افتتاحيات

نمط الأداء له طبيعة مؤقتة

يقدم أحد تحليلات التأثير الممتد على مدار الحياة المهنية أملًا متجددًا للعلماء الذين يتوقون إلى النجاح.

  • Published online:

كَتَب إف. سكوت فيتزجيرالد يقول: "النجاح يأتي مرة واحدة في حياة الأمريكيين"، وهو بالضرورة يعرف ما يقول؛ فهو لم يقترب مطلقًا من أنْ يضاهي نمط الأداء الذي خرج به في روايته «جاتسبي العظيم»The Great Gatsby في عام 1925، مع إنّ البعض قد يقولون إنّ أيّ أحد آخر لم يفعل هذا.

كثيرًا ما يناقش هواة الأفلام ظاهرة نمط الأداء، وكيف أن هذا النمط قد يحتشد في صورة سلسلة مزعومة من متتاليات النجاح. هل يشك أحد في أن جوائز الأوسكار التي حصل عليها فيلم مارتن سكورسيزي «الراحلون» The Departed، الذي عُرض لأول مرة في عام 2006، كانت بمثابة اعتراف متأخر بمتتاليات النجاح منقطعة النظير لهذا المخرج في الفترة ما بين عام 1973 (فيلم »شوارع وضيعة« Mean Streets)، وعام 1980 (فيلم »الثور الهائج« Raging Bull)؟ وفي هذا الصدد، هل سبق لروبرت دي نيرو أن تفوَّق على أدائه في فيلم »الثور الهائج« وفي فيلم »سائق التاكسي« Taxi Driver (1976) الذي أخرجه سكورسيزي؟ ينطبق الأمر نفسه على عالم الموسيقى؛ فقد بلغت مادونا، وبيورك، وبيونسيه ذروة نجوميتهن في أوقات بعينها.

قد تشير هذه النوعية من الأمثلة إلى أنك ما لم تكن قد حققتَ أي نجاحات كبيرة في منتصف حياتك المهنية، فإنك قد ضيعت على نفسك الفرصة، إلا أن دراسةً نُشرت في دورية Nature في الأسبوع الثاني من شهر يوليو الماضي تشعل جذوة الأمل في نفوس أولئك الذين لا يزالون ينتظرون (L. Liu et al. Nature https://doi.org/10.1038/s41586-018-0315-8; 2018). بحثت الدراسة في حدوث متتاليات النجاح – أي سلاسل الأعمال كبيرة التأثير – ضمن الأعمال الكاملة لعشرات الآلاف من صُنَّاع الأفلام، والفنانين، والعلماء. ووجدت الدراسة أن معظم السير المهنية يحتوي على متتالية نجاح نسبي واحدة على الأقل، وأن هذا يحدث في مرحلةٍ، ظاهرها أنها عشوائية ضمن سلسلة أعمال الفرد.

بدءًا مما يُطلق عليه "الأيدي الساحرة" في كرة السلة، وصولًا إلى "الزخم" في كرة القدم، عادة ما تغلب المعتقدات الشعبية على النقاشات المتعلقة بنمط الأداء، تمامًا مثلما تهيمِن على الاعتقادات المتعلقة بمتتاليات الفوز التي يمر بها المقامرون. سيزعم البعض أن "الجميع يعرف" أن الفنانين والعلماء ينتجون أفضل أعمالهم عندما يكونون في سن صغيرة؛ فقد كتبت ماري شيلي رواية »فرانكنشتاين« Frankenstein عندما كانت في التاسعة عشرة من عمرها، وكانت جوسلين بيل بيرنيل في العشرينات من عمرها عندما اكتشفت أول نجم نابض. كيف نفسِّر إذَن الازدهار الثاني المتأخر للروائي فيليب روث؟ يرى آخرون أن الأداء يبلغ ذروته عند منتصف الحياة المهنية، وهو الوقت الذي لا تكون فيه الاستفادة من الخبرات قد تأثرت بعد سلبًا بتدهور القدرات. ولنا في الموسيقيتين إيلا فيتزجيرالد، ونينا سيمون، مثال.

