كتب وفنون

كتابة: الخيال العلمي حين يكون المستقبَل بين أيدينا 

ستة كُتَّاب يُحَلِّلون تداعيات حقبتنا المضطربة على حِرْفَتهم.

  • Published online:

Illustration by Señor Salme

ما بين برمجية "ألفا جو"، والأخبار الزائفة، والحرب الإلكترونية… بدا عام 2017 وكأنه ينتمي فعليًّا إلى عالَم الخيال العلمي. إنّ استعمار الفضاء، واستيطان البحار يبدوان قريبَي المنال، وهو ما ينطبق كذلك - من حين إلى آخر - على الحرب النووية والأوبئة. وفي ضوء ما يُحدِّثه التغيُّر التكنولوجي من تغيير لشكل السرعة، والاضطرابات الصادمة "الديستوبية"، التي باتت تتخلل حياتنا اليومية، ما مصير الخيال العلمي؟ هل صارت الهيمنة للأدب الروائي الرائج؟

طلبَتْ دورية Nature من ستة كُتَّاب خيال علمي بارزين (لورين بيكيس، وكيم ستانلي روبنسون، وهانو ريانيامي، وكين ليو، وألاستير رينولدز، وألييت دي بودار) تدبُّر ما استطاع هذا النوع الأدبي أن يقدّمه في نهاية ذلك العام الاستثنائي.

لورين بيكيس

قوة النزعة المستقبلية الأفريقية

يتألف أحدث كتب لورين بيكيس - الذي يحمل عنوان "مراوَغة" Slipping - من مجموعة من القصص القصيرة والمقالات.

هل يناسب الخيال العلمي عصرًا يشهد تغيّرًا مناخيًّا كارثيًّا، وأزمة لاجئين، وصعودًا لليمين المتطرف؟ الإجابة هي نعم؛ ولا يرجع سبب ذلك إلى ما يتنبأ به عن مستقبل العالَم، وإنما إلى الكيفية التي يكشف بها عن هويتنا داخله.

كتبت الروائية أورسولا كيه لي جوين في قصتها القصيرة الصادرة في عام 1973 بعنوان "مَن يبتعدون عن "أوميلاس"" The Ones Who Walk Away From Omelas عن يوتوبيا خيالية تحققت، مقابل ثمن فظيع، يعلم الجميع بشأنه؛ وهو تعذيب طفل في غرفة واقعة أسفل المدينة، وسط القذارة والظلام، في مقابل سعادتهم.

تُمثّل "أوميلاس" Omelas - في نظري - وسيلة مؤثرة لفَهْم العالَم الذي نشأت فيه، بصفتي فتاة بيضاء جنوب أفريقية، عاشت خلال حقبة التمييز العنصري. يؤلف البيض حوالي 9% من سكان جنوب أفريقيا، لكنهم حتى عام 1994 كانوا يحتجزون بقية السكان رهائن في ظل نظام عنصري وحشي عنيف، يجبر الملونين على العمل بالسخرة، وارتياد مدارس متدنية المستوى، ويستجيب للمقاومة بإطلاق الغاز المسيل للدموع، والرصاص، وفرق الاغتيالات، ومعسكرات التعذيب.

يتيح لنا الخيال العلمي المسافة اللازمة لتحاشي الإنهاك الناجم عن مناقشة قضايانا في الأوقات شديدة الاضطراب التي نعيشها. فبمقدورنا تمثيل الأفكار والسيناريوهات، لأننا كائنات قِوام حياتها الحكايات الرمزية، والأساطير، والاستعارات، ومؤتمرات "تيد"، والمعضلات الأخلاقية على غرار معضلة عربة الترام. والأدب الروائي هو الوسيلة التي نحاول بها فهم أنفسنا.. فعن طريق تخيُّل ما يستحيل تخيّله، من الممكن أن نجعل الواقع محتمَلًا بقدر أكبر.

النزعة المستقبلية الأفريقية هي حركة فنية، وجمالية، وفلسفية، تجمع بين الخيال العلمي، والسحر، والمعتقَدات الموروثة، وتاريخ السود، والثقافة. ومن الأمثلة على هذه الحركة أعمال الأديبة النيجيرية الأمريكية نيدي أوكورافور، التي تنسج أكثر من نوع أدبي في العمل الواحد، وفيلم الواقع الافتراضي "داكار الأخرى"The Other Dakar ، الصادر في عام 2017 للمخرجة السنغالية سيلي رابي كين، وحركة "أفرو بابل جَم" الفنية للمخرجة الكينية وانوري كاهيو، وكتاب "مملكة أزوتوس"Azotus the Kingdom  (اتحاد كُتاب مالاوي، 2015) عن يوتوبيا مشؤومة للكاتب المالاوي شادريك تشيكوتي. كل هذه الشخصيات منشغلة بالقضايا الاجتماعية المتفردة الخاصة بالدول النامية، وبالطرق الإبداعية البديلة غير المتوقعة، التي يمكن أن يستجيب بها مَن يعيشون في هذه الدول لهذه القضايا.

