مستقبليات

اقتحام ودخول

الهروب ليس خيارًا.

هول جيمسون
  • Published online:

ILLUSTRATION BY JACEY

إنني مسجون في زنزانة مفتوحة منذ 89 يومًا، ومع ذلك.. لم أجد مَخْرَجًا منها. كان مجلس إدارة السجن قد اختارني - باعتباري هاربًا مزمنًا – كواحد من أوائل النزلاء في برنامج السجن الفضائي التجريبي هذا؛ حيث سأقضي العام الأخير من مدة عقوبتي في المدار.

قبل الورطة التي أنا بها الآن، لم يكن هناك أي سجن يستطيع احتجازي، مهما بلغ عدد أسواره الكهربائية، أو حُرّاسه الشرسين، أو أنظمة المراقبة المتقدمة التي يستخدمها.

أمّا في هذه المرة، فقد أربكني النظام التصحيحي.

حجرتي الحالية في حجم عربة نقل. وتطل الفتحة الوحيدة بها على منظر للكرة الأرضية مثير للعقل. تنقّلتُ في غياب الجاذبية مستخدمًا المقابض المثبتة في الجدران. وشاهدت الأفلام، وسجلت أعمق أفكاري (فقد كنت مفكرًا متعمقًا)، كما تواصلت مع دكتور جيري، باستخدام الحاسوب المثبت في الجدار.

وبالطبع، كان هناك الباب المفتوح. لم يكن عليَّ سوى رفع مقبضين، وتدوير عجلة؛ لأنال حريتي.. وأنهي معها حياتي.

كان ملصق ديفيد هاسيلهوف معلَّقًا بالقرب من فراشي، من زمن مسلسل "نايت رايدر" Knight Rider؛ لا شيء من هذر فيلم "باي ووتش" Baywatch. وبشكل ما، كان يظهر دائمًا كلما غيرتُ مكاني. أنا متأكد من أن جيري كان له علاقة بذلك.. فقد كان إصراره على "إصلاحي" محيرًا.

لم يكن جيري يعيد تشكيل الأدمغة المضطربة فحسب، وإنما كان أيضًا عاشقًا للفضاء (إلى درجة الهوس). كان يعشق الحديث عن النيازك والأشكال التي تشبه "الفاصلة" في اللغة الإنجليزية (comma)، وهراء من هذا القبيل. تذكرتُ محادثتنا الأخيرة.

قال: "أعادت التقنيات الجديدة النشاط لبرامج الفضاء يا كيلي. لم تعد الحجرات المضادة للجاذبية، والمخصصة لتدريب رواد الفضاء على الأرض مجرد خرافة. وُضعت سلالم الفضاء في مكانها، وقد استُخدِم أحدها لنقل حجرتك إلى المدار. وقد أصبحت المحركات الأيونية شائعة الآن. الأمر برمته مذهل!"

قلت له: "المحركات الأيونية. نعم، كنت قلقًا من ألا يحدث ذلك مطلقًا".

ابتسم جيري، وأردف قائلًا: "نعم! الكثير من التقنيات المثيرة، مثل السجون الفضائية. والآن، إذ لم يعد الهروب خيارًا، يمكنك التركيز على عملية إعادة تأهيلك".

كدتُ أن أقول له إن الهروب دائمًا خيار.. لكنني صَمَتُّ، وأومأت برأسي.

 كنت قد توصلت إلى قرار. مرّ 89 يومًا، ولم أجد مخرجًا بعد؛ ولذا.. قررت أنه ما لم أتلق إشارة ما، سأفتح الباب، وأنهي الأمر.

رأيت فيما بعد جسمًا يمرّ أمام وجهي، وفزعت. كان مخلوقًا في حجم حبة حلوى الـ"جيلي بينز"، دار في الهواء، بينما أرجله الدقيقة تتلوى، وجسده البُنِّي المائل إلى الحمرة يعكس الضوء. مددتُ يدي وأمسكت به بين يدين مضمومتين، ثم فرجت ما بينهما؛ لأختلس النظر إليه.

طرفتُ بعيني مندهشًا. كان أجمل ما رأت عيني على الإطلاق.

همست إلى الصرصور: "لماذا أنت هنا؟"

 اليوم 90. أسميته نيل، على اسم رائد الفضاء. فكرتُ في اسم باز، لكن هذا الاسم بدا مناسبًا أكثر لحشرة بَقّ.

