أخبار

تتبُّع جسيم آتٍ من الفضاء

عندما اندفع أحد النيوترينوات بسرعة مذهلة عبر القارة القطبية الجنوبية، تَسابَق علماء الفيزياء الفلكية للعثور على مصدره.

دافيديه كاستيلفيكي
  • Published online:
مختبر آيس كيوب في القارة القطبية الجنوبية.

مختبر آيس كيوب في القارة القطبية الجنوبية.

© IceCube/NSF

يُسهِم جسيم واحد من الجسيمات دون الذَّرية، تم اكتشافه في القطب الجنوبي في سبتمبر الماضي، في حل لغز كوني كبير، مضمونه السؤال التالي: عَمَّ تنشأ الأشعة الكونية المشحونة كهربائيًّا، التي تُعتبر الجسيمات الأكثر شحنًا بالطاقة في الطبيعة؟

تشير الدراسات المُتابِعة لمسار الجسيم، التي أُجريت بواسطة ما يزيد على اثني عشر مرصدًا، إلى أن الباحثين قد مَيَّزُوا - للمرة الأولى - مجرّة نائية، كمصدر للنيوترينوات عالية الطاقة. ويمكن لهذا الاكتشاف بدوره أن يساعد العلماء على التحديد الدقيق للمَصادر التي لا تزال غامضة للأشعة الكونية، والبروتونات، والأنوية الذرية، التي تصل إلى الأرض من الفضاء الخارجي. إنّ الآليات التي تَنتُج عنها الأشعة الكونية لا بد أن تكون هي نفسها التي تَنْتُج عنها أيضًا النيوترينوات عالية الطاقة.

"كل شيء يشير إلى هذا بوصفه المصدر الممتلئ بالطاقة، وذا البريق الفائق. إنه لمصدر رائع الجمال".

وقد وصفَتْ فِرَق متعددة لباحثين من جميع أنحاء العالم مصدر النيوترينو فيما لا يقل عن سبع ورقات بحثية، صدرت في الثاني عشر من يوليو الماضي. تقول إليسا ريسكوني، عالمة فيزياء الجسيمات الفلكية بالجامعة التقنية في ميونيخ بألمانيا: "كل شيء يشير إلى هذا بوصفه المصدر الممتلئ بالطاقة، ذا البريق الفائق. إنه لمصدر رائع الجمال".

اقترح علماء الفيزياء الفلكية عددًا من السيناريوهات بالنسبة إلى الظواهر الفيزيائية الفلكية، التي يمكن أن تُنتِج كلًّا من النيوترينوات عالية الطاقة، ونظيراتها المشحونة كهربيًّا، ألا وهي الأشعة الكونية، إلا أنهم لم يتمكَّنوا حتى الآن من إرجاع أيٍّ من هذه الجسيمات إلى مصدره بشكل لا لَبْس فيه.

تنبيه بوجود أحد الميونات

بدأت القصة في 22 سبتمبر 2017، عندما انطلق جسيم مشحون كهربيًّا – يُسمى الميون – مُحْدِثًا أزيزًا عبر الغطاء الجليدي للقارة القطبية الجنوبية، بسرعة تُقارِب سرعة الضوء. وكان مرصد آيس كيوب (IceCube) – وهو بمثابة منظومة تضم أكثر من 5,000 مستشعر مدفون في كيلومتر مكعب من الجليد – قد كشف عن ومضات من الضوء، نتجت عن الميون في أعقاب هذا. وقد بدا أن الجسيم قد برز من تحت المِكشاف، وهو اتجاه يشير إلى أن هذا كان ناتجًا عن اضمحلال نيوترينو، كان قد جاء من تحت الأفق. ويمكن للميونات أن تنتقل فقط إلى هذا الحد داخل المادة، في حين أن النيوترينوات غالبًا ما تمر عبر الكوكب بأكمله، دون عوائق. ومعظم الميونات التي يكتشفها مرصد آيس كيوب تنشأ عن نيوترينوات اصطدمت بجسيم داخل الأرض.

وفي غضون ثوان، كانت مجموعة من الحواسيب الموجودة في محطة أمونسن-سكوت ساوث بول - التابعة لمؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية - قد قامت بإعادة بناء المسار الدقيق الذي اتخذه الجسيم، وتوصلت إلى إدراك أنّ الميون سبق له أن جاء من نيوترينو ذي طاقة عالية. وبعد مرور 43 ثانية من الحدث، أرسلت المحطة تنبيهًا آليًّا إلى شبكة من الفلكيين عبر أحد روابط الأقمار الصناعية، واستَخدم التنبيه الوسم IceCube-170922A لوصف النيوترينو.