ولعل الجانب الأكثر إثارة للنزعة المستقبلية الأفريقية هو كيفية تجاسرها على تخيّل مستقبَل لهذه القارة، التي طالما نُبِذَت على نحو كريه على مدار التاريخ، ووُصِفَت بأنها "القارة السمراء". لا يتعلق الأمر بالضرورة بتخيّل مدن بديلة، وإنما بالطرق الفعلية التي يحدث بها التمزّق وإنهاء الاستعمار في أرجاء القارة حاليًّا.

لقد تأسس دستور عام 1997 الديمقراطي لجنوب أفريقيا على المبدأ الفلسفي الأفريقي المسمى "أوبونتو"؛ ويعني أن الإنسان إنسان بفضل غيره من البشر. وهذه نظرية إنسانية رشيدة، تقضي بأننا كلنا مترابطون، ونعتمد على بعضنا البعض. وأكثر أعمال الخيال العلمي إثارة للاهتمام تتدبر ما يعنيه أن نكون بشرًا، وذلك ليس فقط من منظور ما تفعله التكنولوجيا بنا، وإنما أيضًا من منظور ما نفعله نحن بها. وفي جنوب أفريقيا، وفي ظل ما نواجهه من تحديات متفردة، ونقصٍ في الموارد، نبتكر خطة، ونباشر تنفيذها بسرعة. والمصطلح المستخدم لوصف هذا الأمر باللغة "الكوسية" هو vuku’nzenzele ؛ وتعني: انهض، وباشر الأمر بنفسك.

"القصص التي نرويها بأنفسنا عن أنفسنا تشكِّل هويتنا، وما نستطيع أن نكون عليه".

الابتكار في أفريقيا هو بمثابة "عملية تجميع"، نتولاها بأنفسنا؛ فنحن نسلب أفضل الأجزاء من التخصصات والتقاليد المختلفة؛ كي نبتكر حلولًا تصلح لظروفنا الفريدة. ويجب على المعرفة الأهلية والاجتماعية أن تترافق إلى جوار العِلْم والطب المتعارَف عليهما. وتتراوح أمثلة ذلك ما بين تطوير تطبيقات هواتف محمولة رائدة للسداد، مثل "إم-بيزا"، وصولًا إلى تصميم طائرات ورقية، لاستخدامها كطائرات التصوير بلا طيّار؛ من أجل عمليات المسح الجغرافي، وكذلك إرسال رسائل نصية إلى الأشخاص المصابين بالسل، وفيروس نقص المناعة البشرية؛ من أجل تذكيرهم بتناول أدويتهم. ويصل تطبيق "فيمبا" ضحايا الاغتصاب بمنظمات الأزمات، كما طوّر باحثون في جامعة ستيلينبوش - الواقعة بالقرب من مدينة كيب تاون - أكياس شاي مصنوعة من ألياف نانوية؛ من أجل ترشيح المياه في المناطق الريفية.

إنّ تفرُّدنا يكمن أيضًا في الكيفية التي نروي بها قصصنا. وهذا يتضمن اكتشاف أحد أشباه البشر، المعروف باسم "هومو ناليدي"، الذي يعود إلى 250 ألف سنة مضت. فقد هبط فريق نسائي بالكامل من "رائدات فضاء ما تحت الأرض" إلى "كهف النجوم" بالقرب من جوهانسبرج؛ من أجل استخراج البقايا، وذلك باستخدام لغة علم الفلك؛ للتحرر من تاريخ علم الحفريات، الذي طالما استُخدم في تدعيم العنصرية.

كل ما سبق يمثّل الأسباب التي تجعلنا نحتاج إلى الخيال العلمي في أفريقيا. فالقصص التي نرويها بأنفسنا عن أنفسنا تشكِّل هويتنا، وما نستطيع أن نكون عليه.

Illustration by Señor Salme

 

كيم ستانلي روبنسون

النظر إلى الواقع بنظارات ثلاثية الأبعاد

أحدث كُتُب كيم ستانلي روبنسون هو "نيويورك 2140"  New York 2140.

 

نحن نعيش الآن داخل رواية خيال علمي، نكتبها جميعًا معًا.. فالحاضر يبدو خطيرًا، وسريع التقلّب، والمستقبل الذي سيتحقق بالفعل يكتنفه عدم يقين شديد. فقد ينطوي على حياة طيبة للبشر المستقبليين في محيط حيوي يتسم بالمشاركة، والاعتماد المتبادل، أو من الممكن أن يشهد تغيرًا مناخيًّا حادًّا، وانقراضًا جماعيًّا، وانهيارًا زراعيًّا، وصراعات شديدة مُهْلِكة بين جماعات بشرية يائسة، مثل حروب نووية.

من أجل تَفَهُّم هذا النطاق العريض والعجيب من صور المستقبَل المحتمَلة، أنوي تناول كل قصة منه على حدة، وسأطبِّق في ذلك مجموعة من الأفكار المُنظِّمة.

