موجزات مهنية

العِلْم والكفاح

خمسة باحثين يوضحون كيف يديرون مختبرات مُنتِجة في مناطق تُمَزِّقها الحروب، أو تفتقر إلى الموارد.

جوزي جلوسيوس
  • Published online:

JEAN CHUNG/GETTY

إنّ المختبَر جيد التجهيز، المزوَّد بمواد كاشفة، ويتمتع بتيار كهربائي لا ينقطع، وإمدادات مياه غير محدودة، ربما يبدو مَطْلبًا أساسيًّا لإجراء الأبحاث، لكن العلماء الذين يعملون في مناطق محدودة الموارد، أو تُمَزِّقها الصراعات ليس بوسعهم التعامل مع هذه التجهيزات بوصفها أمورًا مُسَلَّمًا بها، بل عليهم أن يبحثوا دائمًا عن المِنَح الشحيحة، وينشروا دوريّاتهم الخاصة، ويشكِّلوا جمعياتهم العلمية، وكذلك - وهو أمر شديد الأهمية - عليهم أن يعتمدوا على مخزونهم العميق من قوة التحمل. وقد سألت دورية Nature خمسة باحثين من هذه المناطق عن الكيفية التي يديرون بها مختبراتهم المُنتِجة في مواجهة انقطاع الكهرباء، وإغلاق المعابر الحدودية، وسوء الاتصال بالإنترنت، وغير ذلك من التحديات.

 مارلو مِندوزا

بناء شبكة من الجهات المعنية

باحث متخصص في عِلم الغابات بجامعة الفلبين في لوس بانوس

 على مدار الأعوام الثلاثة عشر الماضية، عكفتُ على توصيف تلوث منظومة ماريلاو، وميكويان، وأوباندو النهرية، التي كانت على قائمة "أقذر 30 مكانًا"، والتي تضم أكثر الأماكن تلوثًا في العالم في عام 2007، حسب تصنيف منظمة بيور إيرث غير الربحية. ثمة صناعات عديدة مُلوِّثَة تقع قرب المنبع، منها أكبر مصهر لمعدن الرصاص في الفلبين، ومصاهر للذهب، وورشات للحُلِيّ، ومدابغ للجلود. أما قرب المصبّ، فتوجد مزارع سمكية. وقد وجدنا مستويات مرتفعة من المعادن الثقيلة في الماء، وفي الرواسب، وفي الأسماك - خاصة المحار - التي تباع في الأسواق المحلية (M. E. T. Mendoza et al. J. Nat. Stud. 11, 1–18; 2012). ووُجد ما لا يقل عن 100 ألف شخص في بلديات ماريلاو، وميكويان، وأوباندو، وفي منطقة مانيلا الحضرية، يتناولون أسماكًا ملوثة.

لا يوجد اختصاصيو سموم في المنطقة يمكنهم أن يشخِّصوا بدقةٍ الأمراض المرتبطة بابتلاع المعادن الثقيلة. ولهذا، حين درَسنا السجلات الطبية، لم نجد أي إشارة إلى التسمم بالمعادن الثقيلة. وإذا لم يكن بإمكاننا إثبات أن هذه المعادن تسبِّب أذى للناس، فمن الصعب للغاية إقناع صُنّاع السياسات والمسؤولين المحليين باتخاذ أيّ إجراءات. وليست لدينا مختبرات محلية يمكنها تحليل المعادن الثقيلة الموجودة في الأسماك، أو الماء، أو عينات الدم.

وقد كان المسؤولون المحليون، والمحافظ، وبعض رؤساء البلديات يعارضون الأمر بقوة، لأن صناعة الأسماك أحد مصادر الدخل الرئيسة في هذه البلديات. وقد حرصتُ للغاية - من البداية - على أن أُطْلِع رؤساء البلديات على مستجدات مشروعاتنا، ويرافقني ممثلون حكوميون محليون وإقليميون كلما أجريتُ أنشطة المراقبة الخاصة بي. كما أنني لا أفعل شيئًا دون موافقتهم، وأتحرى الشفافية بشدة في عملي.

