أنباء وآراء

اضطرابات تنكسية عصبية: نقاط تَبَصُّر.. لفَهْم مرض ألزهايمر

تستحث منبهات التهابية الخلايا الدبيقيّة، لكي تُطْلِق بروتين ASC. وقد أظهرت دراسة حديثة أن بُقَع بروتين ASC تعزز سمة مميزة لمرض ألزهايمر في أدمغة الفئران؛ وهي تجمّع بروتين أميلويد بيتا، وترسّبه. 

ريتشارد إم. رانسوهوف

  • Published online:

يمكن اعتبار مرض ألزهايمر - من إحدى النواحي - بسيطًا نسبيًّا؛ فهو يتطلب تكوُّن كتل مُجمَّعة من بروتين أميلويد بيتا في الدماغ، ما يعزز حدوث سلسلة من العواقب المتتالية، التي تؤدي إلى الخرف، لكنْ عند وضع كل العوامل المساهمة في الاعتبار؛ يصبح هذا المرض معقّدا بشكل مخيف. ويتجلى ذلك - على سبيل المثال - في الدور المحتمَل للعمليات الالتهابية فيه. فثمة عديد من المؤشرات على الالتهاب في مرض ألزهايمر1 مثل ارتفاع مستويات الجزيئات المناعية، وتفاعل الخلايا الداعمة للخلايا العصبية (المسماة الخلايا الدبقية) بقوة مع الوسط النسيجي غير الطبيعي، وظهور تغيّرات في الجملة الوعائية المتخصصة للحاجز الدموي الدماغي. وإضافة إلى ذلك.. يمكن لتغيّرات جينية دقيقة في الخلايا الدبقية أن تزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر2 وعلى الرغم من هذه الأدلة، إلا أن تفاصيل الكيفية المحتملة لتعزيز الالتهاب للمرض كانت غامضة1 يُقدّم فينيجاس وزملاؤه3 - في بحثهم المنشور بدورية Nature - أدلة على أنه يوجد لدى الفئران شكل خارج خلوي من بروتين تنشيط مناعي يعزز تجمُّع بروتين أميلويد بيتا.  

يُشتَق بروتين أميلويد بيتا من بروتين أكبر، هو بروتين سَلف الأميلويد (APP)، الذي ينشطر لينتج عائلة من ببتيدات أقصر. ويمكن أن يحدث مرض ألزهايمر كنتيجة مباشرة لطفرات، إمّا في بروتين سَلف الأميلويد، أو الإنزيمات التي تعالجه، إذا أدت إلى إنتاج صور من أميلويد بيتا، تميل إلى التجمّع على شكل مجموعات مُتلِفَة للخلايا قابلة للذوبان. وهذه التجمّعات القابلة للذوبان من أميلويد بيتا تتعرض بعد ذلك لمزيد من التجمّع، وتترسب في أنسجة المخ على شكل كتل تُسمَّى (لويحات الأميلويد)4 وتدعم هذه النتائج غير المسبوقة جميع البحوث التي تناولت هذا المرض، لكن الآليات المحددة لتشكُّل هذه اللويحات كانت محيّرة. ونظرًا إلى أن جميع تجارب المرحلة الثالثة الإكلينيكية التي أُجريت على العلاجات المحتملة المُعدِّلة للمرض فشلت حتى الآن6،5 فإن تحديد العوامل الجزيئية المحددة المُشارِكة في تشكيل اللويحات سيكون موضع ترحيب كبير، لأنه قد يُسرِّع من تطوير علاجات أفضل. 

