أنباء وآراء

علم البيئة: الجرذان تعيث فسادًا في الشعاب المرجانية

يمكن لاستقدام الجرذان غير المحلية أن يدمر النظم البيئية للجُزُر. وقد اتضح مؤخرًا أن هذه الجرذان يمكنها كذلك أن تؤذي شبكة معقدة من التفاعلات التي تربط الطيور البحرية بالطحالب والأسماك في الشعاب المرجانية المجاورة. 

نانسي نولتون
  • Published online:

يمكن للجرذان غير المحلية، التي تغزو الجُزُر الاستوائية، أن تسبب مشكلات للنظم البيئية التي تغزوها1، حيث يمكن لهذه الكائنات الدخيلة أن تقضي على المجموعات المحلية التي تتغذى عليها، مثل النباتات، واللافقاريات الأرضية. كما يمكن أن تقل أعداد مجموعات الطيور عندما تأكل الجرذان بيضها وأفراخها. وقد تنتشر الآثار المعقدة وغير المباشرة لوجود هذه القوارض بشكل عميق، وعلى نطاق واسع، من خلال الشبكات الغذائية في الجُزُر2، غير أنه لم يتم إيلاء سوى القليل من الاهتمام للآثار غير المباشرة لمثل هذه الأنواع الغازية على مجتمعات الشعاب المرجانية المجاورة. وفي بحث نُشِر في دورية Nature، عالَج جراهام وآخرون3 هذه المسألة فيما يخص مواقع معينة بأرخبيل تشاجوس في المحيط الهندي (الشكل 1)، وذلك عن طريق مقارنة الشعاب المرجانية المحيطة بست جُزُر موبوءة بالجرذان بشعاب متاخمة لسِتّ جُزُر تخلو من الجرذان. ووجد مؤلفو البحث أن الشعاب القريبة من الجُزُر الموبوءة بالجرذان بها قدر أقل من المغذيات، وعدد أقل من الأسماك، وأعداد منخفضة من الأسماك التي تتغذى على الطحالب التي تنافس المرجان.

الشكل 1 – فرخ طائر الأطيش في عش أعلى بحيرة متصلة بالشعاب المرجانية في أرخبيل تشاجوس. يقدم جراهام وزملاؤه3 تقريرًا عن دراساتهم لكيفية تأثير الجرذان غير المحلية على النظم البيئية للجزر والشعاب المرجانية المتاخمة لها في أرخبيل تشاجوس في المحيط الهندي. وقد توصل الباحثون إلى أن الجزر الخالية من الجرذان تتمتع بعدد أكبر بكثير من الطيور البحرية مقارنة بالجزر الموبوءة بالجرذان. بالإضافة إلى ذلك، فإن ترسيبات النيتروجين من فضلات الطيور البحرية لها أثر إيجابي على الشعاب المرجانية المجاورة عن طريق تدوير المغذيات التي تنتج طحالب غنية بالنيتروجين تعزز وجود تجمعات الأسماك.

الشكل 1 – فرخ طائر الأطيش في عش أعلى بحيرة متصلة بالشعاب المرجانية في أرخبيل تشاجوس. يقدم جراهام وزملاؤه3 تقريرًا عن دراساتهم لكيفية تأثير الجرذان غير المحلية على النظم البيئية للجزر والشعاب المرجانية المتاخمة لها في أرخبيل تشاجوس في المحيط الهندي. وقد توصل الباحثون إلى أن الجزر الخالية من الجرذان تتمتع بعدد أكبر بكثير من الطيور البحرية مقارنة بالجزر الموبوءة بالجرذان. بالإضافة إلى ذلك، فإن ترسيبات النيتروجين من فضلات الطيور البحرية لها أثر إيجابي على الشعاب المرجانية المجاورة عن طريق تدوير المغذيات التي تنتج طحالب غنية بالنيتروجين تعزز وجود تجمعات الأسماك.

NICK GRAHAM

وتَمَثَّل أحد أكثر الآثار المُلاحَظة لوجود الجرذان في حدوث انخفاض في الطيور البحرية المُعشِّشة بمقدار 760 ضعفًا للهكتار الواحد في الجُزُر الموبوءة بالجرذان، بالمقارنة بالجُزُر الخالية منها. فعلى الجُزُر الخالية من الجرذان، أنتجت المجموعات الأكبر من الطيور ترسيبات أكبر من الذرق؛ وهو فضلات الطيور الغنية بالنيتروجين. وتحصل الطيور - في الأغلب - على هذا النيتروجين من الطعام الذي تستهلكه خلال رحلات البحث عن الطعام، التي تقطع فيها مسافات طويلة إلى مناطق من المحيط، تتسم بكوّنها أكثر إنتاجية بمقدار يتراوح من 100 مرة إلى 100 ألف مرة، مقارنةً بالمياه المتاخمة للجُزُر، بفضل ثرائها بمستويات أعلى من المغذيات. وكانت معدلات ترسيب النيتروجين على الجُزُر الخالية من الجرذان أكبر بمقدار 251 مرة للهكتار الواحد منها في الجُزُر الموبوءة بالجرذان. وباستخدام تقنية معينة للتعرف على أشكال النظائر المختلفة للنيتروجين، تمكّن مؤلفو البحث من التمييز بين هذا النيتروجين الذي "جلبته" الطيور البحرية معها، والنيتروجين المستمَد محليًّا. وقد مَكَّن ذلك جراهام وزملاءه من تتبُّع إلى أين انتهى المطاف بالنيتروجين الذي رسَّبَته الطيور البحرية.