تمثّلت إحدى استراتيجياتي في بناء شبكة من الجهات المعنية التي تشاركني مخاوفي، بما في ذلك الهيئات القومية، مثل مكتب مصائد الأسماك والموارد المائية، ووزارة البيئة والموارد الطبيعية. كما أقمتُ أيضًا علاقة طيبة مع الأشخاص الذين يعيشون في المنطقة. وتوجد عدة رابطات للصيّادين وصُنّاع الجلود في هذه المناطق، ونحن نعمل معهم، ونشركهم في استشاراتنا واجتماعاتنا المتعلقة بإدارة جودة المياه. وقد ساعد مشروعنا في إعلان المنطقة منطقة لإدارة جودة المياه بحُكْم القانون. ولهذا السبب، نستطيع مواصلة العمل.

لقد استخدمنا التمويل الممنوح من منظمة بيور إيرث؛ من أجل أخذ عينات دورية طولية في قطاعات من المنظومة النهرية، بما في ذلك الرواسب، والمياه، والأسماك، وصور الحياة المائية الأخرى. وثمة مشكلة في جمْع البيانات والعينات؛ لأن هذه العملية مكلفة، والحكومات المحلية والقومية تمتلك تمويلًا محدودًا. ولا يوجد كذلك مستودع واحد للبيانات، يمكن باستخدامه تخطيط عملية المراقبة، وتحليلها بصورة أكثر فاعلية.

أُدرِجَت نتائج عمليات المراقبة التي قمنا بها في قاعدة بيانات خاصة بمنظمة بيور إيرث، تمت مشاركتها مع الجهات المعنية، بما في ذلك المكاتب الإقليمية لإدارة البيئة، ووحدات الحكومة المحلية. وشجّع ذلك بدوره هذه الهيئات على إجراء دراسات لاستكمال عملنا، وعلى مشاركة بياناتها معنا. وبهذه الصورة، تمكنتُ من الحصول على تمويل من بنك التنمية الآسيوي، ومنظمة الصليب الأخضر السويسرية، وشركة هونج كونج وشنجهاي للخدمات المصرفية، إضافة إلى تمويل صغير من شركة «كوكا كولا»؛ من أجل إجراء عملية المراقبة البيئية، التي تتضمن تقدير معدلات المعادن الثقيلة في كائنات بحرية منتقاة.

 إيمانويل آي. أونوابوناه

استخدام الموارد المتاحة

كيميائي مواد بجامعة ردمير في ولاية أوشون بنيجيريا

 يمثّل الماء الصالح للشرب تحديًّا لنا هنا في قارة أفريقيا، وفي مختلف أنحاء العالم؛ فحوالي 1.8 مليار شخص حول العالم يحصلون على ماء الشرب من مصدر ملوث بالبراز. ويتمثل جزء من عملنا في تطوير مركّبات هجينة من الطمي؛ لامتصاص البكتيريا المعوية، مثل الإشريكية القولونية، والسالمونيلا، وضمة الكوليرا، من المياه. كما أننا نستخدم مركّبات مصنوعة من مواد متاحة، وفي المتناول، مثل طمي الكاولينيت، وبذور الببايا، وقشور نبات لسان الحمل؛ من أجل انتزاع المعادن الثقيلة من الماء.

نحن لا نتلقى تمويلًا حكوميًّا، ونعاني من انقطاع الكهرباء لما يقارب 100 يوم سنويًّا في المتوسط. ولدينا مرفق بديل في حرم الجامعة. ولذا، حين تنقطع الكهرباء الآتية من شبكة الكهرباء القومية خلال ساعات العمل؛ يعمل المُوَلِّد. وإذا حالفنا الحظ من حيث التوقيت؛ فسنضمن الحصول على 36 ساعة من الطاقة المتواصلة؛ من أجل إجراء التجارب، لكنْ حين لا يعمل المُوَلِّد، وتنقطع الكهرباء الآتية من الشبكة؛ لا يكون في وسعنا سوى الانتظار.

