أنباء وآراء

صحة عامة: تقدير معدل وفيات الرضع بسبب تلوث الهواء

قَدَّرت دراسة دقيقة قائمة على الملاحظة أنه يمكن منع حتى 22% من الوفيات بين الرضع في دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، من خلال تحسين جودة الهواء، وهي نسبةٌ تفوق التقديرات السابقة بكثير.

لانس إيه. والر

  • Published online:

قد تساعد البيانات الضخمة في التعامل مع العديد من المشكلات المنتشرة في نطاق الصحة العامّة. على سبيل المثال.. تساعد تحليلات البيانات واسعة النطاق الباحثين على فهم الأنماط العالميّة للأمراض، ومجموعة العوامل التي تؤثر في الصحة العامة، والسياسات ذات القدرة الأكبر على تحسين الوضع2،1. وفي بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، طرح هيفت نيل وزملاؤه3 مقاربةً من هذا النوع، وطبّقوها، وتفحَّصوها (وهو الأهم). تستكشف المقاربة أثر جودة الهواء على معدل الوفيات بين الرضع في دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى.

وتُضاف دراسة الباحثين هذه إلى مجموعة متزايدة من الأبحاث التي تستكشف الأنماط الدوليّة للنواتج الصحيّة، من خلال تحليلات مبتكرة للبيانات الضخمة، وهي مجموعةٌ من المقارَبات، ارتادها العديد من الباحثين على المستويات الجغرافيّة المحليّة، إلا أنها تجاوزت ذلك، ووصلت إلى مستوى الصحّة العالميّة، من خلال مشروعٍ يسمَّى «دراسة عبء المرض العالمي» Global Burden of Disease Study) GBDS). في أنواع الدراسات هذه، تُجمع البيانات الصحية والإداريّة والبحثيّة من مصادر متعددة، وتخضع للنمذجة الرياضيّة، ولتحليلٍ إحصائيّ معقَّد، إلا أن هذا الفرع المثير من بحوث الصحة العامّة ما زال يسعى لإيجاد مكان له وسط التقنيات التقليديّة المتعلقة بعلم الأوبئة، التي تتضمن جمع البيانات من الملاحظات المباشرة المأخوذة من الحالات الفعليّة، وحالات المقارنة، أو من الدراسات الطوليّة.

استُخدمت بيانات مشروع GBDS في السابق لتقدير الروابط بين جودة الهواء على المستوى المحلي، ومعدَّلات الوفاة على المستوى العالمي (كما في تقرير المشروع لعام 2016، على سبيل المثال4)، لكنّ غالبية البيانات في هذه التحليلات كانت مأخوذة من محطّات مراقبة تلوث الهواء، التي يوجد أكثرها في الدول المتقدِّمة. وفي هذه المناطق عادةً ما يكون تلوث الهواء أقلّ منه في دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى.

أما هيفت نيل وزملاؤه، فقد استخدموا قياسات لتلوث الهواء، مأخوذة من الأقمار الصناعية، وأدمجوها مع بيانات من 65 استطلاعًا صحيًّا للأسر، واستخدموها لتحديد معدل الوفيات بين حوالي مليون حالة ولادة في 30 دولة عبر جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، في الفترة بين عامي 2001، و2015. كما ركَّز الباحثون أيضًا على معدل وفيات الرضّع من مختلف الأسباب، بينما ركِّز مشروع GBDS على الوفيات بسبب الأمراض التنفسية.

وكانت النتائج مفاجِئة، حيث قدَّر هيفت نيل وزملاؤه أن 22% من حالات الوفاة بين الرضع في دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى - ما مجموعه 449 ألف طفل رضيع - يمكن تفادي حدوثها من خلال خفض المستويات المتوسطة لتلوث الهواء، لتصل إلى أقلّ المستويات الملاحَظة في الإقليم (عند تركيز يبلغ ميكروجرامين لكلّ متر مكعب). وهذا المستوى من التحسن النسبي يفوق التقديرات التي توصّل إليها تحليلان سابقان باستخدام بيانات GBDS المتاحة للعموم6،5 (الشكل 1). يقارن الباحثون نتائجهم بنتائج الأبحاث السابقة، ويقدِّمون أسبابًا عديدة للاختلاف في القيم فيما بينها. ومن بين هذه الأسباب اختلاف الافتراضات بشأن مستوى التحسن الممكن تحقيقه في جودة الهواء (في الدراسة الحالية حدث تحسن من متوسط 25 ميكروجرامًا إلى ميكروجرامَين لكل متر مكعب، مقارنة بالتحسن في التحليلين السابقين، الذي وصل إلى 5.8 ميكروجرام لكل متر مكعب)، واختلاف مجموعات بيانات معدلات الوفيات.

