أنباء وآراء

علم الجينوم البشري: فكّ الشفرة التنظيمية

مجموعة من الأبحاث تصنّف الارتباطات بين التنوع الجيني، والتعبير الجيني في الأنسجة السليمة؛ تُعَدّ هي التحليل الأكبر من هذا النوع حتى الآن. 

ميشيل سي. ورد، ويواف جلعاد 

  • Published online:

نص المقال

كيف يمكن للتسلسل نفسه للحمض النووي - الموجود في كل خلية تقريبًا من خلايا الجسم - أن يؤدي إلى ظهور أنسجة متنوعة ذات وظائف مختلفة؟ يهدف اتحاد مشروع التعبير عن النمط الجيني في الأنسجة (GTEx) إلى الإجابة عن هذا السؤال باستخدام استراتيجية تُسمى تعيين مواضع التعبير عن السمات الكمية (eQTL). تتيح هذه التقنية للباحثين وضع فهرس شامل للارتباطات بين التنوع الجيني، والتعبير الجيني في العديد من الأنسجة لدى كثير من الأفراد. في أربعة أبحاث1-4 نُشرت بدورية Nature، يعرض الاتحاد المرحلة الثانية من مشروعه، وأكبر مسح من هذا النوع حتى الآن.

على مدار العقدين الماضيين، تم إحراز تقدُّم كبير نحو فَهْم الآليات الجزيئية الكامنة وراء برامج التنظيم الجيني الديناميكية التي توجه عمليات النمو، والتمايز، والوظائف في أنواع محددة من الخلايا. ويتمثل التحدي الأبرز في فهم كيفية إسهام الاختلافات الجينية بين الأفراد في ظهور سمات معينة، من بينها قابلية الإصابة بالأمراض، ومن ثم إمكانية التنبؤ بها قبل حدوثها.

يبين عدد كبير من الأبحاث5 أن المتغيرات الجينية المسؤولة عن حدوث اختلافات بين الأفراد في السمات المعقدة - ومن ضمنها المرض - كثيرًا ما توجد في المناطق غير المشفرة للبروتين في الجينوم، التي قد تحدد طريقة وتوقيت التعبير عن الجينات. ونتيجة لذلك، شرع علماء الأحياء في فهرسة وفَهْم كيفية تأثير التنوع الجيني في كل من المناطق المشفرة وغير المشفرة على برامج التعبير الجيني الديناميكية والمحددة بناء على الأنسجة. ويمثل مشروع التعبير عن النمط الجيني في الأنسجة، الذي تأسس في عام 2010، محاولة منسقة لتحقيق هذا الهدف.  

في عام 2015، أعلن اتحاد مشروع التعبير عن النمط الجيني في الأنسجة عن تفاصيل دراسة تجريبية6،جُمعت فيها بيانات تعبير جيني من أنسجة متعددة، أُخذت من 273 متبرعًا فارقوا الحياة مؤخرًا. وتتضمن المحاولة الحالية لتكرار المشروع عددًا أكبر بكثير من العينات؛ مجموعها 7051 عينة من 449 شخصًا (الشكل 1). وقد جمع الاتحاد قياسات التعبير الجيني من 44 نسيجًا، مع أخذ معلومات النوكليوتيد لكل شخص من حوالي 12.5 مليون قاعدة DNA، معروف أنها تختلف من فرد إلى آخر. اشتمل الأمر على جهد تعاوني منسق؛ للتغلب على التحديات الأخلاقية، والقانونية، والتقنية المرتبطة بالحصول على عينات ما بعد الوفاة على نطاق واسع. 

الشكل 1 جمع البيانات من قِبَل اتحاد "مشروع التعبير عن النمط الجيني في الأنسجة" (GTEx). جمع الاتحاد1 -4عينات أنسجة من 44 نسيجًا مأخوذة من 449 شخص. حَلَّل الباحثون هذه العينات؛ بحثًا عن الاختلافات الجينية بين الأفراد. وفي هذا المثال، يحمل أحد الأشخاص قاعدتي أدينوسين (As) في نقطة معينة على كروموسومين شقيقين، بينما يحمل آخر قاعدة أدينوسين A، وقاعدة جوانين (G)، ويحمل شخص ثالث قاعدتي جوانين Gs. قاس الباحثون مستويات الحمض النووي الريبي؛ ليحددوا ما إذا كان تنوع جيني من هذا القبيل مرتبطًا باختلافات في التعبير الجيني (هنا، في مستويات الحمض النووي الريبي المنسوخة من الجين X)، أم لا. وقد ارتبطت متغيرات جينية متفاوتة بتعبير مختلف في أنسجة مختلفة.

