كتب وفنون

الفيزياء النظرية: مائة عام على ميلاد فاينمان

بول هالبيرن يحتفي بأعمال عالِم عبقري ومُبدِع في مئوية ميلاده. 

بول هالبيرن

  • Published online:
حصل ريتشارد فاينمان في عام 1965 على جائزة نوبل للفيزياء، بالمشاركة مع آخرين.

حصل ريتشارد فاينمان في عام 1965 على جائزة نوبل للفيزياء، بالمشاركة مع آخرين.

© Kevin Fleming/Corbis via Getty

فيزيائي بارز من القرن العشرين، حاصل على جائزة نوبل؛ هكذا كان ريتشارد فاينمان بكل تأكيد، بل وأكثر من ذلك بكثير. ومع مرور مئة عام على ذكرى مولده في الحادي عشر من مايو الماضي، يذكّرنا النظر إلى إرثه العلمي والثقافي بشخصيته اللاهثة وراء التحديات متعددة الأبعاد. فقد حطمت كتبه الشهيرة تصوّرات القرّاء المُسبَقة عن العلماء بأنهم عباقرة خُرق، يرتدون معاطف المختبرات، ورسمت بدلًا منها صورة عصرية لأشخاص متحررين، لا يمتثلون لأي قيود. وقدّمت مجلدات فاينمان العلمية للباحثين أساليب ثورية جديدة للتعامل مع الفيزياء الحديثة.

كان فاينمان حاويًّا من الطراز الأول في مجال الفيزياء. ونظرًا إلى كونه خبيرًا حاذقًا في الرياضيات، يتميّز بحدس استثنائي، بدا وكأنه يبتدع حلول المسائل من الفراغ. وقد صاغ معجمًا للتعبير عن تفاعلات الجسيمات، تمثّل في خطوط متعرجة غير منتظمة وحلقات وخطوط مميزة تُعرَف الآن باسم مخططات فاينمان (انظر: D. Cressey Nature 489, 207; 2012). وتضمّن عمل فاينمان في الديناميكا الكهربائية الكمية - الذي نال عنه جائزة نوبل في الفيزياء - طرقًا لإزالة الحدود اللانهائية في العمليات الحسابية، وهي الطرق التي رآها فاينمان نفسه أشبه بخفة اليدّ. غير أن النتائج التي توّصل إليها - والتي تعادل الأساليب الرياضية الأكثر منهجية المسوغة بدقة، التي اقترحها بصورة مستقلة شريكاه في جائزة نوبل، جوليان شوينجر، وسينيتيرو تومناجا - قد تطابقت على نحو رائع مع بيانات الفيزياء الذرية.

وقبل حصول فاينمان على جائزة نوبل في عام 1965 بعقود، كان بالفعل أسطورة مشروع مانهاتن في لوس ألاموس بولاية نيو ميكسيكو، حيث ساعد في تطوير القنبلة الذرية. فقد انبهر زملاؤه وأساتذته، بمن فيهم المدير العلمي جاي. روبرت أوبنهايمر، ورئيس القسم النظري هانز بيتا، بقدراته الحسابية.

تميّز فاينمان كذلك بمرحه، إذ يمكن القول إن الحيل التي كان يقوم بها - من فتح الخزائن دون مفاتيح، والتسلل عبر الأسوار الأمنية، إلى شغفه بدقّ طبول البونجو - لا تزال خالدة في الذاكرة خلود أبحاثه العلمية. كان فاينمان يحب أيضًا رواية قصص عن نفسه، ثم مراقبة ردود الأفعال؛ فكلما زاد الشعور بالدهشة، أو بالمتعة، أو الرعب لدى مستمعيه، ازداد استمتاعه. وفي الثمانينيات، جمع صديقه وزميله في العزف على الطبول رالف ليتون بعضًا من هذه القصص في مجلدين كانا على قائمة أكثر الكتب مبيعًا، وهما: "أنت بالتأكيد تمزح يا مستر فاينمان!" Surely You're Joking, Mr. Feynman!(1985)، و"ماذا يعنيك فيما يراه الآخرون؟" What Do You Care What Other People Think?(1988).

روح مرحة

في الكتاب الأول، استعرض فاينمان، متباهيًا، سلوكياته غير الاعتيادية، وأطواره الغريبة، وكان الكتاب في معظمه مضحكًا للغاية، (حيث نرى في إحدى القصص فاينمان وهو يتخبط في إحدى تجارب مرشّات المياه في مختبر المُسرِّع الدوراني بجامعة برينستون في نيوجيرسي، محطمًا الأنابيب الزجاجية، ومغرِقًا المكان بالماء). وتُعَد القصص التي تؤرّخ لحياة فاينمان في لوس ألاموس مضحكة للغاية، مثل القصة التي تروي إخراج فاينمان للمحتويات السرية لدرج الفيزيائي إدوارد تيلر، المقفل بإحكام، بعد أن أخبره تيلر باستحالة اختراقه. ومع ذلك، يُعبِّر الكتاب عن العصر الذي كُتِب فيه في أجزائه التي تعكس تحيّزًا مزعجًا على أساس الجنس، مثل الجزء المعنون "اطلب منهن معاشرتك مباشرةً"، الذي يوضح سلوك فاينمان الاستغلالي تجاه المرأة.

