كتب وفنون

علم التراث: نظرة جديدة حول حروب الثقافات

أندرو روبنسون يستعرض بإعجاب كتابًا يستكشف نجاحات وإخفاقات منظمة اليونسكو.

أندرو روبنسون
  • Published online:
عمال ينقلون جزءًا من تمثال خلال عملية نقل معابد أبو سمبل في مصر في ستينات القرن الماضي.

عمال ينقلون جزءًا من تمثال خلال عملية نقل معابد أبو سمبل في مصر في ستينات القرن الماضي.

© UNESCO

في عام 1945، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بثلاثة أشهر، اجتمع مندوبون من 44 دولة في مؤتمر عُقد في لندن. وفي المؤتمر قال رئيس الوزراء البريطاني كليمنت أتلي إن ”شعوب العالم أشبه بجُزر متفرقة، تصرخ في وجه بعضها البعض عبر بحار من سوء الفهم". واقترح المندوبون سبيلًا آخر: وهو إنشاء منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» (UNESCO). وقد كانت المنظمة - ومقرها باريس - مُكرسة لحفظ السلام، عبر تبَنِّيها للتبادل الدولي للأفكار. وكان أول مدير عام لها هو عالِم الأحياء والمفكر الإنساني البريطاني، وهاوي عِلم الآثار، جوليان هوكسلي.

في كتاب «مستقبَل من الأنقاض» A Future in Ruins، تأتي عالمة الآثار لين ميسكل بطرح اثنوجرافيّ مؤسسي لليونسكو. تتراوح المهام الواسعة للمنظمة ما بين النشر، وتشجيع النساء في العلوم، لكن ميسكل تركز - بشكل حصري - في كتابها على دور المنظمة في حماية تراث العالم وآثاره، وتحديدًا من خلال اتفاقية التراث العالمي الصادرة في عام 1972.

ولاشك أن هذا الدور كان سياسيًّا بدرجة كبيرة. فقد كانت مهمة اليونسكو "إنهاء النزاع العالمي، والمساعدة في إعادة بناء العالَم ماديًّا ومعنويًّا"، كما تشير ميسكل، لكنها ترى أن جهود المنظمة تنحصر بشكل متزايد في انتشار وإطالة النزاعات والتوترات المحلية.

فلننظر، على سبيل المثال، إلى مواقع التراث العالمي في أنجكور بكمبوديا، وبود جايا في الهند، وكاندي في سريلانكا، وتَدْمُر في سوريا، وتمبكتو في مالي. كان إدراج أنجكور ضمن قائمة مواقع التراث العالمي في عام 1992 مدعومًا من أشخاص منفيين من المتعاطفين مع الإبادة الجماعية التي قام بها نظام الخمير الحمر، آملين في مساندة المطالبات الإقليمية. وبينما تحتشد الدول حول لجنة اليونسكو؛ لنَيْل فرصة الإدراج، يتضح أن المسألة تتعلق بما هو أكبر من أمجاد الماضي فحسب. كما أنها وسيلة لضمان مزايا مستقبلية، أكثرها تجليًّا هو تعزيز السياحة.

إن الطبيعة الصعبة التي يتسم بها هدف المنظمة كانت واضحة منذ البداية. ولم يكن هوكسلي موهومًا بغير ذلك، إذ أشار إلى "استحالة أن تتمكن اليونسكو - كساحر ماهر - من إخراج أرنب السلام السياسي من قبعة الثقافة والعلوم". وفي عام 1948، غادر هوكسلي منصبه بطلب من الوفد الأمريكي، ربما بسبب نزعته اليسارية الإنسانية. وقد تنبأ العالِم الكلاسيكي جيلبرت موراي لاحقًا أن اليونسكو مُقدَّر لها أن تحوي "مزيجًا غريبًا من النجاح والفشل"، حيث كانت لديه وجهة نظر فريدة. خدم موراي من عام 1922 إلى عام 1939 في الكيان السابق للمنظمة وهو "اللجنة الدولية للتعاون الفكري"، التابعة لعصبة الأمم، التي كانت غارقة في النزاعات، وضمت علماء لامعين، مثل ماري كوري، وألبرت أينشتاين، وهندريك لورنتز. وكما خلصت ميسكل في كتابها، بعد مرور سبعة عقود، ما زالت نبوءة موراي تثبت صحتها.

ومع ذلك.. فإن نجاحات اليونسكو كانت مبهرة. فقد قامت بإنقاذ فينيسا في عام 1966، عندما هددت فيضانات مدمرة تلك المساحات التي تضم الكنوز الثقافية الخاصة بتلك المدينة الإيطالية، والتي قُدرت بستة مليارات دولار أمريكي. وتحت رعاية المنظمة، مَوَّلت اليابان، ووجهت عمليات ترميم معبد بوروبودور البوذي بإندونيسيا. وعلى الأرجح، ما زال نجاحها الأكبر هو حملتها الأوسع صيتًا في النوبة، التي استمرت 20 عامًا. وبانطلاقها في عام 1959، كانت الحملة تهدف إلى إنقاذ مواقع مصرية وسودانية قديمة من الغرق في الفيضانات التي سَبَّبها تشييد السد العالي بأسوان على نهر النيل ما بين عامَي 1960–1970. كرّست ميسكل فصلًا غنيًّا بالمعلومات حول هذا العمل الفذ، إذ تم تفكيك وإعادة نقل حوالي 23 معبدًا، ومقابر، وكنائس مسيحية قديمة، وأماكن صلاة صغيرة. وكان أشهر ما فُكِّك ونُقِل هو معبد الملك رمسيس الأكبر في قرية أبو سمبل، بتكلفة قدرها 70 مليون دولار.