الشكل 1 جمع البيانات من قِبَل اتحاد "مشروع التعبير عن النمط الجيني في الأنسجة" (GTEx). جمع الاتحاد1 -4عينات أنسجة من 44 نسيجًا مأخوذة من 449 شخص. حَلَّل الباحثون هذه العينات؛ بحثًا عن الاختلافات الجينية بين الأفراد. وفي هذا المثال، يحمل أحد الأشخاص قاعدتي أدينوسين (As) في نقطة معينة على كروموسومين شقيقين، بينما يحمل آخر قاعدة أدينوسين A، وقاعدة جوانين (G)، ويحمل شخص ثالث قاعدتي جوانين Gs. قاس الباحثون مستويات الحمض النووي الريبي؛ ليحددوا ما إذا كان تنوع جيني من هذا القبيل مرتبطًا باختلافات في التعبير الجيني (هنا، في مستويات الحمض النووي الريبي المنسوخة من الجين X)، أم لا. وقد ارتبطت متغيرات جينية متفاوتة بتعبير مختلف في أنسجة مختلفة.

كبر الصورة

في البحث الأول1 استفاد الاتحاد من مجموعة البيانات الضخمة المتوفرة لديه؛ لإظهار أن التعبير عن جميع الجينات تقريبًا في الجينوم البشري يتأثر بالتنوع الجيني. ويُوجَد معظم المتغيرات الجينية التي تؤثر على التعبير الجيني داخل بضع آلاف من القواعد في الجينات المتضررة، وتسمى cis-eQTLs. وعادة ما توجد هذه المتغيرات في مناطق تسلسل جيني، تعدل تنظيم نسخة واحدة فقط من نسختي الجين المصاب لدى شخص ما؛ مثل العناصر المنظِّمة، التي تُسمَّى المحفّزات، والمعززات، والمثبطات. كما حدد الاتحاد أيضًا عدة مئات من trans-eQTLs، التي تؤثر على التعبير عن الجينات الموجودة في مواضع أبعد، أو حتى تلك الموجودة على كروموسوم مختلف. وهذه المتغيرات عادة ما تغيِّر تنظيم نسختي الجين، لأنها تشفر عوامل النَّسخ، أو الأحماض النووية الريبية الصغيرة.

وقد بيَّن الباحثون أن cis-eQTLs تميل إلى تغيير التعبير الجيني في معظم الأنسجة التي خضعت للفحص. وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن trans-eQTLs تؤثر عمومًا على التعبير في نسيج واحد فقط، أو في عدد قليل جدًّا من الأنسجة. وقد وُجد من قبل أن متغيرات عديدة من تلك التي جرى اختبارها ترتبط بأمراض معقدة. والمثير للدهشة أن الاتحاد وجد أن حوالي نصفها كان مرتبطًا بتعبير جيني متغير في بعض الأنسجة التي اختُبرت. وهذه الملاحظة تُظْهِر جدوى الدراسات الكبيرة المجراة على eQTL؛ لتحديد الجينات والمسارات التي تتأثر بالتنوع الجيني المرتبط بالمرض.

في البحث الثاني2، وَسَّع الباحثون تحليلاتهم؛ ليختبروا تحديدًا تأثير متغيرات جينية نادرة على التعبير الجيني. يمتلك كل شخص عشرات الآلاف من المتغيرات غير المشفرة، التي كثيرًا ما يتم تجاهلها في السياق الإكلينيكي وفي دراسات الأمراض. وهذه المتغيرات أيضًا لا تؤخذ عادة بعين الاعتبار في تحليلات eQTL، التي تركز على المتغيرات الجينية الشائعة. ويقدم الباحثون طريقة إحصائية تدمج تسلسل الحمض النووي، وبيانات التعبير الجيني المأخوذة من الفرد نفسه. وتؤكد النتائج التي توصلوا إليها أهمية التنوع الجيني النادر في تحديد التعبير الجيني. ويمكن استخدام هذا الأسلوب الإحصائي في توقع أي متغيرات الحمض النووي تحديدًا هي المسؤولة عن إحداث تغيرات خلوية تؤدي إلى المرض في الجينومات الفردية.

وفي البحثين الثالث والرابع، دمج الاتحاد بيانات مشروع التعبير عن النمط الجيني في الأنسجة مع مجموعات بيانات أخرى، لبحث الطريقة التي تستطيع بها المتغيرات المرتبطة بالتعبير الجيني المتغيّر أن تنظم ظاهرتين، هما: عمليات تحرير الحمض النووي الريبي3 وتعطيل الكروموسوم-4X.

وإضافة إلى النتائج المطروحة، قدّم المشروع موردًا قيّمًا للمجتمع، حيث أتاح بياناته الأولية في قاعدة بياناتdbGaP(www.ncbi.nlm.nih.gov/gap، وبياناته المُعالجة في موقع إلكتروني تفاعلي هو (www.gtexportal.org). ربما لم تعد عملية جمع العينات، ومراقبة الجودة، والتوحيد القياسي للبيانات، وتنظيم المشروع هي أحدث التطورات، لأن الدراسة استغرقت عدة سنوات. ومع ذلك، تعد جوانب المشروع هذه أكثر شمولًا من المعتاد في مشروعات الاتحادات الكبيرة. ولذا، يمكن استقصاء البيانات بسهولة من قِبَل باحثين آخرين؛ لمعالجة أسئلة محددة باستخدام تحليلات أكثر دقة.

