تحقيق إخباري

معركة مريرة حول أكثر المبيدات الحشرية استخدامًا في العالم

في الوقت الذي تنظر فيه الجهات التنظيمية في فرض حظر على مبيدات حشرية واسعة الاستخدام، يحتدم الجدال حول الأدلة والبراهين.

دانيال كريسي

  • Published online:
رَصَد الباحثون الأحوال الصحية للنحل البَنَّاء الأحمر (Osmia bicornis-rufa)، الذي يبني أعشاشه في التجاويف الفارغة.

رَصَد الباحثون الأحوال الصحية للنحل البَنَّاء الأحمر (Osmia bicornis-rufa)، الذي يبني أعشاشه في التجاويف الفارغة.

© Lucy Hulmes/CEH

ما زالت ماج راندلوف تتذكر اللحظة التي غيرت فيها رأيها بشأن مبيدات "النيونيكوتينويد" الحشرية. ففي شهر ديسمبر عام 2013، كانت راندلوف في مكتبها بجامعة لوند في السويد مع باحث من باحثي ما بعد الدكتوراة، هو جورج أندرسون، وكان الباحثان يحدقان في البيانات المأخوذة من آخِر دراسة أجرياها معًا. كانت الدراسة مصمَّمة لاختبار ما يمكن أن يحدث للنحل، إذا تغذى على المحاصيل الزراعية المعالَجة بمبيدات النيونيكوتينويد، التي تُعَد أكثر أنواع المبيدات الحشرية استخدامًا على مستوى العالم. تقول راندلوف: "بصراحة، لم أكن أتوقع أن أرى أيّ أثر على الإطلاق".

لم تتأثر خلايا نحل العسل (Apis mellifera) تأثرًا كبيرًا بالكيماويات الموجودة في حبوب اللقاح والرحيق لديها، حسبما أشارت الدراسة1؛ لكن بيانات النحل الطنان (Bombus terrestris) تُظْهِر قصة مختلفة؛ فمستعمرات النحل الطنان التي لم تتغذَّ على المحاصيل المعالَجة بالمبيدات بدت طبيعية؛ إذ كانت تكتسب وزنًا؛ لضمان البقاء حية في فصل الشتاء، لكنْ في المستعمرات التي تعرضت لمبيدات النيونيكوتينويد، اتخذت خريطة مسار النمو شكل خط مستوٍ.

عندما نُشرت الدراسة السويدية في إبريل من عام 2015، تصدرت عناوين الصحف حول العالم. فقد كانت أول دراسة تبين أن كيماويات النيونيكوتينويد، المعروفة باسم "نيونيكس" neonics، يمكنها أن تضر النحل في البيئة الزراعية الحقيقية.

تشهد مجتمعات النحل في الكثير من بقاع المعمورة حاليًّا فترة من التراجع وانخفاض الأعداد، وهي دلالة تبعث على القلق من أجل المحاصيل والنباتات البرية التي تعتمد على تلك الملقحات في بقائها على قيد الحياة. وتشير إصبع الإتهام إلى الطفيليات، والأمراض، ونقص الموارد الغذائية، لكنّ ثمة ارتباط مع مواد "النيونيكس" قد أصبح أيضًا أحد أوجه الاشتباه الرئيسة.

وقبل الكشف عن النتائج التي توصلت إليها راندلوف، كان الاتحاد الأوروبي قد فرض قيودًا صارمة على الأنواع الثلاثة من "النيونيكس" الأوسع استخدامًا في المحاصيل المزهرة - النباتات التي قد تكون جاذبة للنحل – وسط مخاوف متصاعدة بشأن الضرر الذي ربما تُلْحِقه المواد الكيميائية بالملقحات. وهذه الأنواع الثلاثة هي: "إيميداكلوبريد" imidacloprid، و"كلوثيانيدين" clothianidin، من إنتاج شركة «باير» Bayer، عملاق صناعة الكيماويات الزراعية، وكذلك "ثياميثوكسام" thiamethoxam، الذي تنتجه شركة «سينجنتا» Syngenta، لكنّ المزارعين وقطاع صناعة الكيماويات الزراعية وبعض العلماء أوضحوا أن الحظر المفروض كان إجراءً احترازيًّا وقائمًا على أدلة وبراهين محدودة، جُمعت في الأساس من اختبارات معملية.