رهبان بوذيون في معبد أنجكور وات في كمبوديا، المُدْرَج ضمن مواقع التراث العالمي منذ عام 1992.

 رهبان بوذيون في معبد أنجكور وات في كمبوديا، المُدْرَج ضمن مواقع التراث العالمي منذ عام 1992.

©  Paul Chesley/NGC/Getty

وحتى في ذلك العمل ظهرت مشكلات داخلية خطيرة، كما رفضت الحكومة البريطانية المشاركة، بسبب أزمة قناة السويس في عام 1956، بعد نزاعها مع مصر حول التحكم في القناة التي تحمل اسم مدينتها. ومع ذلك.. قَدَّمَ العديد من علماء المصريات البريطانيين وعلماء الآثار، مثل مورتيمر ويلر، الدعم للأمر. أما اليونسكو، التي كانت مشغولة بإنقاذ مواقع معروفة، من المؤكد أنّ الفيضانات ستغرقها، لم تفعل سوى القليل للترويج لأبحاث أثرية جديدة. وقد موّلت 40 بعثة أخرى هذا العمل بشكل مستقل، وكانت النتيجة تنسيقًا سيئًا. وفي الوقت نفسه، نُقل النوبيون الذين كانوا يعيشون في مناطق الفيضان بعيدًا عن بيوت أسلافهم، وعن طرقهم التقليدية للعيش.

وفي السنوات التالية، تم إضعاف عمل اليونسكو التراثي بشكل متكرر، عبر ضغوط سياسية من الدول الأعضاء، والتركيز على ترميم المَعالِم التذكارية، بدلًا من الاكتشافات الأثرية، وكذلك نقص مشاركة السكان الأصليين. ومثال على ذلك.. مدينة هامبي في الهند، وهي بقايا فيجاياناجارا عاصمة آخِر الامبراطوريات الكُبرى في الهند، والتي تم إدراجها ضمن مواقع التراث العالمي في عام 1986. وفي عام 2011، قامت الحكومة الهندية - مدعومة بالاستطلاع الأثري للهند - بإزالة البِنَى الحديثة من الموقع، طاردةً السكان، ومانعة اليونسكو من إدارته.

ووجهت ميسكل نقدًا لاذعًا حول تَعارُض هدف اليونسكو لتحاشي الحرب مع مشروعات إحياء المواقع التي ارتبطت بأعمال عنف. وفي عام 1978، أُدرجت جزيرة جوري السنغالية ضمن مواقع التراث العالمي، كعلامة على استغلال الإنسان في التجارة الدولية للرقيق. وفي عام 1979، تم إدراج معسكر الاعتقال النازي السابق في أوشفيتز بيركينو. وفي 1996، تمت إضافة النصب التذكاري للسلام في هيروشيما (وهو البناء الوحيد المتبقي بعد إلقاء القنبلة الذرية في عام 1945). وفي عام 2016، انضمت مدينة آني الأرمنية المهجورة من العصور الوسطى في تركيا إلى مواقع التراث العالمي، رغم مذابح الأرمن، التي امتدت من عام 1915 إلى عام 1922، والتي أنكرت تركيا حدوثها. والآن، تسعى تايلاند لضم اليونسكو إلى خط السكة الحديد الواصل بين بورما، وسيام (المعروف بخط الموت)، وتروِّج له الدولة بوصفه موقعًا سياحيًّا للحرب العالمية الثانية، رغم أن اليابان هي مَن قامت بإنشائه، مستعينة في ذلك بأعمال السخرة، وسجناء الحرب.

وتشير ميسكل إلى أن هذا الاعتراف الدولي يُقدس نسخة واحدة فقط من التاريخ. وهذا يجعل اليونسكو - كما تقول ميسكل في الكتاب - متواطئة في إعادة طرح سياقات "حلقات الاحتلال غير الشرعي، والأعمال الوحشية، وجرائم الحرب، وحتى عمليات الإبادة، في حين يستعيد الضحايا مشاعر الصدمة ثانيةً. وهذا هو الجانب السلبي من عمليات الترويج للتراث". وإضافة إلى ذلك.. في الوقت الذي انتعشت فيه السياحة، وزادت قيمة علامة التراث العالمي بالنسبة إلى الدول الأعضاء والمواقع المدرَجة، تتقلص ميزانية اليونسكو الإجمالية، البالغة 250 مليون دولار، بشكل متزايد. وفي الغالب، سوف تنهار أكثر، إذا ما سحبت الولايات المتحدة عضويتها للمرة الثانية في نهاية العام الحالي (2018). وكل ذلك يقوّض قدرات الوكالة في حفظ وإدارة المواقع، وكذلك مهمّتها التعليمية والعلمية.

وبشكل متزايد.. تتكون القوى العاملة لدى اليونسكو من متطوعين. وفي عام 2017، قام حوالي 600 متدرب حول العالم ممن لا يتقاضون أجرًا بالتجمهر حول مقرها الرئيس، وسط مستشارين، وطاقم عمل مُخفّض، يُعهد للفرد منه القيام بوظيفتين، أو ثلاث. إنه انحدار يبعث على الحزن، بسبب تطلعات لحظة ما بعد الحرب تلك في عام 1945. ومع النبرة العدوانية المتصاعدة للدبلوماسية العالمية، تزداد أيضًا حدة القلق.

أندرو روبنسون مؤلف لسبعة كتب في علم الآثار، منها كتابا «فك الشفرة المصرية» Cracking the Egyptian Code، و«حضارات السِّنْد البائدة» The Indus: Lost Civilizations.

 البريد الإلكتروني: andrew@andrew-robinson.org