الشكل 1 | تقديران للوفيات المتعلقة بتلوث الهواء بين الرضّع. يمكن قياس تلوث الهواء من خلال قياس تركيز المواد الجسيمية القابلة للاستنشاق (PM2.5)، بوحدة قياس ميكروجرام لكل متر مكعب (μg m−3). قَدَّر مشروع "دراسة عبء المرض العالمي" GBDS6 العلاقة بين زيادة تركيز PM2.5، والاحتمالات النسبيّة لوفيات الرضع بسبب العدوى التنفسيّة على مستوى العالم. أما هيفت نيل وزملاؤه3، فقد استخدموا مقارَبات مختلفة لتحليل البيانات، لتقدير الخطر النسبي لوفيات الرضع من مختلف الأسباب، والمتعلقة بتلوث الهواء في دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى فقط، حيث معدلات التلوث عادة ما تكون أعلى مما هو الحال في المناطق الأكثر ثراءً من العالم. والرسالة العامة من الاثنين واحدة، وهي: أن هناك فائدة واضحة من خفض مستويات تلوث الهواء. واكتشف هيفت نيل وزملاؤه زيادة أكبر في معدل الوفيات مع زيادة مستويات تلوث الهواء. وتتيح مستويات عدم التيقن (المناطق المظللة في الشكل) خلفيّة أساسيّة لفهم النتائج. (الشكل مقتبَس من الشكل 3 في المرجع الثالث).

الشكل 1 | تقديران للوفيات المتعلقة بتلوث الهواء بين الرضّع. يمكن قياس تلوث الهواء من خلال قياس تركيز المواد الجسيمية القابلة للاستنشاق (PM2.5)، بوحدة قياس ميكروجرام لكل متر مكعب (μg m−3). قَدَّر مشروع "دراسة عبء المرض العالمي" GBDS6 العلاقة بين زيادة تركيز PM2.5، والاحتمالات النسبيّة لوفيات الرضع بسبب العدوى التنفسيّة على مستوى العالم. أما هيفت نيل وزملاؤه3، فقد استخدموا مقارَبات مختلفة لتحليل البيانات، لتقدير الخطر النسبي لوفيات الرضع من مختلف الأسباب، والمتعلقة بتلوث الهواء في دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى فقط، حيث معدلات التلوث عادة ما تكون أعلى مما هو الحال في المناطق الأكثر ثراءً من العالم. والرسالة العامة من الاثنين واحدة، وهي: أن هناك فائدة واضحة من خفض مستويات تلوث الهواء. واكتشف هيفت نيل وزملاؤه زيادة أكبر في معدل الوفيات مع زيادة مستويات تلوث الهواء. وتتيح مستويات عدم التيقن (المناطق المظللة في الشكل) خلفيّة أساسيّة لفهم النتائج. (الشكل مقتبَس من الشكل 3 في المرجع الثالث).

كبر الصورة

ولم يَقْنَع هيفت نيل وزملاؤه بالرابط الظاهر في النتائج فحسب، وإنما أخذوا يراجعون بدقّة مدى عدم التيقن من تقديراتهم.. فعلى سبيل المثال.. ذكروا بالتفصيل كيف يمكن لنتائجهم أن تتأثر بالافتراضات التحليليّة، مثل وجود علاقة خطيّة بين تلوث الهواء، ومعدل الوفيات، ضمن نطاق القِيَم الملاحَظة، كما ذكروا التحيز المحتمَل المصاحب لاستخدام قياسات مأخوذة من الأقمار الصناعيّة، باعتبارها معبِّرة عن تلوث الهواء عند المستويات الأرضية. وتناوَل الباحثون أيضًا العوامل التي قد تؤثر في التقديرات بشكل مثير للحيرة، مثل الحالة الاجتماعيّة الاقتصاديّة؛ حيث تم التنبؤ من قبل بأنّ الأُسَر الأكثر ثراء ستكون أقل تأثرًا بتلوث الهواء من الأُسَر الفقيرة، إلا أن الباحثين كشفوا أن الأمر لم يكن كذلك في تحليلهم. وهذا التقييم الذاتي مهم، ويطرح منظورًا جديدًا، ويضع النتائج في موضعها المناسب؛ لينظر فيها الباحثون، وخبراء السياسات.

وقد حدد هيفت نيل وزملاؤه مصادر بياناتهم في المعلومات التكميلية المنشورة مع البحث، إلا أنه بإمكان الدراسات المستقبلية أن تقطع شوطًا أكبر بكشف التفاصيل اللازمة لتكرار نتائج دراسات البيانات الضخمة بالضبط، أو باختلافات بسيطة. فعلى سبيل المثال.. يجب نشر الأوصاف المفصلة والمُراجعة من قِبَل الأقران لعمليات معالجة البيانات، وإيداع مجموعة البيانات النهائية في مستودعات يمكن الاستشهاد من خلالها، مثل موقع datadryad.org. ومن خلال مشاركة البيانات، وتفاصيل التحليلات التي يمكن الاستشهاد بها، قد تكتسب دراسات بعينها - مثل دراسة هيفت نيل وزملائه - قيمة أكبر.