ومع مضيّ المشروع قدمًا، ودراسته مزيدًا من الناس، سيكون من الضروري دراسة ثلاثة تحديات رئيسة، أولًا: رغم أن الاتحاد قد حدّد ما يقرب من مليون متغير جيني مرتبط باختلافات في التعبير الجيني، فمن المحتمل أن معظمها لا يسبب اختلافات في التعبير الجيني على نحو مباشر. وغالبًا ما تكون اختلافات الحمض النووي مترابطة عبر الجينوم، وتُورث معًا من جيل إلى جيل. ويعني هذا أنه - بالإضافة إلى المتغير الجيني المسبب لأي سمة معينة - يمكن العثور على عدد كبير جدًّا من الارتباطات ذات الصلة غير المسببة لأي سمة. ولذا، من الممكن أن يكون هناك بعض المتغيرات المسببة لسمات، لم يحددها الاتحاد بعد. وستكون ثمة حاجة للحصول على تسلسل الجينوم الكامل من كل فرد، لتحديد كل هذه المتغيرات المرافقة، وينبغي استخدامها إلى جانب أساليب جديدة للتنبؤ بالمتغير المسبب. ومن شأن القدرة على معالجة المتغيرات الجينية باستخدام أداة تحرير الجينوم "كريسبر-كاس 9" CRISPR-Cas9، وتحليل أي تغييرات لاحقة في التعبير الجيني - كما يفعل الباحثون في عدد قليل من الحالات - أن تُمَكِّن الباحثين من تحديد المتغيرات الجينية المسببة.

ثانيًا: على الرغم من أن تحليلات مشروع التعبير عن النمط الجيني في الأنسجة تمثل المجموعة الأشمل من الأنسجة المفهرسة حتى الآن، فإن جميع الأنسجة تتكون من العديد من أنواع الخلايا، وربما يسهم هذا في التنوع الملحوظ في التعبير الجيني. ومن شأن اختبار التأثيرات الجينية على التعبير الجيني بدقة أعلى في الخلايا المفردة باستخدام تقنيات معالجة الخلايا المفردة أن يساعد أيضًا على تركيز الإشارة.

ثالثًا: من أجل الانتقال إلى ما بعد العمل الوصفي، وصولًا إلى فهم الآليات الفعلية الكامنة وراء برامج التنظيم الجيني، يجب إجراء اختبارات جينومية وظيفية متعددة، تصف العوامل المؤثرة على التعبير الجيني (مثل إمكانية الوصول إلى الكروموسوم، وارتباط عوامل النسخ، وتعديل الحمض النووي بواسطة مجموعات الميثيل) في الخلايا نفسها. ويمكن للمتغيرات الجينية أن تؤثر على جوانب  تتابع التنظيم الجيني، بخلاف مستويات الحمض النووي الريبي، التي يجب فحصها أيضًا. وثمة ثلاثة أمثلة عليها، هي معدّل النسخ الجيني، وآلية معالجة الحمض النووي الريبي، ومعدل النقل. وسوف يجري فحص بعض جوانب التنظيم الجيني هذه من قِبَل مشروع "تعزيز التعبير عن النمط الجيني في الأنسجة " الجاري، على النحو المبين في تعليق نُشر في دورية Nature 7Genetics.  

وبالنسبة إلى العديد من هذه التجارب الديناميكية، قد لا تكون عينات الأنسجة المجمدة - كتلك المستخدَمة في الدراسة الحالية - مثالية. وربما تَستخدِم جهود مستقبلية نماذج الخلايا الجذعية، أو تدرس خلايا متمايزة في المختبر؛ لاستكمال البيانات المستمدة من دراسة الأنسجة المجمدة.

ورغم ذلك، فإن الفهرس الشامل الذي وضعه اتحاد مشروع التعبير عن النمط الجيني في الأنسجةيقربنا خطوة من حل لغز الشفرة التنظيمية للجينوم. وقد أصبحت تأثيرات التنوع الجيني على التعبير الجيني تزداد وضوحًا بالتدريج.

References

  1. The GTEx Consortium. Nature 550, 204–213 (2017). | article
  2. Li, X. et al. Nature 550, 239–243 (2017). | article
  3. Tan, M. H. et al. Nature 550, 249–254 (2017). | article
  4. Tukiainen, T. et al. Nature 550, 244–248 (2017). | article
  5. Edwards, S. L., Beesley, J., French, J. D. & Dunning, A. M. Am. J. Hum. Genet. 93, 779–797 (2013). | article
  6. The GTEx Consortium. Science 8, 648–660 (2015). 
  7. . Stranger, B. E. et al. Nature Genet. doi:10.1038/ng.3969 (2017).

ميشيل سي ورد، ويواف جلعاد يعملان في قسم الطب بجامعة شيكاجو، شيكاجو، إلينوي 60637، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: mcward@uchicago.edu

 gilad@uchicago.edu