الخيال العلمي هو المدرسة الواقعية لعصرنا. وهو يصف الحاضر بالطريقة التي يستهدف بها الرامي في رياضة قنص الأطباق الطائرة الطبق الفخاري؛ إذ يوجّه بندقيته قبل لحظة من إطلاق الطبق؛ كي يكشف عما لم يتحقق في الحاضر بعد، لكنه يخلِّف تأثيرًا عليه بالفعل. يمنحنا ذلك صورًا استعارية ومنظومات دلالية؛ لمساعدتنا على تصوُّر لحظتنا الحاضرة. ومن ثم، كما في أي صورة أخرى من صور الفن الواقعي، تمسك بخيط واحد فقط من نسيج الموقف الكلي، ثم تتتبع إلى أين يقودك.

وسبب ذلك هو أن الرواية ليست عالمًا كاملًا. وحتى لو كانت تدور حول أحد العوالِم، فهي مجرد قصة واحدة من بين ملايين القصص التي يمكن روايتها، ولذا.. ليس عليها أن تصف كل شيء.

نحن نقرأ الأدب الروائي، كي نمرّ بخبرتين من خبرات الخيال العلمي؛ ألا وهما: السفر عبر الزمن، والتخاطر. يأخذنا هذا الأدب إلى أزمنة وأماكن أخرى (فترة الوصاية على العرش في إنجلترا، أو العصر الجليدي، أو أقمار المشتري)، كما يُدْخِلنا عقول الناس، حيث نسمع أفكارهم، ونشعر بمشاعرهم.

وبمقدور الخيال العلمي أن يصف أي زمن، بدءًا من الغد، حتى مليارات السنوات في المستقبل. وهذا نطاق عريض للغاية، ويخلق عددًا من الأنواع الأدبية الفرعية، كلٌّ منها له سماته الخاصة.. فأوبرا الفضاء التي تدور أحداثها في المستقبل البعيد تَستخدِم الكون كله كمكان لحدوث القصة، وأحيانًا يكون التأثير الناتج مذهلًا. أما الخيال العلمي، الذي تقع أحداثه في المستقبَل القريب، فينتمي إلى الواقعية التنبؤية، التي وصفتها فيما سبق. وفيما بين هذين النوعين، لِنَقُلْ مثلًا بعد قرن إلى ثلاثة قرون من الحاضر، يوجد نطاق قصصي أقل شعبية، أجده مثيرًا للاهتمام. يمكنك أن تُطْلِق عليه اسم "التاريخ المستقبلي". إن القصص الواقعة في هذا النطاق تشبه الروايات الاجتماعية المكتوبة في القرن التاسع عشر؛ إذ لا تتفاعل شخصياتها مع بعضها البعض فقط، وإنما أيضًا مع مجتمعاتها، بل وكواكبها كذلك. ومن الممكن - في ضوء التعقيد المحير الذي يتسم به الحاضر - أن يتيح لنا وصف أحداث تجري بعد مرور قرن من الآن، وفكّ تشابك بعض العناصر المختارة؛ من أجل دراستها دراسة أدق.

إليكم رأيي في الكيفية التي يعمل بها الخيال العلمي من الناحية الجمالية. فالخيال العلمي ليس تنبؤًا، وإنما له في الواقع تأثير مزدوج، مثل النظارات ثلاثية الأبعاد. ومِن خلال إحدى العدستين، نقوم بمحاولة جادّة لرسم مستقبَل ممكن. ومن خلال العدسة الأخرى، نرى حاضرنا على نحو مَجازيّ، في نوع من التشبيه الملحمي، مفاده: "يبدو الأمر كما لو أن عالَمنا يشبه ذلك". وعندما تندمج هاتان الرؤيتان معًا، فإن البُعد الثالث المُصطنع الذي يظهر إلى الوجود هو – ببساطة – "تاريخ". فنحن نرى أنفسنا، ومجتمعنا، وكوكبنا "عمالقة غارقين في دوامة السنوات"، حسب تعبير مارسيل بروست. ولذا.. فإن البُعد الرابع هو ما يظهر حقًّا أمام أعيننا؛ وهو الزمن السحيق، ومكاننا فيه.

يعجز بعض القرّاء عن تحقيق ذلك الدمج. ومن ثم، فهم لا يحبون الخيال العلمي؛ إذ إنه يسطع على نحو مجافٍ للواقع، ويصيبهم بالصداع، لكنك إذا تركت عينيك تسترخيان؛ فمِن الممكن أن تكون النتائج واضحة على نحو مذهل.

 

كين ليو

الاحتفاظ بإنسانيتنا في الكوارث

أحدث كُتُب كين ليو هو "حائط العواصف" The Wall of Storms، وهو الكتاب الثاني في سلسلته "سلالة الهندباء" Dandelion Dynasty، المنتمية إلى النوع الأدبي "سيلك بانك"، التي تلقّت إشادات نقدية.