ومنذ نشْر بحْث راندلوف، أخذت الدراسات التي تبيِّن أدلة من العالَم الحقيقي على الضرر الناتج عن مبيدات الآفات في الحقول تتزايد، وقد طلبت المنظمات البيئية فرض حظر واسع النطاق على تلك الكيماويات. وسوف تقرِّر الجهات التنظيمية قريبًا ما الذي ينبغي فِعله بصدد مبيدات "النيونيكس"، التي تبلغ قيمة السوق العالمية لها أكثر من 1.5 مليار دولار أمريكي سنويًّا. وكان من المقرر في شهر نوفمبر 2017 أن تنتهي هيئة سلامة الغذاء الأوروبية، التابعة للاتحاد الأوروبي، من عملية إعادة تقييم الأدلة الخاصة بفرض قيود على استعمال مبيدات "النيونيكس"، وحينئذ سيتعين على الاتحاد الأوروبي تحديد الإجراء المطلوب اتخاذه. ومن المتوقع أيضًا أن تنتهي وكالة حماية البيئة الأمريكية خلال عام 2018 من مراجعتها للمبيدات الحشرية. كما أصدر البرلمان الفرنسي قانونًا، سوف يحظر استخدام مبيدات "النيونيكس" يسري العمل به في عام 2018، رغم أنه سيتم السماح ببعض الإعفاءات.

ومع ذلك، لا يزال مسؤولو المجموعات الصناعية وبعض العلماء يزعمون أن الأدلة المتوفرة غير قاطعة. إنّ الصورة تبدو معقدة؛ فهناك دراسات تبيِّن حدوث أضرار لبعض النحل في ظروف معينة، بينما تشير دراسات أخرى إلى عدم وقوع أي ضرر. وعلى ما يبدو أن النتائج تتأثر بعوامل كثيرة، بما فيها نوع النحل، وأنواع المحاصيل المتأثرة. ويقول العلماء المعنيون بدراسة هذه المسألة إن الموضوع قد أصبح مثيرًا للجدل؛ فأيّ دراسة جديدة تتعرض فورًا لانتقادات حادة من قِبل المؤيدين المتمرسين على كلا الجانبين، بل وحتى نتائج أكبر دراسة أُجريت في هذا الصدد، وبتمويل من قطاع صناعة الكيماويات الزراعية، لم تفلح في تحقيق تَوافُق في الرأي. وإذ نُشرت تلك الدراسة خلال عام 20162 فقد بدأت جولة أخرى من تبادل الاتهامات َ، بما فيها شكاوى الممولين الذين انتقدوا الورقة البحثية التي كانوا قد اضطلعوا بتمويلها. وفي النهاية، من المرجح أن تكون القرارات السياسية أو التنظيمية هي القوة الحاسمة في تسوية هذه المسألة، قبل أن تصل الأطراف المتنازعة إلى اتفاق، حسبما يقول ساينات سوريانارايانان، المتخصص في علم الحشرات وعلم الاجتماع بجامعة ويسكونسن-ماديسون، الذي درَس مسألة حالة النحل الصحية. ويقول: "إنه نمط معتاد في المناقشات ذات الطبيعة الجدلية والاستقطابية الشديدة".

المبيد الحشري المفضل في العالم

في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، بدأ العلماء في مشروع "نايهون توكوشو نوياكو سيزو" Nihon Tokushu Noyaku Seizo في طوكيو، وهو أحد أذرع شركة «باير»، في تجربة مركب "نيثيازين" nithiazine، وهو مبيد حشري ابتُكر في كاليفورنيا قبل ذلك بعقد من الزمن. اكتشف العلماء مركّبًا جديدًا، كان أشد فاعلية بأكثر من مائة مرة في قتل الآفات التي تصيب المحاصيل الزراعية، مثل حشرة المن. وأُطلق المركّب الذي أسموه "إيميداكلوبريد" في السوق في تسعينيات القرن الماضي، وسرعان ما أصبح أحد أكثر المبيدات الحشرية استخدامًا في العالم. وبحلول منتصف العقد الأول من القرن الحالي، صار الإيميداكلوبريد وغيره من المركّبات المشابهة تشكل ربع إجمالي المبيدات الحشرية المتاحة (انظر: "المدّ الصاعد"). وتقوم تلك المركّبات بتدمير الأجهزة العصبية للحشرات، حيث تدفع الأعصاب إلى إطلاق الإشارات بشكل مستمر، حتى تتلف؛ ما يؤدي في نهاية المطاف إلى الموت. ويتم رش كثير من مبيدات "النيونيكس" على البذور مباشرة، وتمتصها النباتات في أثناء نموها؛ فإذا ما أزهر النبات، تشق المواد الكيميائية طريقها نحو حبوب اللقاح والرحيق.