في بعض الأحيان، أستخدمُ راتبي في تمويل أبحاثي، والحفاظ على استمرارية طلابنا. ثم يتعين عليَّ النضال من أجل نيل المِنَح الدولية. وإنني ممتنّ للغاية للأكاديمية العالمية للعلوم في ترييستي بإيطاليا؛ إذ إن المنحة الأخيرة التي قدَّمتها لنا في عام 2014 (وقيمتها 63,230 دولارًا أمريكيًّا) تكفَّلَت بالرواتب، والرسوم الدراسية، ونفقات الأبحاث الخاصة بالطلاب، واستخدمنا جزءًا منها في شراء المُعدّات. كما أرسل لنا زميل في جامعة إدنبره بالمملكة المتحدة في العام الماضي عِدة أدوات؛ لاختبار البكتيريا، ثمنها 600 دولار، لكنْ لا يمكننا استخدامها الآن، لأن أحد أجزاء الميكروسكوب المرتبط بها تعرَّض للتلف، بسبب ارتفاع مفاجئ في التيار الكهربائي.

إنّ لدينا الكثير من الأفكار الرائعة والأطروحات المذهلة موضوعة على الرفوف، دون أن يستخدمها أحد. وقد ابتكر بعض العلماء الشباب أنظمة طاقة كهربية رخيصة من مواد مخلفات إلكترونية، لكنهم لا يملكون المال الكافي لتطويرها أكثر من ذلك. ولَدَى نيجيريا صناعة نفطية مزدهرة، غير أن الصندوق الائتماني لتطوير صناعة النفط التابع للحكومة يَستخدِم عوائد صناعة النفط – في الأساس - في تمويل المِنح الدراسية للطلاب النيجيريين بالخارج، ولا ينفق إلا أقل القليل على البحث العلمي.

 كالولو موزيل تابا

استهداف الممكن

كيميائي عضوي بجامعة كينشاسا في جمهورية الكونغو الديمقراطية

 تسعى أبحاثنا إلى حل مشكلات لها آثار مجتمعية، مثل الملاريا المتوطنة في كينشاسا، عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية. فسكان المناطق الأفقر في كينشاسا يزرعون حوالي 55 نوعًا مختلفًا من النباتات، منها الأُترجية، والببايا؛ في محاولة لعلاج أعراض هذا المرض. وقد سألنا أنفسنا: لماذا لا نُخضِع هذه النباتات للدراسة؟ فاختبرنا ثمانية من النباتات الأكثر استخدامًا، وأوضحنا أن المستخلصات والمستقلبات الخاصة بها لها أنشطة كثيرة مقاوِمة للملاريا. ولدينا كتيب صغير مكتوب بالفرنسية، وبلغة اللينجالا المحلية، نوزعه على الناس؛ كي نشرح كيفية استخدام هذه النباتات بصورة أكثر فاعلية. كما أننا ندرس مستخلصات النباتات التي يمكن استخدامها في علاج بكتيريا المُتفطِّرة السُّلِّية (Mycobacterium tuberculosis) المقاوِمة للمضادات الحيوية (K. B. M. Jose et al. Med. Clin. Rev. 4, 5; 2018)، وذلك باستخدام منحة مقدَّمة من الأكاديمية العالمية للعلوم.

«أقول للعلماء الذين يعملون في ظروف مشابِهة إنه رغم كون هذا الأمر صعبًا، إلا أنه ليس مستحيلًا».

نحن لا نحصل على تمويل من الدولة. وفي مختبرنا لا نمتلك معدات، فليس لدينا المال لشراء المُذيبات. والماء متاح فقط بين الساعة الخامسة والسابعة صباحًا؛ وعليه، نستعين بخزّان لجمع الماء خلال الليل، وفي النهار نستخدم مضخة. أما عن الكهرباء، فالوضع أسوأ بكثير. ففي منتصف النهار يمكن أن تنقطع الكهرباء عدة مرات، وليس أمامك إلا أن تأمل ألا تنقطع الكهرباء في أثناء عملك. كنا نمتلك فيما سبق مُوَلِّدًا صغيرًا لتشغيل الحاسبات عند انقطاع الكهرباء، لكنه معطل الآن.