انطلق فينيجاس وزملاؤه من الملاحظة السابقة لهم7 بأن الفئران التي تفتقر إلى بروتين NLRP3 تتمتع ببعض الوقاية من ترسب أميلويد بيتا. وقد توصلوا إلى هذه النتيجة عن طريق حذف الجين Nlrp3 في سلالة فأر، تُسمَّى APP/PS1، وهي سلالة عُدِّلت وراثيًّا؛ للتعبير عن جينات بشرية تضم طفرات ترتبط بمرض ألزهايمر. ولذا.. تُظهِر الفئران ترسبًا غزيرًا لبروتين أميلويد بيتا المُجمَّع، وخللًا إدراكيًّا. وبروتين NLRP3 هو مستشعِر مناعي يوجد في الدماغ في خلايا مرتبطة بالجهاز المناعي في الجهاز العصبي المركزي، تُسمى (الدبيقيّات). ويكشف هذا البروتين عن المواد الكيميائية الحيوية غير الطبيعية، بما في ذلك نواتج الخلايا التالفة، ويبدأ في تكوين مركّب بروتيني داخل خلوي كبير، يُسمَّى (الجسيم الالتهابي). ويحتوي هذا المركّب على بروتين NLRP3 نفسه، ولُيَيْفات طويلة من بروتين ASC، وإنزيم يُسمَّى كاسباز-1 (المرجع 8).

إنّ أفضل وظيفة يمكن وصفها للجسيمات الالتهابية هي تمكين الخلايا من إطلاق البروتينين مُسْبَقَي التشكُّل، المنشطَين للالتهابات، إنترلوكين-1 بيتا (IL-1β)، وإنترلوكين 18 (IL-18)، اللذين يُنتَجان استجابةً لإشارات التهابية سابقة. وفي حالة مرض ألزهايمر، تنتج أشكال قابلة للذوبان من أميلويد بيتا (المرجع 9). ويُعتبَر إنترلوكين-1 بيتا (IL-1β)، وإنترلوكين 18 (IL-18) وسيطين مناعيين قويين، يلعبان أدوارًا محورية في دفاع المضيف، وفي الاستجابات الالتهابية. وربما بسبب آثارهما القوية، يُحتجَز هذان الإنترلوكينان داخل الخلايا، حتى يتكوّن الجسيم الالتهابي، لضمان إطلاقهما عند الحاجة إليهما فقط.

يتلو تكوُّن الجسيمات الالتهابية داخل الخلايا إطلاق مركّبات بروتين ASC، التي تُسمَّى بُقَع ASC (الشكل 1؛ انظر الرسوم المتحركة على الرابط التالي: go.nature.com/2ytrzxp). وفي كثير من الخلايا غير المناعية، يصاحب إطلاق بُقَع ASC موت الخلية10، لكن في الخلايا المناعية - ومن ضمنها الدبيقيّات - كثيرًا ما يكون إطلاق بُقَع ASC أفضل تحملًا، ويمكن أن ينشر الالتهاب؛ ربما بسبب استحواذ الدبيقيّات المجاورة على بُقَع ASC، لكي تتوسط في إطلاق مزيد من الإنترلوكينات. 

الشكل 1 | بروتين أميلويد بيتا، والالتهاب: إنّ تجمُّع ببتيدات أميلويد بيتا القابلة للذوبان، وما يتلو ذلك من ترسُّبها في شكل كتل تُسمَّى اللويحات في الدماغ هو أحد المكونات الرئيسة لمرض ألزهايمر. (أ) يمكن لتراكم أميلويد بيتا القابل للذوبان أن يستهدف تكوّن أسلاف البروتينات الالتهابية، مثل سلف أنترليوكين-1 بيتا، في خلايا دماغية مرتبطة بالجهاز المناعي، تسمَّى الدبيقيّات. (ب) مع تقدُّم المرض، تتضرر الخلايا، وتطلِق منتجات يمكنها استثارة تكوُّن مركّب بروتين منشط للالتهاب في الدبيقيات، يُسمَّى الجسيم الالتهابي. (ج) يشطر الجسيم الالتهابي سلف الإنترليوكين -1 بيتا؛ لينتج بروتين إنترليوكين-1 بيتا، الذي ينطلق مُحدِثًا التهابًا في الدماغ. وتطلِق الدبيقيات أيضًا مركّبات من البروتين ASC (أحد مكونات الجسيم الالتهابي)، يُطلق عليها اسم بُقَع ASC. وقد قدّم فينيجاس وزملاؤه3 دليلًا في الفئران على أن بُقَع ASC تتفاعل مع تجمعات الأميلويد بيتا؛ لتعزز ترسُّبها على شكل لويحات.