كانت علاقات فاينمان بالنساء معقدة. ففي كتابه "ماذا يعنيك فيما يراه الآخرون؟"، تحدث عن تشجيعه لأخته الصغرى جوان، التي أصبحت الآن عالِمة فيزياء فلكية، يُشار إليها بالبنان، على ارتياد مجال العلوم. وحكى أيضًا كيف أن حبه لزوجته الأولي آرلين، التي توفيت بالسُلّ في عام 1945 بعد زواجهما ببضعة أعوام، قد شكّل الكثير من وجهات نظره. كتب فاينمان أغلب هذه القصص في المراحل الأخيرة من حياته، بعدما خضع للعلاج من مرض السرطان. وفي هذه المرحلة، كان أكثر إدراكًا، بلا شك، لما سيتركه وراءه من إرث.

ريتشارد فاينمان يلقي محاضرة في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في عام 1979.

ريتشارد فاينمان يلقي محاضرة في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في عام 1979.

© Caltech Archives

وفي الواقع، وتحت قناع المهرج، كان فاينمان رجلًا مرهف الحِس، عانى من أسى مبكر وحزن عميق بشأن الأسلحة الذرية التي ساعد في اختراعها. وثبطت أشباح هذه الأسلحة أبحاث فاينمان في الفترة ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية، وعام 1947، وهو العام الذي ساعدت النتائج - التي أُعلِن عنها في مؤتمر شيلتر آيلاند في نيويورك - في تبادر فكرة العمل الذي نال عليه جائزة نوبل إلى ذهنه. ففي ذلك المؤتمر، عرض الفيزيائي ويليس لام أدلة على وجود تناقض بين التوقعات الخاصة بمستويات معينة من الطاقة لذرة الهيدروجين، التي تُحسَب باستخدام معادلة ديراك، والنتائج المثبَتة بالتجربة، التي تم الحصول عليها باستخدام الموجات الميكروية لإستثارة الذَّرّة، فطَوَّر فاينمان - الذي ألهمته العملية الحسابية السريعة التي أجراها بيتا للتحقق من فرضية لام الجديدة - أساليب لحلّ هذه المسألة، وما يتجاوزها على نطاق أوسع من التفاعلات الديناميكية الكهربائية الكمية بين الجسيمات المشحونة.

سنوات ذهبية

كان العامان التاليان مثمرَين للغاية من حيث انتشار أساليب فاينمان غير التقليدية في حساب التفاعلات في فيزياء الجسيمات. فقد نشر فاينمان أوراقًا بحثية في غاية الأهمية، مثل "الديناميكا الكهربائية الكلاسيكية في حالات التفاعل المباشر بين الجسيمات"، (J. A. Wheeler and R. P. Feynman Rev. Mod. Phys. 21, 425–433; 1949)، و"نهج زماني مكاني لدراسة الديناميكا الكهربائية الكمية"، (R. P. Feynman Phys. Rev. 76, 769–789; 1949). يستند هذان البحثان إلى بعضهما البعض، وكأنهما اكتشافان في إحدى قصص شرلوك هولمز؛ إذ يقدّم البحث الثاني حلًا كاملًا لكيفية تفاعل الإلكترونات باستخدام الفوتونات. ومن خلال مخططاته، التي تصور بشكل مدهش البوزيترونات المشحونة شحنة إيجابية على أنها إلكترونات تتحرك إلى الوراء في الزمن، رسم فاينمان طيف أنماط التفاعل المحتملة، التي يسهم كلٌّ منها في الصورة الكاملة لسجل مثقل يُعرَف باسم "حاصل جمع الأزمنة". وفي رؤية فاينمان العبقرية، تكون الحقيقة الكمية أشبه بغيمة لمسارات الجسيمات المحتملة، كما لو أن مرتحلًا من إسكس إلى لندن يستطيع أن يقطع المسافة كلها بينهما بالقطار، والحافلة، والسيارة، والدراجة في الوقت نفسه.

نشر فاينمان كتابَين تمهيديين رائعَين، طرحا مقدمة لهذه الأساليب الكمية، حيث بدأ كتاب "ميكانيكا الكَمّ، وتكاملات المسارات" Quantum Mechanics and Path Integrals (1965، اشترك في تأليفه ألبرت هيبز) بأحد أقرب أدوات فاينمان إلى قلبه؛ وهي تجربة الشَقّ المزدوج، ثم انتقل الكتاب سريعًا إلى تكامل المسارات وغيرها من الأساليب المتطورة. أما الكتاب الثاني، وعنوانه "الديناميكا الكهربائية الكمية"، (QED)، (1985، قائم على سلسلة محاضرات)، فهو أيسر في فهمه؛ إذ يشرح النظرية نفسها باستخدام مخططات وأمثلة.