نحن لا نقف مكتوفي الأيدي، ولا ننتحب، قائلين إن الأمور ستتحسّن، وإنما نفعل كل ما في وسعنا. في معظم الأوقات، نشتري المواد الكاشفة والمذيبات من رواتبنا. ونحاول حثّ طلاب الماجستير والدكتوراة، عن طريق البحث عن طريقة للتعاون مع الخارج، ومكاتبة المختبرات الأجنبية؛ كي نرى ما إذا كان ممكنًا لطلابنا أن يحصلوا على مِنَح دراسية بالخارج، أم لا. وقد سافرت إحدى طالباتنا، واسمها جوزفين إنتومبا، إلى الخارج ثلاث مرات إلى جامعة لوفان الكاثوليكية في لوفان-لا-نوف ببلجيكا. وقد أكملت الدكتوراة، وتُدَرِّس حاليًّا في جامعة كينشاسا. أما فيما يخصّني، فقد حصلتُ على درجة الدكتوراة من جامعة نورث وسترن في إيفانستون بولاية إلينوي الأمريكية، ثم التحقتُ بمعهد ماكس بلانك لأبحاث الفحم في مولهايم أن در رور بألمانيا. وكان من الشاق عليَّ العودة. ولم تقتصر المشقة على الجانب المادي فحسب، بل والعقلي أيضًا، فكنتُ أعلم أن بعض الأشياء ستكون مستحيلة، لكنني أشعر أنه من واجبي أن أسهم وألهم الشباب في مجال العلوم.

وعلى مدار السنوات الخمس أو الست الماضية، شغلتُ منصب رئيس تحرير دورية «كونجو ساينسز» Congo Sciences، التي شاركتُ في تأسيسها. وقد بدأنا هذه الدورية، لأننا أردنا إبراز الأبحاث المُجراة داخل البلاد. وموّلت الدورية لبعض الوقت أكاديميةُ البحوث والتعليم العالي في بروكسل. وقد توقفت الأكاديمية عن تمويل الدورية مؤخرًا، لكننا ما زلنا نواصل نشرها.

وعلى مدار السنوات العشر الماضية، حاولتُ تأسيس أكاديمية للعلوم بدولة الكونغو الديمقراطية، تشبه الجمعية الأمريكية لتطوير العلوم في واشنطن العاصمة. فعلينا أن نحاول دفع العلماء إلى الاجتماع معًا، والتحدث بصوت واحد، وحينئذٍ ربما تبدأ الدولة في إدراك أن تمويل البحوث بالجامعات أمر مهم. هذه بعض الأمور التي تجعلني أشعر بالسعادة لعودتي إلى وطني. فربما أكونُ قد فقدتُ الكثير كعالِم، لكنْ كمواطن كنغولي آملُ أن أستطيع يومًا ما أن أفيد بلدي والعالَم أجمع.

وأقول للعلماء الذين يعملون في ظروف مشابِهة، إنه رغم كون هذا الأمر صعبًا، إلا أنه ليس مستحيلًا. ولِتَعْلَموا أنكم قد لا تجدون أفضل الحلول، لكنها ستكون أقل الحلول سوءًا.

MOHAMMED SAFIA

 رشا أبو صفية

اختيار الجانب الإيجابي

مهندسة حاسبات، ومشارِكة في تأسيس شركة «جي جيتواي» بقطاع غزة

 شاركتُ في تأسيس «جي جيتواي»، وهي شركة ذات أهداف اجتماعية في قطاع غزة، توفِّر خدمات التعهيد في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات حول العالم. فنحن نقدِّم تدريبًا وتوظيفًا للجامعيين حديثي التخرج في غزة، الذين يحملون درجة علمية في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وهدفنا الرئيس في «جي جيتواي» هو مساعدة الأشخاص في الحصول على مصدر للدخل. وبسبب نقص الماء النظيف، وتلوث البحر، وإغلاق المعابر المفروض من إسرائيل ومصر منذ عام 2007، فالظروف المعيشية هنا قاسية.