 

حين شاهدتُ فيلم "بليد رانر 2049" Blade Runner 2049 ، خطر ببالي أننا في هذا الفيلم - كما في سلفه الصادر في عام 1982، بعنوان "بليد رانر"  Blade Runner، الذي تدور أحداثه في عام 2019 - بصدد مستقبَل تهيمن عليه السيارات الطائرة. والخيال العلمي - حتى ذلك النوع الذي يأخذ فكرة "علم المستقبليات" بجدية - لم يكن يجيد التنبؤ بالواقع. فانظر حولك: أين المستعمرات القمرية، أو المنافذ الموجودة في مؤخرة جماجمنا التي تمكننا من التجوّل داخل المصفوفة؟

لقد قضيتُ جزءًا كبيرًا من حياتي المهنية أؤدي عملًا أشبه بمؤرخ التكنولوجيا (وذلك – في الأساس - لصالح المتخاصمين في منازعات براءات الاختراع، وأسرار المهنة). وتشخيصي الشخصي للمشكلة هو أن محاولاتنا لتصوُّر المستقبَل تعرقلها حقيقة أن تطوّر التكنولوجيا تهيمن عليه البدايات الخاطئة، واللقاءات غير المتوقَّعة، وتأثير ظروفنا السابقة على قراراتنا الحالية. فما مِن شخص رأَى أول صفحة بلغة تمييز النص التشعبي (HTML)، التي صممها مخترع الشبكة العنكبوتية العالمية تيم بيرنرز لي، كان ليتنبأ بظهور مواقع، مثل "تمبلر"، و"تويتر"، أو يتصوّر أن استخدام الفلاتر على الصور الذاتية (السيلفي) سيصير صناعة، قوامها عدة مليارات من الدولارات. إن الأحداث النادرة التي يستحيل التنبؤ بها (التي تُسمَّى مشكلة "البجعة السوداء") تعرقل كل منحنى استقرائي سلس.

ومع ذلك.. لا يسعنا إلا أن نتقبّل قابليتنا الجوهرية للخطأ هذه في مواجهة المستقبَل غير القابل للتنبؤ. وعلينا أن نبتكر نظريات، يستحيل التحقق من صحتها، وقصصًا تُعامَل معاملة المسَلَّمات، تَبنِي بأثر رجعي سردًا معقولًا، ومن ثم يجعل هذا السرد المسار الذي سلكناه يبدو حتميًّا.

نحن البشر أَسْرَى المغالطة السردية.. فالعالَم المادي ربما يكون عشوائيًّا على نحو يستحيل اختزاله، غير أن عقولنا تطوّرت على نحو جعلها تعزو السببية إلى علاقات الارتباط، وترى أنماطًا داخل الضوضاء، وتفهم التاريخ، لا بوصفه حدثًا يقع تلو الآخَر، وإنما باعتباره عملية تَكَشُّف لخطة عظيمة ما؛ ربما تكون صنيعة يدّ مؤلف.

يبدو أن وتيرة الابتكار تتسارع، وتُعَظِّم التكنولوجيا المتقدمة قوةَ كل فرد في عالَمنا المعقد. ولهاتين النقطتين جوانب نافعة، وأخرى ضارة. فمن الممكن الآن لشخص واحد أن يُخضِع العالَم تحت سيطرته، بفضل "كُود حاسوبي" جيد التصميم، وفي المستقبَل القريب ربما يتمكّن أحدهم من تصميم فيروس بيولوجي، ويفتك بالملايين. لقد صار العالَم أكثر عشوائية واستعصاءً على التنبؤ.

وتمثّلت استجابة الخيال العلمي لذلك في القيام بالمزيد والمزيد من التنبؤات التخيّلية. فهل ستمكِّننا الهندسة الوراثية من أن نعيش مئات الأعوام؟ هل سيجري تحميلنا إلى داخل السحابة الحاسوبية، كي نعيش كآلهة رقمية؟ هل سيَسْتَعبِدنا ذكاء اصطناعي خارق ما؟ أم هل سنبتكر اقتصادًا إبداعيًّا في عالَم ما بعد النُّدرة، بحيث تظهر الكائنات الفضائية أخيرًا؛ كي ترحب بنا في الجمهورية المَجَرِّية؟

على الأغلب.. لن تتحقق أيّ صورة من صور المستقبَل هذه. فهي تُستنتَج بسهولة بالغة من مسار الحاضر. والواقع لا يسير وفق حبكة مُحْكَمة، أو يستوفي مسارات تطوّر شخصياتنا.. فالمستقبَل الذي سوف نعيشه سوف يكون أغرب من هذه الرؤى، وأبسط منها أيضًا.