زاد استخدام المبيدات الحشرية المحتوية على النيونيكوتينويد زيادة سريعة في الولايات المتحدة.

كبر الصورة

وفي فرنسا، عندما طُرحت في الأسواق بذور لزهرة عباد الشمس مُغلَّفة بمركّب الإيميداكلوبريد في عام 1994، دق مربّو النحل ناقوس الخطر؛ حيث قالوا إن نحل العسل الخاص بهم كان يضل الطريق في أثناء العودة إلى سكنه، بعد انتهاء رحلاته للبحث عن الطعام، وألقوا باللوم في ذلك على زهور عباد الشمس. تسببت تلك المخاوف في فرض حظر فرنسي في عام 1999 على بذور زهرة عباد الشمس المُغلفة بالإيميداكلوبريد. وهذا الحظر مستمر حتى يومنا الحاضر، رغم أنه كان إجراءً احترازيًّا في الأساس، وليس مبنيًّا على أدلة وبراهين رسمية على حدوث الضرر، كما يقول أكسيل ديكورتيي، الباحث بمعهد دراسة النحل في أفينيون بفرنسا.

هرع العلماء إلى العثور على تلك البراهين، أو على دليل على أن المخاوف ومشاعر القلق كان مُبَالَغًا فيها. وسرعان ما اكتشف الباحثون أن نحل العسل الذي تمت تغذيته بجرعات كبيرة من مبيدات النيونيكوتينويد قد مات، بل إن الجرعات شبه المميتة قد حفزت لديه أيضًا سلوكًا غير طبيعي؛ حيث غيَّر نحل العسل الذي تعرَّض لتلك الجرعات من عاداته الغذائية، وقَلَّت مرات ذهابه للبحث عن طعام، بينما طالت مدتها3 كما بينت أبحاث أخرى4 أن مبيدات "النيونيكس" تعمل على أجزاء من دماغ النحل، مرتبطة بالذاكرة والتعلم. فعلى سبيل المثال، ساء أداء نحل العسل المدرَّب على الاستجابة لروائح معينة، عن طريق إخراج لسانه، أو أخفق تمامًا في تعلُّم تلك المهمة، وذلك عند تعاطيه جرعة من "النيونيكس".

وفي كل مرحلة من تلك المراحل، كان النقاد يطرحون استفسارات وتساؤلات جديدة بشأن مدى واقعية التجارب، حسبما يقول ديكورتيي. "كيف لنا أن نعرف ما إذا كانت جرعات النيونيكوتينويد واقعية، أم لا؟ وهل الأثر الذي تتركه الجرعة على النحلة الواحدة يؤثر على المستعمرة بأكملها؟"

الخروج إلى الحقول

فيما استمر العمل جاريًا في المختبر، بدأ الباحثون أيضًا في التوجه إلى الحقول. ففي عام 2012، نشر ديكورتيي وزملاؤه ورقة بحثية5 تُبيِّن أن ما أسموه "التسمم بالثياميثوكسام" كان، على ما يبدو، يعرقل قدرة نحل العسل على العودة إلى الخلية بعد بحثه عن الطعام في البيئات الحقيقية الخارجية، لكن في تلك الدراسة أيضًا كان الباحثون يحقنون طعام النحل بجرعات من مبيدات "النيونيكس"، بدلًا من السماح له بأن يتغذى على المحاصيل المعالَجة بتلك المبيدات.

