أنباء وآراء

التطور الجزيئيّ: لا مفرّ من الضفة المتشابكة

تفاعلات بيئيّة تنشأ تلقائيًّا في دراسة تجريبية لمجموعات بكتيرية مستزرَعة لستين ألف جيل، وتحافظ على تطورها السريع بالانتخاب الطبيعيّ.

جوشوا بي. بلوتكين

  • Published online:

في نهاية كتاب "أصل الأنواع"، يصف تشارلز داروين ما أسمَاه بالضفة المتشابكة1، عبارة عن نظام بيئيّ من النباتات، والطيور، والحشرات، مرتبط تطورها ارتباطًا معقدًا باعتمادها على بعضها البعض للبقاء. ومِن هنا.. لا بد للباحثين الدارسين للتطور في البريّة أن يشقوا طريقهم بصعوبة عبر هذه الضفة المتشابكة. وتُقدِّم التجارب المعملية المُحْكَمة أسلوبًا بديلًا، من شأنه تفادي تعقيدات التفاعلات البيئية، لكنّ جوود وزملاءه2 حللوا في بحثهم المنشور في دورية Nature التطور في مجموعات معملية من البكتيريا، وتوصلوا إلى اكتشاف مذهل؛ وهو أن التفاعلات البيئية تنشأ تلقائيًّا، وتحافظ على تطوّرها بالانتخاب الطبيعيّ لعشرات الآلاف من الأجيال.

بدأت دراسة الأنماط الأولية للتطور معمليًّا قبل حوالي 30 عامًا، حينما صَمَّم عالِم الأحياء ريتشارد لينسكي 12 مجموعة متطابقة من البكتيريا الإشريكية القولونية Escherichia coli سريعة النمو. وكان لينسكي قد صمَّم تجربة التطور طويلة الأمد خاصته، لدراسة التكيّف مع بيئة معملية ثابتة، مع إزالة أكبر قدر ممكن من التعقيدات، والعوامل المحيِّرة. وتُنقَل كل يوم في هذه التجربة كل مجموعة من المجموعات الاثنتي عشرة إلى قارورة جديدة من المواد الغذائية، لإتاحة استمرار نمو الخلايا وانقسامها. وتُجمَّد عينات من هذه المجموعات بشكل دوريّ، لحفظ "سجل أحفوريّ"؛ بهدف تحليله بأثر رجعيّ.

وقد كان هذا الأسلوب الاختزاليّ مثمرًا جدًّا؛ إذ نَتَجَت عن تجربة التطور طويلة الأمد اكتشافاتٌ مدهشة، مثل الزيادة الواضحة في معدلات الطفرات في بعض المجموعات التي كانت متطابقة فيما مضى، وتطوُّر صفة مستقلبية أساسية في مجموعة أخرى3. وأتاح السجل الأحفوريّ المجمّد للباحثين إنعاش سلالات سالفة، معيدِين بذلك دورة حياتها؛ للكشف عن الأسباب الجزيئية لهذه الظواهر المدهشة.

إنّ التطور المُلاحَظ في تجربة لينسكي معقَّد بما يكفي لمفاجأتنا، لكنه بسيط بما يكفي أيضًا لفَهْمه. فقد تعامل الباحثون حتى الآن مع تجربة التطور طويلة الأمد كما قد يفعل المؤرخون الطبيعيون؛ أي بتحديد نماذج لظواهر لافتة للنظر، والتعمق في دراستها؛ لتحليل أسبابها. فهل تعكس هذه الظواهر المسار القياسيّ للتطور في المجموعات البكتيرية بتجربة التطور طويلة الأمد؟ للإجابة عن هذا السؤال، يتَّبع جوود وزملاؤه أسلوبًا جديدًا لتحليل عيِّنات تجربة التطور طويلة الأمد؛ وهو وَصْف ما هو معتاد، بدلًا من توثيق ما هو لافت للنظر. ويكشف أسلوبهم الإحصائيّ عن أن الظواهر التي كانت تُلاحَظ في السابق على أنها نماذج فردية مميَّزة تحدث في الواقع بشكل منتظم.

حللّ الباحثون ديناميكيات التطور الجزيئيّ على مدار 60 ألف جيل في تجربة التطور طويلة الأمد، فأعادوا رسم المسارات الزمنية لجميع الطفرات التي وصلت إلى معدل تكرار حديّ، عن طريق تحديد تسلسلات عيِّنات من كل مجموعة لكل 500 جيل. ويستخدم مسار تحليل الباحثين الترابط بين العيّنات المأخوذة من المجموعة نفسها في نقاط زمنيّة مختلفة؛ لتمييز الطفرات الحقيقية من أخطاء التسلسل.

وفي تقدُّم جوهريّ عن الدراسات السابقة، استخدم جوود وزملاؤه تقنية إحصائية، تُسمَّى "نموذج ماركوف المخفيّ"؛ لتقدير وقت دخول كل طفرة للمجموعة البكتيرية للمرة الأولى، ووقت انقراضها أو انتشارها اللاحق في المجموعة بأكملها. لا يمكن ملاحظة هذه الأحداث مباشَرة، بسبب تشويش أخطاء التسلسل على إشارتها. وتكون النتيجة مجموعة من مسارات معدلات التكرار عالية الدقّة لحوالي 35 ألف طفرة بمرور الوقت.