ورغم أن الخيال العلمي لا يفيد كثيرًا في معرفة المستقبَل، إلا أنه لا يُوَفَّى حقه، بوصفه وسيلة للاحتفاظ بإنسانيتنا في مواجهة التغيّر المتواصل. إنّ عالمنا الواقعي الذي تهيمن عليه عمليات المراقبة الجماعية، ودعاية المؤسسات، ربما يكون أكثر شرًّا وتعقيدًا من العوالم التي تَخَيَّلها جورج أورويل في رواية "1984"، أو ألدوس هَكسلي في رواية "عالم جديد شجاع" Brave New World، غير أن أبطال هاتين الروايتين لجأوا إلى ماضينا؛ بحثًا عن القيم الإنسانية الجوهرية، واتخذوا منها ملاذًا يحميهم من الاستبداد التكنولوجي المهيمن، والتشتيت المخدِّر للحواس. وتظل هذه الفكرة خالدة.. فربما عجز أدب الخيال العلمي - المسمَّى "سايبر بانك" - عن التنبؤ بعالَمنا ذي اتصالات الأجهزة المحمولة الدائرة على الدوام، أو الواقع المُعزَّز المتحقِّق من خلال الهواتف الذكية، عوضًا عن النظارات والأجهزة المرزوعة في الأجساد، لكنه مَنَحَنا مفردات للتفكير بشأن الوجود الافتراضي، بوصفه جزءًا أساسيًّا من العلاقات الإنسانية التي تُيَسِّرها التكنولوجيا. فعن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات الدردشة الثرية، أستطيع الآن الحفاظ على صداقات ذات مغزى داخل الفضاء الإلكتروني، رغم أنني نادرًا ما أتجسد على صورة "أفاتار"، كما تصوّر العديد من كُتاب الخيال العلمي من نوعية "السايبر بانك".

لطالما ارتكز الخيال العلمي - الذي يصمد في وجه الزمن - على بناء السرديات الإنسانية، أو الأرواح - لو أردتَ استخدام هذه الكلمة - في مواجهة التغيّر الكارثي. وأشعر أن هذه المهارة سيزداد احتياجنا إليها في مواجهة مَواقف عدم اليقين التي ستواجهنا، وإنْ كنتُ لا أستطيع التنبؤ بذلك.

Illustration by Señor Salme

 

هانو رايانيامي

بِناء عوالِم أغرب

سيكون كتاب هانو رايانيمي القادم رواية تشويقية، تدور أحداثها في تاريخ بديل، وعنوانها "سمرلاند" Summerland.

 

في مسلسل "أشياء خارقة" Stranger Things، الذي عُرِض على شبكة "نِتْفِلِيكْس"، تتعرض بلدة أمريكية صغيرة ذات أجواء تثير الحنين في ثمانينات القرن العشرين إلى هجوم من قوى خارقة للطبيعة. وكي يتفهم أبطال المسلسل - وهم أطفال في مقتبل مرحلة المراهقة - ما يحدث، يلجأون إلى لعبة "سجون وتنانين" الكلاسيكية، ويُسمّون الوحوش الغازية على اسم كائنات موجودة في هذه اللعبة.

يتعرض عالَمنا أيضًا لغزو من كائنات غريبة.. فقد صارت إحدى الخوارزميات قادرة على هزيمة أفضل اللاعبين البشر في لعبة الألواح "جو"، التي يبلغ عمرها 2500 عام بعد ثلاثة أيام من اللعب. وربما تتمكن المحرِّكات الجينية في وقت قريب من نشر جينات كَبْح المجموعات لدى البعوض الحامل للملاريا. ويمتلك واحد من أثرياء وادي السيليكون فرصة جيدة - على الأقل - لأنْ يُدفَن في المريخ. ليس من قبيل المفاجأة إذًا أن تستعين وسائل الإعلام بشخصيات أيقونية من عالَم الخيال العلمي، حين تصف هذه التطورات، فمِن الأسماء التي يتكرر استخدامها: "ذا تيرميناتور"، أي "المُبِيد"، و"فرانكنشتاين"، و"الرجل الحديدي".

يَسْخر العلماء الممارسون من هذه المقارَنات؛ إذ يعلمون إلى أيّ مدى تتسم التجارب الأولية والتكنولوجيات الناشئة بالهشاشة. وبعض العلماء الذين تعرّفتُ عليهم في المجال الأكاديمي، وفي شركات التكنولوجيا الحيوية الناشئة يجدون صعوبة كبيرة في تقبُّل الخيال العلمي، ويسأمون من محاولة وصف أعمالهم في مقابل خلفية من الأفكار المُسبَقة. ومع ذلك.. فبإمكان الخيال العلمي أن يساعد العلماء - وغير العلماء - على فَهْم بعضهم البعض، وعلى فهم حقبتنا التي يسودها الاضطراب.

ولكي نفهم كيف نفعل ذلك، علينا النظر إلى ما وراء مجازات الخيال العلمي المُستهلَكة، بحيث نتناول الكيفية التي نقرأها بها. ففي أدب الخيال العلمي، شأنه شأن سائر صنوف الأدب الروائي الأخرى، تحصل على فرصة أنْ تَكُون شخصًا آخر؛ غير أن العالَم الخيالي مِن حولك يكون غير مألوف كذلك، ويدعوك إلى تعلُّم قواعده من الداخل. ويجب على القارئ الانخراط في عملية إضفاء للمعنى على ما يقرأه، في ضوء تأكيد المؤلِّف الضمني على أن ثمة نظامًا كامنًا قابلًا للاكتشاف. وحين يحدث ذلك، تكون هناك عادةً لحظة تَسامٍ، تنتاب فيها القارئ القشعريرة، وتفتح في خياله مَشاهِد أعظم، تتجاوز حدود الصفحة التي أمامه.