امتصت النباتات على الجُزُر بعض النيتروجين، ودخل البعض الآخر المحيط عن طريق الأمطار، أو الأمواج المتلاطمة. فعلى سبيل المثال.. على بُعد 100 متر من شاطئ الجُزُر الخالية من الجرذان، كان لدى كل نوع من الإسفنج ونوع من عشب الطحالب البحرية الكبيرة مستويات مرتفعة من النيتروجين المستمد من طعام الطيور البحرية، الذي تعثر عليه في رحلات البحث، بالمقارنة بالمستويات المسجلة بالقرب من الجُزُر الموبوءة بالجرذان. وعلى بُعد 230 مترًا من شاطئ الجُزُر الخالية من الجرذان، ارتفع مستوى تركيز النيتروجين المستمَد من الطيور البحرية في كل من الطحالب العشبية، والنسيج العضلي لأسماك دامسل التي تتغذى على الطحالب، مقارنةً بالقياسات الخاصة بالجُزُر الموبوءة بالجرذان. وبقياس حلقات النمو في عظام الأذن بأسماك دامسل، بيّن جراهام وزملاؤه أن أسماك دامسل الموجودة في المياه حول الجُزُر الخالية من الجرذان نمت بشكل أسرع، وكانت في أي سن أكبر حجمًا من أيِ من الأسماك التي تعيش بجانب الجُزُر الموبوءة بالجرذان. ويُفترَض أن يكون ذلك لأنّ الطعام كان أكثر ثراءً بالنيتروجين.

وبالنظر إلى كل أنواع أسماك الشعاب المرجانية، توصّل مؤلفو البحث إلى أن مجموع الكتلة الحيوية لمجموعة الأسماك كانت أعلى بنسبة 48% حول الجُزُر الخالية من الجرذان، مقارنةً بتلك الموجودة حول الجُزُر الموبوءة بالجرذان. وبالإضافة إلى ذلك.. فإن من بين كل أنواع أسماك الشعاب المرجانية، كانت وفرة الأسماك العاشبة (التي تتغذى على الطحالب) هي الأكثر تأثرًا سلبًا بوجود الجرذان. وللأسماك العاشبة أهمية خاصة للشعاب المرجانية، لأن عملية حصولها على الغذاء تمنع الطحالب من الزيادة في النمو وقتل المرجان. وحول الجُزُر الخالية من الجرذان، تغذّت أسماك الببغاء - وهي أحد أنواع الأسماك العاشبة - على سطح الشعاب المرجانية بالكامل 9 مرات في السنة، بينما بلغ هذا العدد حول الجُزُر الموبوءة بالجرذان 2.8 مرة فقط في السنة. ولأنّ أسماك الببغاء تتغذى باستخدام مناقير قوية، كان يوجد كذلك قَدْر أكبر من الحتّ الحيوي وإنتاج الرمال على الشعاب المحيطة بالجزر الخالية من الجرذان، لكن كمية المرجان الحي لم تكن أقل من كمية المرجان المحيط بالجزر الموبوءة بالجرذان.

إن الآثار الهائلة التي يوثّقها جراهام وزملاؤه تقدِّم صورة شاملة لكيفية ارتباط الشعاب بالأرض والمناظر البحرية المحيطة. فحركة الكائنات حول هذه الموائل يولّد روابط جينية بين المناطق التي طالما حظيت بتقدير كلٍ من علماء الوراثة والجغرافيا الحيوية على حدٍّ سواء. وفي مجال حماية البيئة البحرية، أصبحت عملية خلق شبكات من المناطق المحمية بحريًّا - تأخذ في الاعتبار الارتباط الجيني بين الشعاب المرجانية - جزءًا من عملية التخطيط بشكلٍ متزايد. وكما تستكشِف قصيدة الشاعر جون دون "ما مِن إنسان يمثّل جزيرة" طبيعة الصلات الإنسانية، فكذلك يذكر البعض4 في سياق مماثل: "ما مِن شعاب تمثّل جزيرة".