الشكل 1 | بروتين أميلويد بيتا، والالتهاب: إنّ تجمُّع ببتيدات أميلويد بيتا القابلة للذوبان، وما يتلو ذلك من ترسُّبها في شكل كتل تُسمَّى اللويحات في الدماغ هو أحد المكونات الرئيسة لمرض ألزهايمر. (أ) يمكن لتراكم أميلويد بيتا القابل للذوبان أن يستهدف تكوّن أسلاف البروتينات الالتهابية، مثل سلف أنترليوكين-1 بيتا، في خلايا دماغية مرتبطة بالجهاز المناعي، تسمَّى الدبيقيّات. (ب) مع تقدُّم المرض، تتضرر الخلايا، وتطلِق منتجات يمكنها استثارة تكوُّن مركّب بروتين منشط للالتهاب في الدبيقيات، يُسمَّى الجسيم الالتهابي. (ج) يشطر الجسيم الالتهابي سلف الإنترليوكين -1 بيتا؛ لينتج بروتين إنترليوكين-1 بيتا، الذي ينطلق مُحدِثًا التهابًا في الدماغ. وتطلِق الدبيقيات أيضًا مركّبات من البروتين ASC (أحد مكونات الجسيم الالتهابي)، يُطلق عليها اسم بُقَع ASC. وقد قدّم فينيجاس وزملاؤه3 دليلًا في الفئران على أن بُقَع ASC تتفاعل مع تجمعات الأميلويد بيتا؛ لتعزز ترسُّبها على شكل لويحات.

كبر الصورة

بحث فينيجاس وزملاؤه عما إذا كانت الوقاية من ترسُّب أميلويد بيتا المُلاحَظة في الفئران التي تفتقر إلى NLRP3 قد تكون ذات صلة ببُقَع ASC، أم لا. قام الباحثون في البداية بمزج بُقَع ASC مع أميلويد بيتا في المختبر، ووجدوا أن التجمعات المشابهة للأميلويد قد تشكّلت بسرعة في وجود بُقَع ASC، مع تسبُّب التركيزات الأعلى من البُقَع في تجمعات أكثر. وأظهر الباحثون أيضًا أن بروتين ASC قد أُدخِل في تجمعات الأميلويد بيتا في أنابيب الاختبار. 

وبالانتقال إلى العمل في الجسم الحي، أظهر فينيجاس وزملاؤه أن سلالة فئران APP/PS1، التي عُدِّلت وراثيًّا لتفتقر إلى بروتين ASC، قد أظهرت ترسبات أقل بكثير من تجمّعات أميلويد بيتا في الدماغ، وكان أداؤها أفضل في مهام الذاكرة المكانية، مقارنةً بفئران APP/PS1، التي كان بروتين ASC موجودًا لديها. بعد ذلك.. حَقَن الباحثون مستخلصات دماغ فئران APP/PS1 مسنّة في أدمغة فئران فتيّة من السلالة نفسها، لم تكن قد طوّرت بعد لويحات في أدمغتها. واستطاعت مستخلصات الدماغ أن تستحث تشكيل ترسبات الأميلويد بيتا في أدمغة فئران APP/PS1 الفتيّة، لكن ليس في حال افتقار الفئران الصغيرة لبروتين ASC. وبالمثل، كانت مستخلصات أدمغة فئران APP/PS1 المُسّنة - التي تفتقر إلى بروتين ASC - أقل قدرة على تعزيز تكوُّن اللويحات لدى فئران APP/PS1 الفتية المتلقِّيَة للمستخلصات.

وأخيرًا، وجد فريق البحث أن الأجسام المضادة لبروتين ASC، التي تمنع ارتباط البُقَع ببروتينات أخرى، قد كبحت تكوُّن التجمّعات المشابهة للأميلويد عندما جُمِعت مع بُقَع ASC، والأميلويد بيتا في المختبر. وإضافة إلى ذلك.. عندما حُقِنت مستخلصات دماغ فئران APP/PS1 في الفئران المتلقيّة لها إلى جانب الأجسام المضادة لبروتين ASC، تناقصت ترسبات أميلويد بيتا، مقارنةً بنقلها دون الأجسام المضادة.