إنّ إحساس التعجب هذا هو أقرب إحساس يضاهي متعة الاكتشاف العلمي يمكن الحصول عليه، دون ممارسة العلم حقًّا. ويحمل ذلك قيمة عظيمة للفهم الجماهيري للعلم. فتعليم الباحثين تخيُّل تأثير تكنولوجيا جديدة من منظور الشخص الذي يخوضها بصورة مباشرة يُعَد وسيلة أكثر فعالية لمنحهم إحساسًا بالمسؤولية، مقارنة بأي تقرير استشاري، أو إحصائية. وبينما نتدبر الشلل الاجتماعي في مواجهة التغيّر الغامر، الذي يُعرَف بالصدمة المستقبلية، وهو المصطلح الذي ابتكره المؤلف ألفين توفلر في سبعينات القرن العشرين، بإمكان الخيال العلمي أن يقينا منه.

ومن ثم، فعلى هذا النوع الأدبي أن يعمل الآن بجد أكبر؛ كي يجعل عوالمه أغرب. وتَبَنِّيه حديثًا لأصوات متباينة من شتى أنحاء العالم يساعد في هذا الصدد. ومن أجل صياغة المجازات العلمية والتكنولوجية المناسِبة لحقبتنا المعقدة، علينا أن نلجأ إلى العلوم المعقدة.. فلا تزال علوم معينة - كعلم الأحياء، وعلم الأعصاب، وعلم الاقتصاد - غير مستخدَمة كما ينبغي في الخيال العلمي الحديث، رغم أن أعمال مؤلفين معينين، مثل يوهانا سينيسالو، ونانسي كريس، وآخرين غيرهما، تُبيِّن مدى قوة هذه العلوم، وما تثيره من عجب، فتُعَلِّمنا مثل هذه الروايات التعاطف مع الشخصيات التي تحاول الهروب من أَسْر منظومات بشرية وتكنولوجية وبيئية معقدة، وهو ما يمكننا أن نسميه "أدب المنظومات".

ومثلما يبدأ البحث العلمي حاليًّا في تبنِّي الانفتاح، وتقبُّل العلماء المواطنين، يشرع بعض المؤلفين في تجربة عملية بناء عوالم خيال علمي تعاونية، فما كان مارك واتني، بطل رواية "المريخي" The Martian (2011)، ليتمكن مِن أن "يخرج عن طريق العِلْم" من ورطته على المريخ، دون مساعدة القُرّاء، الذين استعان بهم المؤلف آندي وير عبر الإنترنت لقراءة النسخة المبدئية من الرواية، والذين تحققوا بدقة فائقة من كل تفصيلة فنية. والحفاظ على ارتباط الخيال العلمي بالعلم الحقيقي يعمل هو الآخر على تغيير كيفية كتابتنا له.

إنّ ما يُمكِّن أبطال مسلسل "أشياء خارقة" - في نهاية المطاف - من الانتصار ليس معرفتهم التقليدية بلعبة "سجون وتنانين"، وإنما الدروس التي تعلموها من لعبهم لها: العمل معًا من أجل تحديد ملامح المجهول، وتجنُّب شِراكه، وجلب الكنز إلى المنزل. وحين نعود من الرحلة، ربما لا يكون العالَم أقل غرابة أو إثارة للصدمة، لكنه قد يكون أكثر إثارة للعجب فحسب.

 

ألاستير رينولدز

شعراء الاضطراب

تُعَد رواية "المنتقِم" Revenger من أحدث روايات ألاستير رينولدز. وقد نُشِرت أحدث رواياته، "نار إيليزيم" Elysium Fire، في يناير من العام الحالي (2018).

 

في حاضرٍ ينتمي إلى الخيال العلمي، مِن الممكن أن يكون التفكير في صور المستقبَل صعبًا. ففي عام 2017، حين هزمت خوارزمية "ألفا جو" - التي صممتها شركة «ديب مايند»، التابعة لشركة «جوجل» - أفضل لاعبي العالم في لعبة "جو"، وهو أمر طالما اعتُقد أنه خارج نطاق قدرات الذكاء الاصطناعي، كان من العسير ألا نشعر أننا تجاوزنا بذلك منعطفًا مهمًّا. كما صارت أمور عديدة أخرى عادية، مثل الأجنة الهجينة، التي تجمع بين البشر والخنازير، والرحلات الفضائية التجارية، والأطراف الصناعية العصبية، والحرب الإلكترونية. وعلى مقربة.. تلوح أحداث مفاجئة مؤثرة، بدءًا من الأوبئة العالمية، وصولًا إلى زراعة الأدمغة، ومنظومات هايبرلوب للنقل، واستيطان البحار.

وفي حاضرنا، الذي يتسم بهذا القدر من التعقيد، ربما يقول البعض إن الخيال العلمي، بوصفه مشروعًا تنبؤيًّا جادًّا، قد ولَّت أيامه، وانقضت، لكنْ تَدَبَّر حال كاتب خيال علمي منذ قرن مضى، وهو يَستعرِض عالَمه في مستهل عام 1918، ويحاول التفكير على نحو مُقْنِع في الحقبة المقبلة. كانت لتبدو له العقود السابقة أشبه بتدافُع متزايد السرعة للثورات العلمية، والتكنولوجية، والاجتماعية.