يقول التحليل الجديد، الذي يأخذ في الاعتبار تقييمات الجماهير للأفلام، وكذلك أسعار المزادات الفنية، إنه لا توجد نقطة نموذجية في المسار المهني تحدث عندها متتالية نجاحات. ويدفع المؤلفون بأن التأثير الإبداعي يُظهِر ملامح "الديناميكيّات المتقطعة"، تمامًا مثلما تفعل السمات الإنسانية الأخرى، بما في ذلك الحركة، والاتصالات عبر البريد الإلكتروني والهاتف (K.-I Goh & A.-L. Barabási EPL 81, 48002; 2008). هذا الأمر لا يعني حرفيًّا قول إنّ الأحداث الكبرى أو المهمة تحدث بصورة عشوائية؛ فتلك الأحداث يتسم حدوثها، على العكس من هذا، بالترابط، بحيث يكون متوسط الزمن الفاصل بين الأحداث المتتابعة أقل من أن يكون عشوائيًّا؛ فإذا وقع حدث ما، فمن المرجح أن يتبعه حدث آخر في وقتٍ قريب، إلا أن هذا التسلسل لا يمكنه أن يدوم طويلًا. وهذا هو عين ما تعنيه متتالية النجاح.

أما بالنسبة إلى العلماء الذين شملتهم الدراسة، البالغ عددهم العشرين ألفًا، كان مؤشر التأثير هو معدل الاستشهادات بالأوراق البحثية الخاصة بكل عالِم على مدار السنوات العشر التي أعقبت نشر كل ورقة بحثية. قد يعترض أحدهم قائلًا إنّ هناك أوراقًا بحثية تجذب معظم الانتباه فقط بعد عقود من نشرها، إلا أن هذا يحدث في حالات نادرة فحسب. يمكن التعبير عن متتالية النجاح هنا بحدوث استشهادات بأبحاث شخص ما بشكل يفوق كثيرًا متوسط الاستشهادات التي يحظى بها هذا الشخص في العادة.

الأمر المشجع هو أن حوالي 90% من الفنانين والعلماء تحدث لهم متتالية نجاح واحدة، على الأقل، كتلك خلال حياتهم المهنية. أما الأمر المُحبط، فهو أن هذه المتتالية لا تتكرر عادة؛ إذ يحقق 64% من الفنانين و68% من العلماء متتالية واحدة فقط، ويُعتبر تحقيق أكثر من متتاليتين أمرًا بالغ النُدرة. إذَن، إف. سكوت فيتزجيرالد كان، في الغالب، على حق. وقد يكون هناك القليل جدًّا مما يمكن للمرء أن يفعله للتأثير في هذا الأمر؛ فمتتاليات النجاح لا ترتبط بالإنتاجية، مثلًا. ولا يزعم مؤلفو الدراسة بأن "التأثير"، كما يُعَرَّفونه، هو مؤشر جيد على الإبداع. فبرغم أي شيء، لا يوجد إجماع حتى الآن بشأن الطريقة التي يُفترض تعريف الإبداع بها، وقياسه، ناهيك عن الإجماع بشأن إمكانية غرس هذه المَلَكة وتعزيزها، وكيفية تحقيق ذلك. كما أن التأثير العلمي ليس مجرد استشهادات.

في الواقع، إذا وصل بنا الحال يومًا ما لأن يتم الحُكْم على القيمة الجوهرية لعملٍ ما بالثمن الذي يمكن أن يُباع به، فإن هذا سيكون أمرًا مؤسفًا، لكن انعدام التوافق بين الشعبية التي يحظى بها العمل، وقيمته، ربما يكون في صميم ما يمكن توظيف هذه النتائج فيه. وبلغة علم الاقتصاد، هل تُعتبر ديناميكيات النجاح ذاتية المنشأ، مدفوعة مثلًا بالإلهام المتذبذب لدى المبدع، أم أنها خارجية المنشأ، وتَنتُج عن تقلبات السوق؟ من الأسهل أن نميل إلى تخيل صحة جزء من كل طَرْح من هذين الطرحين؛ أن المبدع يجد نفسه بشكل مفاجىء قد تطور لديه تواصلًا مع روح العصر، فقط ليكتشف بعدها في مرحلة لاحقة أن العالَم من حوله قد تغير، ومضى قدمًا.

ومع ذلك، لعل أكثر الرسائل إثارة هي أنّ ديناميكيات العلوم لا تختلف عن ديناميكيات الفنون؛ فالنجاح في كليهما يعتمد على التفاعل بين خيال الفرد، وحالات الجمهور المزاجية المتقلبة ورغباته المتغيرة.