تُشكّل بيانات فينيجاس وزملائه - بجَمْعها معًا - مثالًا قويًّا على أن بُقَع ASC تساعد على تعزيز ترسّب أميلويد بيتا في فئران APP/PS1. وكانت التجارب التي أجراها فريق البحث صعبة، لأن كلًّا من البروتين ASC، وببتيدات الأميلويد عرضة للتجمّع، ليس فقط مع بعضها، بل مع بروتينات أخرى أيضًا11 ويُذكر أنّ استخدام الباحثين للضوابط بعناية مَكَّنهم من إثبات أن الظواهر التي يشيرون إليها تعكس تفاعلات ذات مغزى بيولوجي، بدلًا من كَوْنها مجرد تجمُّع غير نوعي. 

هل يشير هذا البحث إلى استراتيجيات علاج مستقبلية؟ في الوقت الحاضر، لا توجد ارتباطات مؤكدة بين السمات الوراثية التي تؤثر على الاستعداد للإصابة بمرض ألزهايمر، ومسار بروتين NLRP3 - الجسيمات الالتهابية - بُقَع ASC. وفي حال التوصّل إلى هذه الارتباطات، يمكنها أن تساعد في توجيه العمل مستقبلًا. ويبدو أن نشاط الجسيمات الالتهابية لدى الفئران يعزّز شيخوخة الدماغ على عدة مستويات12 عن طريق التسبب في التهاب منخفض الدرجة (على مستوى الجسم ككل، وفي الجهاز العصبي المركزي) يرتبط بالسنّ، وسمنة منتصف العمر، اللذين يُعَدان كلاهما من العوامل المهدِّدة للإصابة بمرض ألزهايمر.

ولكي تكون العلاجات المفترَضة فعّالة، مِن المهم التأكد من الجزء الذي يجب استهدافه في المسار. ومِن شأن تثبيط جزء ابتدائي من العملية - مثل تشكُّل الجسيمات الالتهابية بواسطة بروتين NLRP3- أن يكون ذا تأثيرات واسعة النطاق، لكنه يحمل أيضًا الخطر المحتمَل لإضعاف دفاعات المضيف13. وعلى النقيض من ذلك.. فإن استهداف مرحلة نهائية من المسار - مثلتثبيط تكوُّن بُقَع ASC انتقائيًّا في الدماغ - سيكون أكثر نوعية، لكنه قد لا يثبِّط بما يكفي الآليات الإمراضية المتشعبة، المشارِكة في مرض ألزهايمر. وعلى الرغم من هذه الصعوبة (التي تعرقل كل العلاجات الموجهة إلى المسار)، فمن المشجّع والمثير للحماس أن تتوفر لدينا آلية مُكتشفَة حديثًا؛ لنضعها في اعتبارنا عند السعي لعلاج مرض ألزهايمر. 

References

  1. Ransohoff, R. M. Science 353, 777–783 (2016). | article
  2. Karch, C. M. & Goate, A. M. Biol. Psychiatry 77, 43–51 (2015). | article
  3. Venegas, C. et al. Nature 552, 355–361 (2017). | article
  4. Musiek, E. S. & Holtzman, D. M. Nature Neurosci. 18, 800–806 (2015). | article
  5. Selkoe, D. J. Ann. Neurol. 74, 328–336 (2013). | article
  6. Cummings, J. Clin. Transl. Sci. http://dx.doi. org/10.1111/cts.12491 (2017). | article
  7. Heneka, M. T. et al. Nature 493, 674–678 (2013). | article
  8. Elliott, E. I. & Sutterwala, F. S. Immunol. Rev. 265, 35–52 (2015). | article
  9. Landreth, G. E. & Reed-Geaghan, E. G. Curr. Top. Microbiol. Immunol. 336, 137–153 (2009).
  10. Franklin, B. S. et al. Nature Immunol. 15, 727–737 (2014). | article
  11. Oroz, J., Barrera-Vilarmau, S., Alfonso, C., Rivas, G.& de Alba, E. J. Biol. Chem. 291, 19487–19501 (2016). | article
  12. Youm, Y.-H. et al. Cell Metab. 18, 519–532 (2013). | article
  13. Kumar, M. et al. J. Virol. 87, 3655–3667 (2013). | article

ريتشارد إم. رانسوهوف يعمل في قسم الأحياء الخلوية في كلية هارفارد للطب ببوسطن في ولاية ماساشوستسس 02115، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: rransohoff@gmail.com