ففي ذاكرته الحية، قهرت قوة البخار "عصر الشراع المحارب"، كما بدأت الكهرباء تحلّ محل الغاز، كوسيلة لإضاءة المدن. وأخذت السيارات والشاحنات تحل محل الخيول، وكانت الحرب الميكانيكية في سبيلها للهيمنة على أرض المعارك (إذ دخلت أولى الدبابات الخدمة في عام 1916). وكانت توجد منظومة تلغرافية عابرة للمحيط الأطلنطي - وهي أول أجزاء البِنْية التحتية لشبكة الاتصالات العالمية - منذ عام 1858، غير أنها كانت تبدو عتيقة الطراز بالفعل، مقارنة بالراديو والتلغراف اللاسلكيين، اللذين طوّرهما جولييلمو ماركوني وآخرون، ومنهم ريجنالد فيسيندين، الذي كان أول مَن بيَّن إمكانية نقل الصوت لاسلكيًّا في عام 1900. وكانت النظرية النسبية العامة لأينشتاين ستجتاز - بعد وقت قريب من ذلك الحين - أول اختباراتها التجريبية، حتى بينما كانت الثورة الكَمِّية تتسارع وتيرتها.

كان من شأن هذا الكاتب أن يعي اكتشافات أخرى ذات تبعات مؤثرة، من بينها اكتشاف البنْية دون الذرية، والأدلة على وجود أنظمة بيئية عمرها 500 مليون عام في حفريات منطقة طَفل بورجيس الكندية، وتجارب الكيميائي فريتز هابر على تثبيت النيتروجين، إضافة إلى استكشافات توماس هانت مورجان للجينات، باعتبارها وحدات متفردة للوراثة في ذبابة الفاكهة، وإعلان ألفريد فيجنر عن الانجراف القارِّيّ. وقد توالت الأخبار المتعلقة بكلٍّ من هذه الأحداث بسرعةٍ تصيب بالدوار.

ما كان للمستقبَل أن يبدو أقل يقينًا، ولا أن يبدو الحاضر أقل سلاسة. ومع ذلك.. فإن فترة التغيُّر وانعدام اليقين هذه تحديدًا هي التي أدّت إلى مولد الخيال العلمي، بوصفه ظاهرة ثقافية واسعة الانتشار.

إنّ الخيال العلمي يكون في أدنى صوره فائدةً وإثارة للاهتمام حين يكون الطريق نحو المستقبل خاليًا من الجدل. ولهذا السبب.. فإن لدينا بيوت خبرة ومعاهد لدراسة علم المستقبليات، تنخرط في عملية منخفضة المخاطر من الاستقراء وتقدير الاحتمالات المستقبلية على نحو يقظ وجدير بالاحترام. في المعتاد.. سيَثْبُت خطأ ما تذهب هذه المؤسسات إليه، لكنها - على الأقل - ستمد الحكومات والشركات بقدر من الطمأنينة.

ليس هدف الخيال العلمي هو بثّ الطمأنينة، بل هو مكرّس للاضطراب، والتحوُّل، وانعدام القدرة على التنبؤ. وفي أوقاتنا هذه التي يسودها الاضطراب، نحتاج إلى هذا الخيال أكثر من أي وقت مضى.

 

ألييت دي بودار

حاجتنا إلى قصص العِلْم

Illustration by Señor Salme

أحدث كتب ألييت دي بودار هو "منزل الأشواك المُقيّدة" The House of Binding Thorns.

 

في عام 2017، شاهدتُ نظام العالَم وهو يختل؛ إذ شهد العام قلاقل سياسية، وهجرات جماعية، وشبكات تواصل اجتماعي مُسيَّسة حديثًا، وطائرات بلا طيّار تهرِّب مخدرات، وقوة عاملة روبوتية بالمصانع، لكنّ عصرًا مشابِهًا من الاضطراب أنتج الخيالَ العلمي الحديث، وتَسَبَّب في تغيير اجتماعي اقتصادي واسع النطاق، سواء أكان ذلك إلى الأفضل، أم إلى الأسوأ.

فقد شهد القرن التاسع عشر في الغرب ثورات متتابعة، بداية من التحسينات الضخمة في الصحة على مستوى العالم، وصولًا إلى انتشار التصنيع. وتَحَقَّق العديد من أوجه التقدّم العلمي والتكنولوجي في مقابل ثمن فادح، وهو ما أوضحه الحجم الجسيم للهجرة وانعدام المساواة؛ إذ فشل الفقراء والمضطهدون والمُستعمَرون غالبًا في الانتفاع من هذا التقدّم.

