى الآن لعُمْر الكون، وهندسته، وتركيبه. ومع تردد وكالات الفضاء في أوروبا والولايات المتحدة في تمويل بعثة متابعة، يبدو أن بلانك على وشك أن يكون آخِر قمر صناعي موجَّه لدراسة إشعاع الخلفية الكونية الميكروي لسنوات كثيرة، ما يمثّل تغييرًا كبيرًا لعلماء الكون.

يقول العالِم المتخصص في علوم الكون جان توبر، عالِم مشروع البعثة، الذي يعمل مع وكالة الفضاء الأوروبية في نوردفايك بهولندا: "ثمة جيل كامل من صغار العلماء كبروا مع بلانك".

لأكثر من عقدين من الزمان، درس الكثير من التجارب التي أُجريت من سطح الأرض ومن مناطيد أيضًا إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وركّزت في المقام الأول على رسم خرائط للفروق الدقيقة في درجة حرارة هذا الإشعاع في أنحاء السماء؛ لإنشاء مخططات للكون، أصبحت هي المعيار المثالي لعلم الكون. وساعد بلانك، الذي جمع بيانات من عام 2009، حتى عام 2013، الباحثين على تحديد عُمْر الكون بدقة (حوالي 13.8 مليار سنة)، وشكله الهندسي (مسطح في الأساس)، وتركيبه (95% مادة مظلمة وطاقة مظلمة). وعلى وجه التحديد، تؤكد أحدث نتائج أصدرها التليسكوب تنبؤًا سابقًا - استند إلى بيانات بلانك - بأن الكون من المفترض أن يتمدد على نحو أبطأ بنسبة 9% مما هو ملحوظ حاليًّا (انظر: go.nature.com/2jt0sbi).

تعد خرائط درجات الحرارة والعِلْم الذي أنتجته هذه الخرائط "إنجازًا عظيمًا"، لكنْ لم يعد لديها المزيد لتقدمه، على حد قول بيتر كوليس، العالِم المتخصص في علوم الكون النظرية بجامعة ماينوث في آيرلندا، الذي لم يكن مشارِكًا في ذلك التعاون.

شتات علماء بلانك

انتقل الكثير من العلماء الذين عملوا في البعثة إلى مشروعات أخرى بالفعل. كانت سيلفيا جالي، التي تساعد في قيادة الدراسة الأخيرة، قد انضمت إلى بلانك في عام 2013، بعد نيلها درجة الدكتوراة، وهي واحدة من عشرات قليلة من العلماء المتبقين في البعثة. وتقول جالي الآن إنها من المحتمل أن تنضم إلى العديد من زملائها الذين يعملون على بعثة يوكليد، وهي بعثة أوروبية كبيرة تهدف إلى رسم خرائط للمجرّات الكونية بمقياس غير مسبوق، وتستعد للانطلاق في عام 2021. ويوكليد هو تليسكوب بصري، وليس كاشفًا للموجات الميكروية، ما يجعل بعثة يوكليد نوعًا مختلفًا تقنيًّا من البعثات. وعلى المستوى الشخصي، مِن المثير الانتقال إلى مساعٍ جديدة، حسب قول جالي.

هذا، ولكن احتمال عدم وجود بعثة لدراسة إشعاع الخلفية الكونية الميكروي في الأفق يُثير قلق الكثير من الباحثين. تقول جالي، التي تعمل في معهد الفيزياء الفلكية بباريس: "من الناحية العلمية، قد يُشكِّل ذلك كارثة. فثمة خطر بخسارة الكثير من المعرفة التقنية والخبرة التي تم جَمْعها".