فهل هذا هو آخر ما يُقال بشأن العلاقة بين تلوث الهواء ،ومعدل الوفيات بين الرضع؟ بالطبع لا، حيث إن أي دراسة قائمة على الملاحظة تَحمِل خطر الخلط بين الارتباط والسببيّة، لكنّني أرى أن إثبات السببيّة يجب ألا يكون الدافع الوحيد لإجراء هذه الدراسات، بل يُفْتَرَض أن يكون الهدف من أي بحثٍ علمي هو معرفة أشياء أكثر مما كنا نعرف. وقد يساعد إثبات السببيّة الباحثينَ على تحديد الآثار المباشِرة لتطبيق سياسات بعينها على جوانب صحيّة معيَّنة، بيد أن الارتباطات واسعة النطاق، المدروسة بدقة، يمكنها أن تُظْهِر كيف يمكن لتغييرات بسيطة في السياسات أن تسفر عن تطورات كبيرة (وإنْ كان بصورةٍ غير مباشرة) في العمل على الوصول إلى الأهداف الصعبة المتعلقة بالصحة العامّة. وهذا يفيد – على وجه الخصوص - في جوانب معينة من الصحة العامة، مثل تحليلات تلوث الهواء، حيث يكون إجراء دراسات تجريبيّة شديدة الانضباط مسألة صعبة ومتعذرة من الناحية الأخلاقيّة، فعلى سبيل المثال.. لا يمكن ربط مستويات تلوث الهواء - بشكل عشوائي - بالأفراد، كما لا يمكن تخصيص مستويات محددة من التعرض للتلوث لمناطق معينة.

قد تقدِّم لنا دراسات علوم البيانات واسعة النطاق رؤى ثاقبة للعوامل التي تُنبئ بالاتجاهات التي ستتخذها النواتج الصحيّة، إلا أنها قد تكون محدودة الاستخدام في اكتشاف السببيّة، خاصّة على مستوى القارّات. فعلى سبيل المثال.. إذا ما نظرنا في مشروع "جوجل فلو" Google Flu، الذي كان يهدف إلى تقدير أعداد المصابين بالإنفلونزا في الولايات المتحدة، عن طريق تحليل الاتجاهات في عمليات البحث عن المصطلحات ذات الصلة بأعراض الإنفلونزا، سوف نجد أنه لعدة أسابيع قدَّمت المقاربة التنبؤيّة التي يستخدمها النظام، والمبنيّة على علوم البيانات، نتائجَ أدقّ مما قدَّمته طرق التتبع الوبائيّة التقليدية المبنيّة على تقارير الأطباء والتأكيدات المختبرية، ولكنْ في أعقاب ضبط خوارزميّة التنبؤ، المستخدَمة في أوائل عام 2013، بالَغ النظام بشدّة في تقدير أعداد حالات الإنفلونزا لمدة أسبوعين7 وبالاعتماد الكامل على الارتباطات، دون إدخال عوامل الخطورة الوبائيّة في الحسابات، لم يكن لدى الخوارزميّة سوى القليل من التوازن والضوابط التي تحمي من سوء التقدير بالسلب أو بالإيجاب، ولم تقدِّم سوى القليل من المعلومات عن العوامل المُحَرِّكة للأنماط قصيرة المدى لإصابات الإنفلونزا.

وباختصار.. على الرغم من أن تحليلات البيانات الضخمة لا يمكن أن تحل محل الدراسات الوبائيّة الدقيقة، إلا أنها قادرة على تقديم معلومات واسعة النطاق عن الفوائد المحتملة لسياسات الصحّة العامّة. وفي هذه الحالة، يسلّط بحث هيفت نيل وزملائه الضوء على فوائد السعي لخفض مستويات تلوث الهواء إلى الحد الأدنى الملاحَظ في مجموعات البيانات الخاصة بهم، كما يتاح تقييم آثار التغييرات الأكثر بساطة في مستويات التلوث. ومن المؤكد أن لهذا النوع من التحليلات موقعًا في صندوق الأدوات الحديثة لمجال الصحة العامّة. وحسب ما قال كوفي عنان2: "من دون بيانات جيدة، نصبح كالمحلِّقين عميانًا. فإنْ لم تر المشكلة؛ لن تستطيع حلها".

References

  1. Dowell, S. F., Blazes, D. & Desmond-Hellmann, S. Nature 540, 189–191 (2016).  | article
  2. Annan, K. Nature 555, 7 (2018).  | article
  3. Heft-Neal, S., Burney, J., Bendavid, E. & Burke, M. Nature 559, 254–258 (2018 | article
  4. GBD 2016 Mortality Collaborators. Lancet 390, 1084–1150 (2017).  | article
  5. Cohen, A. J. et al. Lancet 389, 1907–1918 (2017). 

     | article
  6. Burnett, R. T. et al. Environ. Health Perspect. 122, 397–403 (2014).  | article
  7. . Lazer, D., Kennedy, R., King, G. & Vespignani, A. Science 343, 1203–1205 (2014). | article

لانس إيه. والر يعمل بقسم الإحصاءات الحيوية والمعلوماتية الحيوية، كلية رولينز للصحة العامة، جامعة إيموري، أطلنطا، جورجيا 30322، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: lwaller@emory.edu