في الفترة نفسها تقريبًا، وجد فريق بريطاني6 أن نحل العسل لم يكن الكائن الوحيد الذي قد يكون معرَّضًا للخطر. فقد نوَّه الباحثون إلى أن مستعمرات النحل الطنان التي تم تعريضها لمستويات "ميدانية واقعية" من الإيميداكلوبريد في المختبر، ثم تُركت فيما بعد لتنمو في بيئات الحقول كان معدل نموها أبطأ من نمو مثيلاتها في المجموعة الضابطة. وانخفض أيضًا عدد الملكات الجديدة التي أنتجتها تلك المستعمرات، اللازمة للحفاظ على نسل تلك المخلوقات بنسبة 85%. وكان ذلك العمل البحثي بقيادة ديف جولسون، الباحث المتخصص في دراسات النحل حاليًّا بجامعة ساسكس في برايتون بالمملكة المتحدة. كان جولسون في عام 2006 قد افتتح منظمة خيرية مكرَّسة للمحافظة على النحل الطنان، وبدأ الناس يخبرونه بمخاوفهم وقلقهم تجاه مبيدات "النيونيكس". يقول: "بدايةً، كنتُ متشككًا بشدة"، لكن بحلول عام 2014، أعلن فريق العمل المعنِيّ بالمبيدات النظامية (TFSP) - وهو مكوَّن من 30 عالمًا، من بينهم جولسون - أن أفراده قد قاموا بتحليل 800 دراسة خضعت لمراجعة الأقران عن مبيدات "النيونيكس" والنحل، ووجدوا "أدلة واضحة على حدوث الضرر، تكفي لاتخاذ إجراء تنظيمي"8.

وقد اتضح أن دراسة راندلوف هي الدراسة الأكثر واقعية حتى الآن. فقد قام فريقها بزراعة ثمانية حقول سويدية ببذور نبات اللفت الزيتي، المغلفة بالكلوثيانيدين، وثمانية حقول أخرى بها بذور غير معالَجة بالمبيد. وإلى جانب ما وجده الفريق1 بأن مستعمرات النحل الطنان في الحقول المعالَجة كانت تنمو بشكل أضعف من مثيلاتها في حقول المجموعة الضابطة، وجدوا أيضًا أن أعداد النحل البري في الحقول المعالَجة قد انخفضت. وذكر المتحدثون بقطاع الصناعة أن مستعمرات نحل العسل لم تتأثر، كما اعترضوا على الدراسة، متحججين، على سبيل المثال، بأن الباحثين أطلقوا عددًا قليلًا فقط من النحل البري في الحقول، وعليه، فإن النتائج ربما لا تكون قوية إحصائيًّا. ورغم ذلك، تُبيِّن راندلوف أن الباحثين قد قاموا أيضًا بدراسة استقصائية عن النحل البري الذي يطير في الجوار، وكانت البيانات الخاصة بمستعمرات النحل الطنان متوفرة لديهم؛ للاستفادة منها، والاعتماد عليها. وتقول: "أعلم أن لدينا أدلة قوية".

في منتصف عام 2017، أعلنت الدراسة الميدانية الأكبر إلى الآن - التي مَوَّلها قطاع الصناعة بحوالي ثلاثة ملايين دولار - عن نتائجها التي طال انتظارها2. كان العلماء من مركز علوم البيئة والهيدرولوجيا (CEH) بالقرب من والينجفورد في المملكة المتحدة قد وضعوا نحل العسل، والنحل البنَّاء (Osmia bicornis)، والنحل الطنان في 33 حقلًا، مزروعة بنبات اللفت الزيتي في المملكة المتحدة، وألمانيا، والمجر. وفي هذه المرة، تمت تغطية البذور - التي زُرعت في فصل الشتاء - إما بالكلوثيانيدين أو بالثياميثوكسام، أو معالجتها بمبيد للآفات الزراعية، خالٍ من مركبات النيونيكوتينويد.