وبدءًا من الخمسينيات، أقدّم فاينمان على خوض مجالات أخرى كثيرة في الفيزياء النظرية؛ مثل المواد فائقة الميوعة، والموصلية الفائقة، والجاذبية، ومكونات البروتونات والنيوترونات، التي أسماها فاينمان "البارتونات". وفي بحثين لاحقين، كان لهما أثر هائل، عرض فاينمان نموذجه للتفاعل الضعيف في "نظرية تفاعل فيرمي"، (Theory of the Fermi interaction) (R.  P.  Feynman and M. Gell-Mann Phys. Rev. 109, 193; 1958)، ومقترحه للحوسبة الكمية في "محاكاة الفيزياء باستخدام الحاسوب"، (Simulating physics with computers)R. P. Feynman Int. J. Theor. Phys. 21, 467–488; 1982) (. وقد جرّب فاينمان في كل بحث من هذين البحثين تنويعات مختلفة، حتى وصل إلى استنتاجات قاطعة.

كان فاينمان أيضًا معلمًا شهيرًا، فمَن أسعدهم الحظ بحضور محاضراته هم أكثر الناس فهمًا لسرعة بديهته. كان يُدرّس مقررًا للسنة الأولى في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتيك) في باسادينا، حمل اسم "الفيزياء إكس"، وفيه كان الطلاب يطرحون أي أسئلة، وهو يجيبهم، دون أي تحضير مسبق. وكان فاينمان يحب إدهاش الآخرين، ويرفض عادةً تقديم حلول لطلابه؛ من أجل تحفيزهم على التفكير. وقد نُشِرت الملاحظات التي دونها بعناية مَن حضروا هذه المحاضرات في كتب ومقالات، مما عزز شهرته كمُحاضِر عظيم. ومن بين هذه الكتب: مجلد صدر من معهد كالتيك في ثلاثة أجزاء، بعنوان "محاضرات فاينمان في الفيزياء"The Feynman Lectures on Physics(1964). ويستند كتاب آخر - صدر في عام 1959، بعنوان "نظرية العمليات الأساسية" The Theory of Fundamental Processes - إلى ملاحظات دَوَّنها كلٌّ من بيتر كاروثرز، ومايكل ناونبيرج، اللذين كانا من طلبة فاينمان في جامعة كورنيل في إيثاكا بنيويورك، حيث عمل فاينمان أستاذًا زائرًا في عام 1958. وقد أخبرني ناونبيرج كيف أن فاينمان دخل أول محاضرة في المقرر الدراسي، ثم ألقى نظرة سريعة على السبورة، ومسح كل ما عليها من معادلات بانفعال شديد، ثم أعلن أنهم سيتعلمون الفيزياء برمتها من البداية. وفي غضون بضعة أسابيع، تقدّم المنهج من أساسيات ميكانيكا الكَمّ إلى قوانين فاينمان لحسابات فيزياء الجسيمات. أما كتاب "سِمات القانون الفيزيائي" The Character of Physical Law (1967)، وهو أحد أعمال فاينمان الأخرى، فقد استند إلى محاضراته التي ألقاها في جامعة كورنيل بعد ذلك بست سنوات.

تَحُثّنا كتب فاينمان على استكشاف العالَم بفضول منفتح، كأننا نراه للمرة الأولى. وعمل فاينمان مدفوعًا بفكرة أننا جميعًا يمكننا أن نطمح إلى أن نقفز مثله تلك القفزات العقلية الهائلة، لكن، بالطبع، ليس كل حاوٍ شاب طموح يمكن أن يصبح هاري هوديني. وبينما قد يحاول معلمون آخرون تدليل الطلبة غير القادرين على مجاراتهم في الدراسة، لم يَلِن فاينمان مع مثل هؤلاء الطلبة مطلقًا، حيث يتمثّل جوهر فلسفته في أنْ تجد شيئًا واحدًا يمكنك أن تتقن فعله، وتبذل قلبك وروحك فيه. وإنْ لم يكن هذا الشيء هو الفيزياء، فليكن أي شغف آخر.. ربما طبول البونجو.

References

بول هالبيرن أستاذ فيزياء في جامعة العلوم بفيلادلفيا في ولاية بنسلفانيا. وقد قام بتأليف 15 كتاب في مجال العلوم، أحدَثها كتابا "متاهة الكَمّ" The Quantum Labyrinth، و"زهر آينشتاين وقطة شرودينجر" Einstein's Dice and Schrödinger's Cat.البريد الإلكتروني: p.halper@usciences.edu