تضيف المسارات التي استنتجها جوود وزملاؤه تفصيلًا مهمًّا لفَهْمنا للتطور في المجموعات التجريبية، حيث تتوزع الطفرات المكتشَفة بشكلٍ غير متجانس في الجينوم كله، وبشكلٍ متجانس داخل الجين الواحد في نهاية المطاف. واكتسب بعض الجينات طفرات في العديد من المجموعات الاثنتي عشرة على نحو مستقل، وهو ما يُعَد ظاهرة غير عشوائية بدرجة كبيرة، تُسمَّى "التوازي".

حدثت الطفرات المتوازية عادةً في جين ما في المرحلة المبكرة من التجربة. ويشير هذا - كما ذُكِر في تقارير سابقة4 - إلى أن الطفرات في الكثير من الجينات تقدِّم أقصى تكيُّف ممكن لديها للخلية. بعد ذلك، لا تحمل أي طفرات جديدة في الجين منفعة تكيفيّة، إلا أن جوود وزملاءه لاحظوا أيضًا أن بعض الجينات يحمل طفرات متوازية، نَشَأت في وقت لاحق من التجربة.

وتميل هذه الجينات لاحقة الظهور إلى التعرض للطفرات في بعض المجموعات، دون غيرها، ما يشير إلى مبدأ المصادفة التاريخية، أي إمكانية أن تفتح طفرة مبكرة حميدة ظاهريًّا طريقًا لطفرة لاحقة، بجعلها مثلًا طفرة نافعة، بدلًا من أن تكونٍ ضارّة. اشتهرت3 المصادفة التاريخية بأنها تلعب دورًا في استحداث استقلابي معيَّن في تجربة التطور طويلة الأمد، وفي جوانب أخرى من الحياة5، لكن النتائج التي توصّل إليها جوود وزملاؤه تشير إلى أن المصادفة التاريخية أمر مألوف الحدوث. ونتيجةً لذلك.. تتغيَّر الأهداف الجينية للانتخاب الطبيعيّ على طول مسار التطور.

يتمثّل أهم اكتشافات الباحثين في النشوء التلقائي للتفاعلات البيئية التي تدعم التطور المتواصل (شكل 1). وقد سبق أنْ حُدِّدت مجموعات فرعية مستمرة في إحدى مجموعات لينسكي6، إلا أن جوود وزملاءه اكتشفوا أن تسع مجموعات على الأقل من المجموعات الاثنتي عشرة تنقسم إلى فرعين حيويين منفصلين (مجموعتين جينيتين منفصلتين). يتعايش هذان الفرعان الحيويان لعشرات الآلاف من الأجيال، ومن ثم لا بد من وجود صورة ما من الاتكالية المتبادلة فيما بينهما تصون بقاءهما.

شكل 1| النشوء التلقائيّ للتفاعلات البيئية في أثناء التطور المُحكَّم. حلّل جوود وزملاؤه2 الطفرات التي نشأت في مجموعة من البكتيريا الإشريكية القولونية Escherichia coliفي أثناء تطورها في ظروف معملية مُحْكَمة بدقة. في هذا الرسم البيانيّ المبسط، تظهر بكتيريا فردية في مجموعة مبدئية، لا تحتوي على أي طفرات (الأبيض)؛ وتكتسب السلالات المتحدرة منها طفرات على مدى 60 ألف جيل. والطفرات الموضح كلٌّ منها بلون مختلف تنشأ (الدوائر البرتقالية الصغيرة) وتنتشر، مع تراجع بعضها لاحقًا حين تغلبها في المنافسة طفرات أخرى بمرور الوقت. في البداية، تتنافس طفرات نافعة عديدة، تنتشر في هذا الرسم الطفرة 1 عبر المجموعة بأكملها، وتتنافس ضد بعضهما البعض الطفرتان 2 و3 اللتان تنشآن في هذه الخلفية الجينية. اكتشف الباحثون أن مجموعتين فرعيتين معتمدتين على بعضهما البعض، وتحملان طفرات مختلفة عن بعضها البعض، تنشآن في مراحل لاحقة. وتستمر ديناميكيات الطفرات المتنافسة - التي حدثت في المرحلة المبكرة من التجربة - في الحدوث في هذه المجموعات الفرعية المنفصلة لاحقًا. تمثِّل درجات الأزرق والأخضر الطفرات داخل المجموعات الفرعية المختلفة.