وجد الباحثون بقيادة بن وودكوك، عالِم الحشرات بمركز علوم البيئة والهيدرولوجيا، أن النحل الطنان، والنحل البَنّاء كان أداؤه يزداد ضَعْفًا كلما زاد تعرُّضه لمركّبات "النيونيكس". وفيما يخص نحل العسل، فقد كانت الصورة أكثر تعقيدًا؛ ففي بعض الحالات، بدا أن مركّبات "النيونيكس" تؤثر على صحة النحل، لكنْ في حالات أخرى لم يكن لها تأثير. فعلى ما يبدو أنّ مركبات "النيونيكس" في المملكة المتحدة والمجر كانت سببًا في خفض أعداد النحل العامل في خلايا نحل العسل. وفي المجر، وجد الباحثون أيضًا انخفاضًا في عدد خلايا البويضات في خلايا النحل تلك، وهو دليل يبين تراجُع قدرة تلك الحشرات على التكاثر بنجاح. أما في ألمانيا، فقد احتوت خلايا نحل العسل الذي تم تعريضه لمركّبات "النيونيكس" على عدد أكبر من خلايا البويضات، وهي نتيجة محيّرة. وبشكل إجمالي، خلصت دراسة مركز علوم البيئة والهيدرولوجيا إلى أن مبيدات النيونيكوتينويد أضعفت من قدرة النحل على إنشاء مستعمرات جديدة بعد انتهاء فصل الشتاء. وقد نُشر الملخص الذي أعده رئيس تحرير الدورية للورقة البحثية تحت العنوان الرئيس: "تأكيد الأضرار" Damage confirmed.

ولا تتفق شركات الكيماويات الزراعية التي مَوَّلت الدراسة مع هذا الرأي. ففي مؤتمر صحفي عُقد في شهر يونيو 2017، عندما قدَّم علماء مركز علوم البيئة والهيدرولوجيا نتائجهم - في غياب وودكوك، الذي كان حينها خارج البلاد - أخبر متحدثون من شركتي «سينجنتا»، و«باير» الصحفيين بأن التحليل الذي أجرته الدراسة واستنتاجاتها كليهما كانا موضع شك. كذلك ذكر هؤلاء المتحدثون أن فريق وودكوك كان قد قام بتحليل أكثر من 200 معلومة بشأن نحل العسل؛ أظهرت تسعًا منها أثرًا سلبيًّا ناتجًا عن استخدام مبيدات النيونيكوتينويد، بينما كانت سبع منها إيجابية. وصرّح بيتر كامبل - الأخصائي البيئي بشركة «سينجنتا» في ريدينج بالمملكة المتحدة، في بيان منفصل قُدم إلى وسائل الإعلام - بقوله: "إن النتيجة المختصرة المبسطة التي تم نشرها، وتسير في اتجاه واحد، لا تعبر عن البيانات المطروحة في الورقة البحثية".

راود وودكوك شعور بالغضب حيال الانتقادات. وفي مقابلة أجراها مع المجموعة البيئية "جرين بيس" Greenpeace، قال إن قطاع الصناعة قد اتهمه بالكذب، لكنه الآن، كما يقول، يشعر بالندم على اختياره لتلك الكلمة، إلا أنه لا يزال يعتقد أن قطاع الصناعة قد تبنَّى وجهة نظر ضيقة الأفق بشأن النتائج. ويقول: "أشعر حقيقة بأن الشعور الذي انطوى عليه تصريحي - رغم كونه لا يصح - لم يكن مجرد رد فعل مُبَالَغ فيه من جانبي". كانت الآثار السلبية ظاهرة في جوانب رئيسة متعلقة بصحة النحل، حسب قوله. وأضاف قائلًا إنّ إنكار الشركات الصناعية لفكرة أن مركّبات "النيونيكس" لها تأثير على النحل أمر "ربما يكون ساذجًا".

ويتفق كثير من الأكاديميين الذين تحدثت إليهم دورية Nature مع ذلك الرأي. يقول ديكورتيي: "أعتقد أن الغالبية العظمي من الباحثين يؤكدون أن الضَّعف الذي يصيب مجتمعات النحل بسبب مبيدات النيونيكوتينويد أمر مُثبَت". هذا، ولكنْ ليس الجميع على الدرجة نفسها من اليقين حيال الأمر. تقول ليندا فيلد، رئيس قسم التفاعلات الحيوية وحماية المحاصيل بمركز روثامستيد للأبحاث في هاربندن بالمملكة المتحدة: "إن مسألة ما إذا كانت تتم ترجمة الضرر الذي يلحق بالنحل إلى وقوع تأثير في الحقول على مجتمعات كاملة منه أصعب كثيرًا في التوضيح والإثبات"؛ فالمستعمرات الناضجة ربما تنجح في البقاء، حتى لو أصيب عدد من النحل فيها، ذلك لأن النحل العامل يعوض ذلك النقص، حسبما يشير نايجل راين، عالِم الأحياء بجامعة جويلف في كندا، لكنّ النحل المنعزل - مثل النحل البري، وملكات النحل الطنان - الخارج من فترة سبات، ربما يكون أكثر عرضة للخطر.