ينصَبّ تركيز أبحاث إشعاع الخلفية الكونية الميكروي الآن على إجراء قياسات مُفصَّلة لمعايير أخرى، مثل الاستقطاب، وهو ميل طفيف للمجالات الكهرومغناطيسية الخاصة بالموجات الميكروية إلى المحاذاة في اتجاهات محددة. وفي هذا الشأن، يأمل الباحثون في إيجاد أثر للتضخم، وهو الفترة الوجيزة في بداية الانفجار العظيم، التي قد يكون الكون قد تمدد خلالها أسيًّا. ورسم بلانك خرائط للاستقطاب، مثلما فعل أحد تليسكوبات ناسا في العقد الأول من الألفية الثالثة، ولكن بدقة محدودة. ويقول جاك ديلابروي، عالِم الفيزياء الفلكية في جامعة باريس ديديرو، الذي ساعد في تصميم بلانك: "لقد تم استغلال 10% فقط من المعلومات المتعلقة بالاستقطاب. ولا يزال إشعاع الخلفية الكونية الميكروي ينطوي على الكثير من الأسرار التي يمكن الكشف عنها".

مشكلة الاستقطاب

رفضت وكالة ناسا، ووكالة الفضاء الأوروبية، حتى الآن، تمويل أقمار صناعية جديدة كبيرة لدراسة إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وإنْ كانت هناك مجموعات أمريكية عديدة تعمل على أدوات أرضية ومنطادية؛ لقياس الاستقطاب. وأحد أسباب تحفُّظ وكالات الفضاء بخصوص تمويل مشروعات دراسة إشعاع الخلفية الكونية الميكروي الكبيرة هو أن التجارب لم تعثر بعد على أثر للتضخم من الاستقطاب. وزعمت تجربة اسمها «بايسب 2» BICEP2 أنها كشفت عن هذا الأثر في عام 2014، لكن بيانات بلانك بينت لاحقًا أن ذلك لم يكن سوى غبار في درب التبانة. وفي أحدث الدراسات، بحث تعاوُن بلانك أيضًا عن أثر للتضخم، لكنه لم يكتشف أي شيء. وعلى الرغم من ذلك، "فإن حقيقة أننا لم نر هذا الأثر حتى الآن لا تعني أنه غير موجود"، حسبما قال العالِم المتخصص في علوم الكون، ريتشارد جوت، من جامعة برينستون في نيو جيرسي.

تتعاون فرق أمريكية كثيرة الآن، وتبحث عن التمويل؛ لبناء شبكة جيل قادم، تبلغ تكلفتها 400 مليون دولار أمريكي من التليسكوبات الأرضية، اسمها «سي إم بي-إس4» CMB-S4، ستكون أكثر حساسية بكثير لأثر التضخم، مقارنة بأي شيء استُخدِم في السابق. وهذا هو الإنجاز المهم التالي الذي يلوح في الأفق، كما يقول توبر.

ويستمر الكثير من باحثي إشعاع الخلفية الكونية الميكروي في مناصرة البعثات الفضائية، حيث تسعى إيرمينيا كالابريس، وهي عالِمة متخصصة في علوم الكون ببعثة بلانك، تعمل في جامعة كارديف بالمملكة المتحدة، إلى جعل أوروبا تنضم إلى لايت بيرد LiteBIRD، وهو مسبار ياباني مقترَح سيبحث عن أثر للتضخم الكوني، مع الحرص على إبقاء التكاليف منخفضة. وستكون لهذا المسبار ميزة رؤية السماء كاملة من الفضاء، الشيء الذي لا يمكن فعله من الأرض.

يسعى علماء آخرون متخصصون في علوم الكون للبدء السريع في أبحاث استقطاب إشعاع الخلفية الكونية الميكروي في أوروبا، حيث يتعاون دافيديه ماينو، وهو أحد كبار أعضاء بعثة بلانك، ويعمل في جامعة ميلانو بإيطاليا، في تجربة استقطاب ذات قيادة إيطالية، ستُقام على الجزيرة الإسبانية تنريفي. ويقول الباحثون إنه إذا رصدت التجارب التي تُجرى من الأرض مجرد إشارة بسيطة تدل على التضخم؛ فسيشجع ذلك وكالات الفضاء على تمويل البعثات الكبرى.

References

Affiliation