شكل 1| النشوء التلقائيّ للتفاعلات البيئية في أثناء التطور المُحكَّم. حلّل جوود وزملاؤه2 الطفرات التي نشأت في مجموعة من البكتيريا الإشريكية القولونية Escherichia coliفي أثناء تطورها في ظروف معملية مُحْكَمة بدقة. في هذا الرسم البيانيّ المبسط، تظهر بكتيريا فردية في مجموعة مبدئية، لا تحتوي على أي طفرات (الأبيض)؛ وتكتسب السلالات المتحدرة منها طفرات على مدى 60 ألف جيل. والطفرات الموضح كلٌّ منها بلون مختلف تنشأ (الدوائر البرتقالية الصغيرة) وتنتشر، مع تراجع بعضها لاحقًا حين تغلبها في المنافسة طفرات أخرى بمرور الوقت. في البداية، تتنافس طفرات نافعة عديدة، تنتشر في هذا الرسم الطفرة 1 عبر المجموعة بأكملها، وتتنافس ضد بعضهما البعض الطفرتان 2 و3 اللتان تنشآن في هذه الخلفية الجينية. اكتشف الباحثون أن مجموعتين فرعيتين معتمدتين على بعضهما البعض، وتحملان طفرات مختلفة عن بعضها البعض، تنشآن في مراحل لاحقة. وتستمر ديناميكيات الطفرات المتنافسة - التي حدثت في المرحلة المبكرة من التجربة - في الحدوث في هذه المجموعات الفرعية المنفصلة لاحقًا. تمثِّل درجات الأزرق والأخضر الطفرات داخل المجموعات الفرعية المختلفة.

كبر الصورة

"الظواهر التي كانت تُلاحَظ في السابق على أنها نماذج فردية مميَّزة تَحْدُث في الواقع بشكل منتظم".

تحافظ هذه التفاعلات البيئية الناشئة على تكيُّف متواصل بوتيرة ثابتة تقريبًا على مدار التجربة كلها، وإنْ كان قد اُكتشِف أن فوائد التكيُّف المتواصل مع المجموعة الكاملة تتراجع بمرور الوقت4. وتنتشر الطفرات في الفرع الحيويّ الواحد في الجيل رقم خمسين ألف بالمعدل نفسه للتكرار والسرعة تقريبًا في الجيل رقم خمسة آلاف. ولا شك أن النمط المميَّز للطفرات النافعة المتنافسة العديدة7، الذي يحدث في المرحلة المبكِّرة من مجموعات لينسكي، يستمر في الحدوث في كل فرع حيويّ طوال التجربة.

على الرغم من كل الانتظام الإحصائي الذي كشف عنه جوود وزملاؤه، فإنّ اكتشاف التفاعلات البيئية المتغلغلة في تجربة التطور طويلة الأمد سيُعقِّد أي بحوث مستقبلية. ففي السابق، كان عِلْما التطور والبيئة يُعتبَران فرعين منفصلين، يُدرَس كلٌّ منهما بمعزل عن الآخر، دون مشكلات. وكانت هناك عدة حالات موثَّقة لظهور تغيُّرات بيئية وتطورية في الإطار الزمنيّ نفسه8، خاصة حينما تتنافس العوامل المُعدية ضد الدفاعات المناعية للعائل 10،9، لكن تجربة التطور طويلة الأمد أُعِدت كتجربة تدور في أبسط بيئة ممكنة؛ لتفادي هذه التعقيدات تحديدًا، ولهذا.. فإن النشأة التلقائية لهذه الأنماط الحياتية البيئية في هذا المحيط تُعَد تطورًا مفاجِئًا.

لا تتزامن العمليات البيئية والتطورية في حدوثها مع بعضها البعض فحسب، وإنما يبدو الآن مستحيلًا فصل كل من تلك العمليات البيئية والتطورية عن بعضها البعض. لذا.. يجب على الأبحاث المستقبلية أن تتناول ما إذا كان التكيّف المتواصل في هذه المجموعات تتم المحافظة عليه بفعل الأنماط الحياتية البيئية المتعددة فحسب، أم أنه يتسارع بفعل التفاعلات بين الفروع الحيوية، أم يعيد التطور في هذه الفروع الحيوية بفعالية تشكيل التوازن البيئيّ الناشئ.

References

  1. Darwin, C. On The Origin of Species By Means of Natural Selection (John Murray, 1859).  | article
  2. Good, B. H. et al. Nature 551, 45–50 (2017).  | article
  3. Blount, Z. D., Borland, C. Z. & Lenski, R. E. Proc. Natl Acad. Sci. USA 105, 7899–7906 (2008). | article
  4. Tenaillon, O. et al. Nature 536, 165–170 (2016). | article
  5. Bridgham, J. T., Ortlund, E. A. & Thornton, J. W. Nature 461, 515–519 (2009).  | article
  6. Rozen, D. E. & Lenski, R. E. Am. Nat. 155, 24–35 (2000).  | article
  7. Schiffels, S., Szöllősi, G. J., Mustonen, V. & Lässig, M. Genetics 189, 1361–1375 (2011).  | article
  8. Yoshida, T. et al. PLoS Biol 5, e235 (2007). | article
  9. Lieberman, T. D. et al. Nature Genet. 43, 1275–1280 (2011). | article
  10. Earn, D. J. D., Dushoff, J. & Levin, S. A. Trends Ecol. Evol. 17, 334–340 (2002). | article

جوشوا بي. بولتكين يعمل في قسم الأحياء بجامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا 19104، الولايات المتحدة الأمريكيّة

e-mail: jplotkin@sas.upenn.edu