تناقشتُ أنا ونيل في أمور الحياة. أعني.. تحدثتُ أنا، واكتفى هو بالاستماع. شاهدته يتسلق وينزلق، وينجرف حول الحجرة، متأملًا في جمال زوايا هيكله الخارجي الأملس، وأقدامه الصغيرة النشطة. رسمتُ له عددًا لا يُحصى من الصور، وثبتُّ صورته المفضلة لديّ بجانب ملصق هاسيلهوف.

كنا متشابهَين؛ فكلانا سادة في اقتحام الأماكن. وقد منحني الشجاعة للتخطيط للمستقبل.

أرجأت التفكير في الهروب. سَأَدَعْهم يطلقون سراحي، فقط هذه المرة.

 اليوم 116. لم أجد نيل.

كنتُ محطَّمًا.. انتفخت عيناي من البكاء، والتصق شعري الدهني برأسي. بحثتُ عنه في كل مكان.. في الأركان التي كنت قد حشوتها بالفتات، حيث يمكنه أن يحتمي ويتناول الطعام، دون أن يسبح بعيدًا، وفي مفارش السرير، وحتى في نعل حذائي.

من غير نيل، لم أكن أستطيع التفكير. كنا قد وضعنا خططًا كثيرة معًا. كيف أمكنه الاختفاء هكذا؟

اللعنة! كنت محبوسًا ووحيدًا هنا، ولم يكن ثمة مهرب.

انتقلتُ بنظري إلى الباب. حسنًا، لم يكن ذلك صحيحًا تمامًا. مجرد رفع المقبضين، وتدوير العجلة، وأصبح حرًّا.

سَبَحْتُ عبر الحجرة، ووضعت يدي على المقبض العلوي.

لا تفكر في الأمر. نفِّذ بسرعة!

ضغطتُ على المقبض بلطف، وأدهشني كيف استجاب الذراع بسهولة. أَصْدَر الباب صريرًا، فأجفلت.

هل سمحت للفضاء بالدخول؟

اتكأتُ على المقبض الثاني، فانفتح بنقرة خفيفة.

حدقتُ في العجلة. كم مرة يجب أن أديرها لينفتح الباب؟ ألقيتُ نظرة أخيرة على أرجاء الغرفة، باحثًا عن أي أثر لصديقي. لم أجد شيئًا.

أدرتُ العجلة ثلاث مرات، حتى توقفَتْ، مُحْدِثة صوتًا عاليًا جدًّا. سقط الجزء الداخلي من الحجيرة في ظلام دامس. استجمعت قواي استعدادًا لمعركتي الأخيرة، وأخذتُ نفَسًا أخيرًا وأنا أتلفتُ سريعًا بين النجوم، والكرة الأرضية تلوح في الخلفية. سأصبح أسطورة في عيون سائر المساجين عندما يعرفون بقصة "الهروب الكبير من الفضاء". سيتغنون بي، وعني.

دفعتُ الباب؛ فانفتح، وسحبني معه. ولجزء من الثانية.. وقفتُ عالقًا في الهواء، وشخص بصري تحت وقع المفاجأة، بينما نفذ الضوء الساطع إلى عيني.

بعد ذلك.. شدتني الجاذبية بقوة، وارتطمتُ بالأرض.

هبطتُ بوجهي على حصيرة من العشب المُنَدَّى، ثم انقلبتُ على ظهري، ونظرتُ بصعوبة إلى السماء الزرقاء، ثم نظرت إلى حجيرتي التي علا الصدأ أجزاءها الخارجية، وانبعجت وتلطخت بفعل طلاء مرشوش. ورأيت حولها حفنة من الحجيرات الشبيهة الأخرى، محاطة بسور تعلوه أسلاك شائكة. وعلى بعد مائة ياردة، كان الهيكل العملاق لسجن "أبلجيت" Applegate.

دَوَّى ضحكي الصاخب في جميع أرجاء المستنقع.

امتلأت رأسي بخيارات هروب، لا حصر لها. لم يكن السور مشكلة. كنتُ حُرًّا في أن أذهب حيثما شئت، لكنني لم أذهب. وبدلًا من ذلك.. تسلقتُ عائدًا إلى حجرتي، وأغلقت الباب. أومضتُ الأضواء، وعادت من جديد حالة انعدام الوزن، لتهدهدني كفراش من ريش. ابتسمتُ لصورة صديقي المثبتة إلى جانب صورة هاسيلهوف.

كان يكفيني أن نيل قد هرب.

هول جيمسون كاتبة أمريكية، تعيش في شمال غرب المحيط الهادئ. تقضي جيمسون الأوقات التي لا تمارس فيها كتابة القصص في التجديف، والعزف على البيانو، ومشاكسة القطط.