واليوم، يتغلغل العلم في حياتنا، بداية من اللقاحات الجديدة المقاوِمة لفيروس الورم الحليمي، وصولًا إلى الهواتف الذكية الموجودة في كل مكان، التي تؤدي وظيفة المساعِدين الشخصيين، وماكينات دفع الأموال. ويشكِّل الخيال العلمي - مثلما كان في الماضي - قصص العِلْم. والقصص، بدورها، تشكّل قواعد الواقع: فهي الأساس الذي ندرك - بناءً عليه - عالمنا، ونجعله يتغير. ومن ثم، ففي أوقات التحديات العظيمة، تمنحنا القصص استراتيجيات لمجابهة هذه التحديات. وبالنسبة لنا نحن معشر كُتّاب الخيال العلمي، مِن الممكن أيضًا أن تكون التحديات المهيبة مُحفِّزة؛ إذ تُمثِّل دعوة لاستنهاض الهمم، سواء في الكتابة، أم الحياة الواقعية.

في استطاعة الخيال العلمي أن يخبرنا بما ستؤدي إليه الأبحاث، وفي استطاعته أن يخبرنا أيضًا بنوعية المجتمعات، ونوعية الحياة، التي نعمل على تشكيلها، وفي استطاعته أن يُحدِّثنا عن استخدام العِلْم، وعن الضمير والأخلاق، وعن الغرض والرؤية الأكبر الكامنَين وراء الاكتشافات. وهذه محفزات مهمة تدفعنا إلى تحقيق هذه الاكتشافات. كذلك يخبرنا الخيال العلمي عن صور الظلم المجحف الموجود بين أولئك الذين يستفيدون من أوجه التقدّم العلمي والثروة، وأولئك الذين تخلفوا عن الرَّكْب.

"قد يخاطر الخيال العلمي بفقدان ما يتسم به من إحساس غريب، حتى بينما تستعير الأنواع الأدبية الأخرى مجازاته".

وفي استطاعة الخيال العلمي أيضًا أن يقدم لنا قصصًا تحذيرية، فعلى سبيل المثال.. تحلِّل قصة مالكا أولدر "حُكم المعلومات" Infomocracy (دار نشر تور، 2016) الديمقراطية، وتقدم لنا أفكارًا بشأن كيفية تعزيز قوتها. كما تبيِّن لنا قصة آن ليكي "العدالة التابعة"Ancillary Justice  (دار نشر أوربيت، 2013) تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وما قد يعنيه الإحساس بالذات لذكاء اصطناعي موزَّع. وتخبرنا قصة يوون ها لي "شِرك الغراب" Raven Stratagem  (دار نشر سولاريس، 2017) عن المرونة والذاتية، اللتين يتسم بهما انقضاء الزمن في البيئات المختلفة، بل وكيف يمكن استخدام هذا كسلاح في أُطُر زمنية معينة.

لقد انتقل الخيال العلمي إلى الثقافة الشعبية بالتزامن مع تغلغل العلم في جوانب الحياة اليومية كافة. ومن ثم، فهو قد يخاطر بفقدان ما يتسم به من إحساس غريب، حتى بينما تستعير الأنواع الأدبية الأخرى مجازاته. وثمة مسلسلات تلفزيونية، مثل مسلسل "الفضاء الرحب" The Expanse، الذي اقتبسه مارك فيرجوس وهوك أوستبي عن روايات الخيال العلمي التي كتبها جيمس إس إيه كوري، تحظى بشعبية عريضة لدى مشاهدين ربما لا يقرأون هذا النوع الأدبي بصورة دورية. أشعرُ أن هذا يشكّل علامة على الأهمية والحيوية المتزايدتين للخيال العلمي. وبينما تتسارع وتيرة الاكتشاف العلمي، ويصير تأثيره علينا أعمق، أرى أن الخيال العلمي والأدب الشعبي الرائج يصيران أكثر تشابكًا، بحيث يستعير كل منهما من الآخر مجازاته، وصوره، وأفكاره. وسواء تجسدت هذه المجازات، والصور، والأفكار في كتابات أدبية، أم في كتابات خيال علمي، أم في كلا النوعين من الكتابات، فسنحتاج إلى قصص العِلْم بصورة أكبر من ذي قبل.

وسبب ذلك هو أن في استطاعة العِلْم في الوقت الحاضر – مثلما كان في الماضي - أن يفيد المجتمع على نحو انتقائي، أو أن يُستخدَم بصورة مسيئة، مثلما يُستخدَم لأغراض صالحة. وعلى سبيل المثال.. صارت مؤشرات الليزر عالية القدرة تُستخدَم لغرض جديد، بوصفها "أسلحة"؛ وهذه المؤشرات الليزرية هي بمثابة تشويش الرؤية لدى الطيارين. ونحن بحاجة إلى أن نتذكر ما يستطيع العِلْم عمله، من الفظائع إلى العجائب، وأن نبين هذا بوضوح في القصص التي نتداولها.

وبينما أربِّي أطفالي، وأتساءل عن شكل العالَم الذي سيرثونه، أفكر في نطاق التغير مع مرور الوقت. وقد اخترتُ ألا أنظر إلى عام 2017 بوصفه ثورة حاسمة، وإنما باعتباره تحولًا في المسار. وآمل أن يجلب لنا المستقبل، الذي يتشكّل من خلال قصص اليوم، أشياء أفضل.