يَعتقِد كامبل أن كثيرًا من الأكاديميين "يلتزمون الحياد" بشأن هذه المسألة، لكنهم لا يجهرون برأيهم هذا. فالدراسات التي تبين حدوث ضرر للنحل غالبًا ما تحظى باهتمام إعلامي، ويتم نشرها في دوريات مقروءة على نطاق واسع، في حين أن تلك التي لا تبين أي تأثير يتم إبعادها وتنحيتها إلى المطبوعات الأقل في عدد الاستشهادات، كما يقول. ويقول جولسون، ووُودكوك إن بعض الدراسات التي يستشهد بها قطاع الصناعة باعتبارها دراسات تثبت عدم وقوع ضرر هي دراسات مشكوك فيها إحصائيًّا، وأنها مشوبة بالعيوب والأخطاء بدرجة أكبر من التجارب التي تتصدر العناوين الرئيسة، والتي تبين وقوع ضرر.

ينتقي كريستيان ماوس، كبير العلماء العالمي في مجال رعاية النحل بشركة «باير» في مونهايم أم راين بألمانيا، كلماته بعناية، ويقول: "أظن أنه من الواضح وغير القابل للجدال أن مبيدات النيونيكوتينويد تحتوي على قَدْر من السمية الداخلية للنحل، لكننا لم نرَ على أرض الواقع، كما هو سائد في الحقول والممارسات الزراعية، أيّ أدلة على أنها سوف تُلْحِق الضرر بمستعمرات نحل العسل، على سبيل المثال، عندما يتم استخدامها بطريقة سليمة".

تأثيرات اندماجية

يتطلع الباحثون إلى ما هو أبعد من العلاقات البسيطة بين مبيد معين للآفات، والضرر الذي يصيب النحل. ففي ورقة بحثية8 نُشرت في عام 2012، أظهر راين وزملاؤه أن تعريض النحل الطنان إلى نوع من النيونيكوتينويد، بالاقتران مع مبيد للآفات يُسمى "بيريثرويد" pyrethroid، قد أعاق قدرة تلك الحشرات على جمع حبوب اللقاح. كما تكبدت المستعمرات التي تم تعريضها لكلا المركّبين معًا خسائر في أعداد النحل العامل، تفوق ما تعرضت له المستعمرات الضابطة، أو تلك التي تم إعطاؤها جرعة من مركّب واحد فقط. وكانت هذه الدراسة هي الأولى التي تبين وجود تأثيرات اندماجية، حسب قول راين، وذلك أمر مهم، لأن النحل في البرية سوف يتعرض إلى العديد من المركّبات. وفي ورقة بحثية9 نُشرت جنبًا إلى جنب مع دراسة وودكوك في عام 2017، توصل فريق كندي يدرس مستعمرات نحل العسل الواقعة بالقرب من نبات الذرة إلى أن وجود مبيد الفطريات "بوسكاليد" boscalid قد خَفَّض إلى النصف جرعة "النيونيكس" اللازمة لحدوث الموت.

وأشار ذلك العمل أيضًا إلى أن المواد الكيميائية المحتوية على "النيونيكس" يمكنها أن تنتقل بعيدًا عن النباتات التي مِن المفترَض أن تحميها؛ فمن خلال تحديد مصادر حبوب اللقاح في خلايا النحل، أوضح الباحثون أن النحل تعرَّض لمبيدات "النيونيكس" بصفة رئيسة عن طريق حبوب اللقاح من النباتات غير المعالَجة. كما أن مبيدات النيونيكوتينويد قابلة للذوبان في الماء، وبتلك الطريقة تنتقل من البذور إلى أنسجة النباتات الآخذة في النمو. يقول كريستيان كروبكي، عالِم الحشرات بجامعة بوردو في ويست لافاييت بولاية إنديانا: "لكن ذلك يعني أيضًا أنه يمكن للمياه غسل البذور منها، ونقلها إلى التربة، وربما إلى نباتات أخرى".