تَوَصّلنا إلى فكرة «جي جيتواي» في عام 2012. وفي نوفمبر 2013، أطلقنا مشروعًا تجريبيًّا، وفي فبراير 2015 حصلنا على موافقة من الوكالة الكورية للتعاون الدولي؛ لنيل منحة قدرها 1.3 مليون دولار لتمويل خطتنا. وكان ذلك أحد أكبر وأسعد الأحداث التي مرت بنا على الإطلاق.

كنا ندير مشروعنا التجريبي لصالح وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، لكن في يوليو وأغسطس من عام 2014 شهدنا حرب الخمسين يومًا مع إسرائيل. وكان الأمر شاقًّا؛ إذ كان القصف متواصلًا طوال اليوم، ولم يكن ثمة كهرباء، وكانت إمدادات المياه والغذاء محدودة. لم تكن هناك مناطق آمنة. ولذلك، اضطررنا إلى إيقاف مشروعنا الأول.

بعد يومين من إنهاء اتفاق بوقف إطلاق النار لهذه الحرب، كتبنا ثمانية مفاهيم جديدة لمشروعات مختلفة، ووافقت الأونروا على تشغيل ثلاثة منها. بوسعنا أن نكون إيجابيين، أو نكتفي بالبكاء طوال اليوم. وقد اخترنا أن نكون إيجابيين، وأن نمضي قدمًا.

إن الكابلات التي نستخدمها في كل شبكاتنا التكنولوجية مُدرَجة على قائمة الأشياء التي تحظر إسرائيل دخولها إلى غزة. وبدعم من «الأونروا»، استغرقنا حوالي أربعة أشهر، كي نأتي بها من إسرائيل. ودون دعم «الأونروا»، كنا سنستغرق عامًا أو أكثر لفعل ذلك. كما نستخدم أيضًا مولِّد كهرباء، لأنه في أغلب الأيام نحصل على الكهرباء لمدة تتراوح من ساعتين إلى أربع ساعات يوميًّا.

يصل معدل البطالة الإجمالي بين خريجي الجامعة في غزة، الذين يحملون درجة علمية في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إلى 70%. ويبلغ هذا المعدل بين الخريجات 92%. وقد تقدّمنا بطلبات للحصول على مِنَح تركِّز على النساء المستضعَفات، وحصلنا على منحة من حكومة الباسك في إسبانيا؛ لتدريب ستين خريجة جامعية؛ من أجل الحصول على وظائف. كما أننا حصلنا على منحة من مبادرة المشارَكة الأمريكية الشرق أوسطية؛ من أجل تمكين وتدريب 300 من خريجي قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ كي يصيروا مهنيين مستقلين، وفُزْنا بمنحة مقدارها 3 ملايين دولار في يونيو الماضي من البنك الدولي؛ من أجل تدريب الطلاب، ومهندسي البرمجيات. ولدينا عقود كذلك مع كل من هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وبرنامج موئل الأمم المتحدة.

نحن لا نستطيع السفر خارج غزة إلا مرتين، أو ثلاث مرات سنويًّا، على أقصى تقدير، وفي بعض الأحيان لا نستطيع الخروج منها على الإطلاق؛ ولذلك، علينا أن نتقدم بطلب تصريح بالخروج من إسرائيل بدعم من «الأونروا». وأحيانًا يُقبَل الطلب، وأحيانًا يُرفَض، دون إبداء أسباب. وكثيرًا ما نفقد، على سبيل المثال، فرصة لحضور أحد المؤتمرات، أو للتدريب.