وبالرغم من ذلك.. لم تُدرَس الروابط الغذائية التي تربط الشعاب المرجانية بالنظم البيئية الأرضية والبحرية دراسة مستفيضة، كما هو الحال بالنسبة إلى الروابط الجينية. وهو أمر مثير للدهشة، نظرًا إلى اللغز القائم منذ أمد طويل حول كيفية نمو الشعاب المرجانية في مياه فقيرة بالمغذيات، وهي ظاهرة تُعرَف بمفارقة داروين؛ إذ سَلَّط تشارلز داروين الضوء على هذا اللغز. إنّ إعادة التدوير المُحكَم للطاقة والمغذيات لها دور كبير بالتأكيد5، شأنها شأن العوالق بالمحيطات، التي يعبِّر عنها المَثَل القائل «حائط من الأفواه»، الذي تمثله الأسماك على الشعاب6.

تضيف دراسة جراهام وزملائه إلى تقديرنا المتنامي لأهمية الإعانات الغذائية الآتية للشعاب من مسافات بعيدة، ليس فقط عن طريق الطيور البحرية، كما هو موثَّق هنا، وإنما أيضًا من خلال طائفة متنوعة من الكائنات المفترسة تحت الماء، مثل أسماك القرش7. وعلى وجه الخصوص، يمكن للآثار البشرية أن تُحْدِث خللًًا في هذه الإعانات في كلتا الحالتين.

ولهذا العمل آثار عملية فورية، خاصةً لأن الشعاب المرجانية حول العالم تقع تحت خطر جسيم. فالكثير من الخسائر المبكرة في الشعاب المرجانية كان بسبب الإفراط في الصيد8، ولا تزال ندرة الأسماك العاشبة تجعل الشعاب أقل قدرة على الصمود10،9. إلا أن أحد الأسباب الرئيسة للقلق إزاء بقاء الشعاب الآن هو تأثير تغيُّر المناخ، وقدرة الشعاب على التعافي من الاضطرابات الناجمة عن ارتفاع درجات حرارة المحيط، التي تؤدي إلى ابيضاض الشعاب المرجانية، وموتها على نطاق واسع؛ ما يؤثر حتى على الشعاب البعيدة والمحمية11.

قد تبدو إضافة الجرذان إلى قائمة الأخطار التي تهدد الشعاب أمرًا غير مشجع، لكن اكتشاف الآثار السلبية للجرذان على الشعاب يشير بالفعل - بشكل مباشر - إلى استراتيجية محددة، قد تبطئ من وتيرة تدهور الشعاب. فقد تم القضاء بشكل كامل على الجرذان وثدييات غازية أخرى بنجاح في المئات من الجُزُر؛ ما عاد بآثار نافعة على الكثير من النظم البيئية الأرضية12. ويقترح جراهام وزملاؤه أن تكون للاستراتيجية ذاتها وغيرها من الاستراتيجيات التي تهدف بوجه أعمّ إلى حماية الطيور البحرية، أولوية فيما يخص الجُزُر المرتبطة بالشعاب المرجانية؛ للمساعدة على كسب الوقت، بينما يتمكن المجتمع من السيطرة على التغير المناخي، والإبطاء منه، كما نأمل. وفي هذه الأثناء، سيركز العلماء على دراسة كيفية تعافي هذه الجُزُر الموبوءة بالجرذان - في مقابل الجُزُر الخالية منها - من حادث ابيضاض الشعاب المرجانية التالي، والحتميّ.  

References

  1. Harper, G. A. & Bunbury, N. Glob. Ecol. Conserv. 3, 607–627 (2015). | article
  2. Nigro, K. M. et al. Restor. Ecol. 25, 1015–1025 (2017). 

     | article
  3. Graham, N. A. J. et al. Nature 559, 250–253 (2018).  | article
  4. Schill, S. R. et al. PLoS ONE 10, e0144199 (2015).  | article
  5. de Goeij, J. M. et al. Science 342, 108–110 (2013).  | article
  6. Hamner, W. M., Colin, P. L. & Hamner, P. P. Mar. Ecol. Prog. Ser. 334, 83–92 (2007). 

     | article
  7. Williams, J. J., Papastamatiou, Y. P., Caselle, J. E., Bradley, D. & Jacoby, D. M. P. Proc. R. Soc. B 285, 20172456 (2018 | article
  8. Pandolfi, J. M. et al. Science 301, 955–958 (2003). 

     | article
  9. Jackson, J. B. C., Donovan, M. K., Cramer, K. L. & Lam, V. (eds) Status and Trends of Caribbean Coral Reefs: 1970–2012 (Glob. Coral Reef Monit. Netw., IUCN, 2014); go.nature.com/2jdpbvp  | article
  10. Adam, T. C., Burkepile, D. E., Ruttenberg, B. I. & Paddack, M. J. Mar. Ecol. Prog. Ser. 520, 1–20 (2015). 

     | article
  11. Hughes, T. P. et al. Nature 556, 492–496 (2018). 

     | article
  12. Russell, J. C. & Holmes, N. D. Biol. Conserv. 185, 1–7 (2015).

     | article

نانسي نولتون تعمل في قسم علم الحيوانات اللافقارية بالمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي، مؤسسة سميثسونيان، واشنطن العاصمة 20013، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: knowlton@si.edu