قرار الحظر

سوف تقرِّر الجهات التنظيمية في بعض البلدان عما قريب ما إذا كانت ستتخذ مزيدًا من الإجراءات؛ للحدّ من استخدام "النيونيكس"، أم لا، وهو الأمر الذي انقسم حوله الباحثون. وقد أيّد بعض الجماعات التي تدشن الحملات، مثل "جرين بيس"، وشبكة عمل مبيدات الآفات، فرض حظر على استخدام "النيونيكس" بجميع المحاصيل الزراعية الخارجية، وليس فقط المحاصيل التي ربما تكون جاذبة للنحل، مثل زهور نبات اللفت الزيتي ذات اللون الأصفر الزاهي.

يقول وودكوك: "يعتمد كثير من المزارعين في الأساس على مبيدات النيونيكوتينويد". وتضييق الخناق بشدة على مادة كيميائية واحدة ربما يعني استخدام كميات أكبر من مواد ضارة أخرى. ومن جانبه يقول فيلد: "إذا لم يكن باستطاعة الناس استخدام مبيدات النيونيكوتينويد، ولجأوا إلى مبيدات حشرية أخرى، فهل ذلك يُعَد أفضل بأي شكل من الأشكال؟ هناك كثير من التداعيات المترتبة على ذلك".

ويشير ذلك القلق إلى شكوك أوسع نطاقًا في الأنظمة التشريعية التي سمحت في المقام الأول بدخول الكيماويات الزراعية مثل النيونيكس إلى الأسواق، حسب قول جولسون. وكثير من الباحثين مترددون بشأن تأييد فرض حظر صريح ومباشر. يقول البعض، مثل راندلوف، إنه لا يحق له إصدار توصيات بخصوص السياسات، لكن جولسون يقول إن وجهة نظره قد تغيرت مع تنامي الأدلة والبراهين. ففي عام 2014، وقت صدور التقرير التجميعي الأول لفريق العمل المعنِيّ بالمبيدات النظامية، رأى جولسون أنه ربما نصادف مواقف معينة، تكون فيها مبيدات "النيونيكس" هي الخيار الأفضل، ولكن ومنذ ذلك الحين، حسب قوله، ظهرت أدلة أقوى على انهيار مجتمعات الحشرات، ومن الصعب تنظيم عمليات الحظر الجزئي. ويضيف: "أعتقد الآن أنني سوف أقوم بالتصويت لصالح فرض حظر تام".

وأيًّا كان ما ستفعله الجهات التنظيمية، كما يقول جولسون، فإنه يزداد تشاؤمًا باستمرار بشأن احتمالات الوصول إلى أي تَوافُق في الآراء بين قطاع الصناعة والمجال الأكاديمي فيما يتعلق بتلك المسألة. يقول: "لقد بدأت أخلص إلى استنتاج، مفاده أنه لن يكون هناك على الإطلاق تغيير لقواعد اللعبة. لا يوجد في رأيي ما يمكن لأيّ عالِم أن يفعله في هذه المرحلة، لدفع الناس إلى الجلوس معًا، والبحث عن إجابة شافية".

References

  1. Rundlöf, M. et al. Nature 521, 77–80 (2015) | article
  2. Woodcock, B. A. et al. Science 356, 1393–1395 (2017). | article
  3. Blacquière, T., Smagghe, G., van Gestel, C. A. M. & Mommaerts, V. Ecotoxicology 21, 973–992 (2012).

     | article
  4. Williamson, S. M. & Wright, G. A. J. Exp. Biol. 216, 1799–1807 (2013).

     | article
  5. Henry, M. et al. Science 336, 348–350 (2012).

     | article
  6. Whitehorn, P. R., O’Connor, S., Wackers, F. L. & Goulson, D. Science 36, 351–352 (2012). | article
  7. van der Sluijs, J. P. et al. Environ. Sci. Poll. Res. 22, 148–154 (2015). | article
  8. Gill, R. J., Ramos-Rodriguez, O. & Raine, N. E. Nature 491, 105–108 (2012). | article
  9. Tsvetkov, N. et al. Science 356, 1395–1397 (2017). | article

دانيال كريسي كان مراسِلًا لدى دورية Nature من لندن، ويعمل حاليًّا نائبًا لرئيس التحرير في مطبوعة "ريسيرش" Research*.