وحين نلقي نظرة على ما نفعله - أي كيف أنّ ما نفعله يغيِّر حياة البشر، رغم كل الصعاب المحيطة بنا – نجد أن هذا يجعلنا نشعر بالرضا.

 إليزابيث تيلي

التركيز على التغييرات الصغيرة المؤثِّرة

باحثة في اقتصاديات النظافة الصحية في كلية التقنيات المتعددة بجامعة مالاوي في بلانتاير.

 عدتُ إلى مالاوي في عام 2015، بعد تسع سنوات عملتُ فيها مديرة مشروعات، وطالبة دكتوراة في المعهد الفيدرالي السويسري للعلوم والتكنولوجيا المائية في دوبيندورف. وقد عملتُ في مشروعات للنظافة الصحية في نيبال، وجنوب أفريقيا، وتنزانيا، ونيكاراجوا. وغالبية عملي في مالاوي الآن منصَبّ على التدريس، والإشراف على طلاب الماجستير والدكتوراة في مشروعات من قبيل صنع قوالب الوقود من رواسب البراز المُجفَّفة. فنحن نعمل على "مخططات لتدفق البراز"، في محاولة لتخطيط وفَهْم المناطق التي تنتج فيها مفرغات الجسم، والمقدار الذي تتم معالجته منها.

والاتصال بالإنترنت لدينا سيئ للغاية، ويعوق تنزيل الملفات، أو إجراء المكالمات عبر «سكايب». وليس لدينا أي اشتراكات في دوريات، ولدينا 30 جهاز كمبيوتر تخدم 4 آلاف طالب. والأوراق وعملية النسخ الضوئي لها مكلفة للغاية، ويمكن أن نقضي أيامًا بأكملها دون ماء، حتى ولو لتنظيف المراحيض. وفي الجامعة، ليس لدينا مناديل ورقية للمرحاض، ولذا، أجلب مناديلي الخاصة معي كل يوم، وأحتفظُ سرًّا بزجاجة صابون.

إن جدول الأعمال البحثية في مالاوي يحدده كبار المتبرعين من دول الشمال، ومن بينهم الحكومات الوطنية، مثل حكومة النرويج، واليابان، وجهات التبرع الخاصة، والمنظمات غير الحكومية. ويذهب قدر قليل للغاية من التمويل إلى الباحثين الأفريقيين؛ للعمل على موضوعات حَدَّدوها بأنفسهم. ويُعَد تقديم فرص التمويل من دول الشمال إلى دول الجنوب صورة ممتازة من صور التنمية.

غير أن بعض المقترحات تدعو لمشاركة شريك من دول الجنوب، دون اشتراطات خاصة بتقسيم التمويل. ويعني ذلك أن الشريك المنتمِي إلى دول الجنوب يُمنَح أحيانًا ميزانية محدودة؛ للقيام بعمل بحثي محدود، ذي تأثير محدود.

وإنني لأشجع الباحثين من دول الشمال على التفكير في قضاء إجازات التفرّغ العلمي في جامعات إفريقية؛ إذ يَمْنَح ذلك الباحثين من دول الجنوب فرصة للتركيز على النشر، أو البحث، والتعرض لأفكار وطرق جديدة، والاتصال بشبكة أوسع، كما سيكون بمقدور باحثي دول الشمال تعلُّم كيفية سير الأمور في الجنوب، وتقدير الأمور التي تسير على نحو طيب في دولهم.

وحين تشرع في التفكير في مدى قسوة المنظومة الكاملة، قد يجن جنونك. كان لديَّ طالب، كاتَبَنِي مؤخرًا؛ كي يخبرني بأنه التحق ببرنامج للماجستير في الولايات المتحدة، ويشكرني على خطاب التوصية. إنه متحمس للغاية، وهذا من نوعية الأمور التي تجعلني أصمد في عملي لبضعة أشهر.

 أَجْرَت المقابلة: جوزي جلوسيوس

تمّ تحرير نص المقابلة بغرض الاختصار والتوضيح.