بعد تَلَقِّيه التنبيه، سارع ديريك فوكس - عالِم الفيزياء الفلكية بجامعة ولاية بنسلفانيا في يونيفرسيتي بارك - بتوفير وقت مراقبة على مرصد الأشعة السينية سويفت (Swift)، الذي يدور حول الأرض. وجد فوكس وفريقه تسعة مصادر للأشعة السينية عالية الطاقة بالقرب من المكان الذي سبق للنيوترينو أن أتى منه. وكان مِن بين هذه المصادر جُرْم يُدعى TXS 0506+056. هذا الجُرم هو نجم زائف متوهج (أو بلازار Blazar)، وهو بمثابة مجرّة ذات ثقب أسود فائق الضخامة في مركزها، ويُعرف بأنه مصدر لأشعة جاما. وفي داخل البلازار، يأجج الثقب الأسود الغاز؛ ليصل إلى درجات حرارة تبلغ ملايين الدرجات، ومن ثم يُطلِقه من قطبيه على هيئة نَفْثتين لمُسدَّدتين تسديدًا بالغًا. وفي هذه الحالة، تُشير إحدى النفثتين تجاه المجموعة الشمسية. وفي اليوم التالي، أعلن فريق فوكس عن نتائجه التي توصل إليها لمجتمع علماء الفلك.

وفي الأيام التالية، قام فريق آخر بفحص بيانات مأخوذة من تليسكوب فيرمي-لات (Fermi-LAT)، وهو تليسكوب للمناطق الكبيرة، موجود على متن تليسكوب فيرمي الفضائي لأشعة جاما، التابع لوكالة ناسا. يقوم تليسكوب فيرمي-لات بمسح السماء باستمرار، ومن بين المهام الأخرى التي يضطلع بها، يقوم برصد حوالي 2,000 بلازار. تمر هذه الأجرام بفترات من النشاط الزائد، قد تمتد إلى أسابيع، أو شهور. وخلال هذه الفترات تصبح هذه الأجرام متوهِّجة بشكل غير معتاد. تقول ريچينا كابوتو، عالمة الفيزياء الفلكية بمركز جودارد لرحلات الفضاء، التابع لناسا، والكائن بمدينة جرينبيلت بولاية ميريلاند، وهي منسِّقة التحليل لتليسكوب فيرمي-لات: "عندما نظرنا إلى المنطقة التي قال مرصد آيس كيوب إن النيوترينو قد أتى منها، لاحظنا أن هذا البلازار كان متوهُّجًا أكثر من أي وقت مضى".

في الثامن والعشرين من سبتمبر الماضي، أرسل فريق تليسكوب فيرمي-لات تنبيهًا يُفصِح عن هذا الاكتشاف. وقد كان هذا إيذانًا بإشعال حماس علماء فلك آخرين. رصد مرصد آيس كيوب – منذ أن بدأ في العمل في عام 2010 – حوالي اثني عشر نيوترينو سنويًّا من مثل هذه النيوترينوات عالية الطاقة، إلا أنه لم يسبق أن تم ربط أيًّ منها بمصدر محدد في السماء. يقول فوكس: "هذا هو ما جعل شعر رؤوسنا يقف من الذهول".

وقد قام الباحثون العاملون مع مرصد آيس كيوب، وتليسكوب فيرمي-لات بحساب احتمال وجود ارتباط بين التوهُّج والنيوترينو، وليس كونهما قادمان من الاتجاه نفسه في السماء بمحض الصدفة. ووجد الباحثون أن هناك احتمالًا جيدًا لهذا الارتباط، بالرغم من أن هذا لم يكن على مستوى الدلالة الإحصائية اللازمة لأنْ يزَعْموا التوصُّل إلى اكتشاف في علم الفيزياء2،1. 

تقول سيمونا بايانو - من المرصد الفلكي بمدينة بادوڨا بإيطاليا - إنّ إحدى المعلومات الرئيسة الغائبة كانت المسافة التي يبعُد بها البلازار عن الأرض. ولقياس هذه المسافة، قامت بايانو وفريقها بحجز 15 ساعة من وقت المراقبة على أكبر تليسكوب بصري في العالم، وهو تليسكوب جران تليسكوبيو كانارياس، الذي يبلغ قطر مرآته 10.4 متر، ويقع على جزيرة لا بالما، إحدى جُزُر الكناري الإسبانية. وتوصَّل الفريق إلى أن البلازار يبعُد حوالي 1.15 مليار فرسخ فلكي (3.78 مليار سنة ضوئية)3.

يقول كايل كرانمر - خبير فيزياء الجسيمات وتحليل البيانات بجامعة نيويورك - إن البيانات – عند تجميعها معًا – تحدِّد المصدر المحتمَل، إلا أن كرانمر يحذِّر قائلًا: "إن الرصد ليس واضحًا بشكل لا لبس فيه؛ فثمة حاجة إلى المزيد من المتابعة للتثبُّت بشكل قاطع مِن أنّ البلازارات هي مصدر للنيوترينوات عالية الطاقة".

References

  1. IceCube Collaboration. Science 361, 147–151 (2018). 

     | article
  2. IceCube Collaboration et al.Science361, eaat1378 (2018).  | article
  3. Paiano, S., Falomo, R., Treves, A. & Scarpa, R. Astrophys. J. Lett. 854, L32 (2018).  

     | article