أنباء وآراء

كيمياء الجزيئات الضخمة: زيجة مثالية بين المواد

هلام ماصّ يوضع في فراغ داخل بلورة بروتينية، لينتِج مادة مذهلة قادرة على الالتئام الذاتي؛ إذ تستعيد ترتيبها الجزيئي بعد عدة دورات من التمدد والانكماش.

فرانسوا بينيكس

  • Published online:

في أفضل الزيجات، يضفي كل طرف على العلاقة صفاتٍ تجعلها أقوى وأكبر من مجموع أجزائها. وفي بحث نُشر مؤخرًا بدورية Nature، قام تشانج وزملاؤه1 بتحقيق إنجاز كهذا في مجال علم خواص المادة. فقد زاوجوا بين بلورات بروتينية، وهلام بوليمري؛ لإنتاج مادة هجينة قادرة على الالتئام الذاتي، ويمكنها القيام بدورات متعددة من التمدد الفائق والانكماش، من دون أن تفقد قدرتها على العودة إلى حالتها البلورية الأصلية. تحمل هذه التركيبات الديناميكية آمالًا عريضة لتطبيقات من قبيل أجهزة الاستشعار، وأجهزة الفصل، والمشغِّلات (الأجهزة التي تحوِّل الطاقة إلى حركة)؛ لكنْ تعذَّر إنتاجها حتى وقتنا الحالي.

المكوِّن المُرتَّب بهذا الزوج المقترن هو "الفيرّيتين"، وهو بروتين واسع الانتشار في الطبيعة. يخزِّن الفيرّيتين شكلًا مُمَعدنًا من الحديد، يُسمَّى أكسيد الحديد المائي (ferrihydrite) في لُبه الأجوف، ويُطْلِق أيونات الحديد الثنائي (+Fe2) حين يحتاج إليها الكائن الحي. يتألف كل جزيء من "الفيرّيتين" من 24 وحدة فرعية، تتجمع ذاتيًّا كي تشكِّل بِنْية شبه كروية، وتشبه القفص.

استخدم تشانج وزملاؤه نوعًا من "الفيرّيتين"، أنتجوه على النحو المذكور من قبل2، ليمكِّنوا سلاسل الأحماض الأمينية الجانبية في جزيئين منه من الارتباط بأيونات الكالسيوم، بحيث تشكِّل جسورًا بين الجزيئات. ويرتبط كل جزيء من "الفيريتين" بهذه الطريقة باثني عشر جزيئًا من الجزيئات المجاوِرة له، ما يمكِّن البروتين من النمو على شكل بلورات مكعبة، لها تنظيم طويل المدى، يمتد إلى عشرات الميكرومترات.

أراد الباحثون دمج البلورة مع مكوّن مرن، واختاروا مادة هلامية مائية بوليمرية كمرشح مثالي لذلك، وهي شبكة ماصة للماء، مكوّنة من بوليمرات مشبّكة. ولجمع المكونَين معًا، قام الباحثون أولًا بنقع البلورات في محلول من طلائع صغيرة للهلام المائي، وهو ما مكَّن الطلائع من الانتشار في الفراغ الذي ملأه الماء في شبيكة "الفيرّيتين"، ثم قاموا بعد ذلك ببلمرة الطلائع، عن طريق نقل البلورات إلى محلول من بادئات البلمرة، كان يتسم بالملوحة الشديدة؛ ليمنع أي انتفاخ بلوري غير ضروري بفعل ارتشاح الماء. تشكلت شبكة متصلة ومرنة من الهلام المائي في أقل من دقيقتين داخل الفراغ، الذي جرى ترشيحه بعد ذلك بقليل بفعل المحلول الملحي.

عند وضع المركّبات الناتجة في الماء، تمددت على نحو متسق الاتجاهات (أي تمددت بشكل متساو في كل الاتجاهات) حتى حوالي 200% من حجمها الأصلي، في غضون دقائق. لم تفقد البلورات شكلها الجانبي، ولم تُطْلِق "الفيرّيتين" في الوسط العام، وذلك على امتداد 50 دقيقة على الأقل. ومع ذلك.. فقد أدى التمدد المتواصل في النهاية إلى فقدان الحواف الواضحة للبلورات.

والأكثر إثارة للدهشة أنه حين نقل تشانج وزملاؤه البلورات المتمددة جزئيًّا إلى محلول مركّز من كلوريد الصوديوم، أو كلوريد البوتاسيوم، ثم وضعوها في حضّانة محلول مركز من كلوريد الكالسيوم؛ انكمشت البلورات عن طريق التجفيف، واستعادت بذلك حجمها الأصلي، وكذلك بِنْيتها الشبكية (الشكل 1). ويمكن تكرار عملية التمدد والانكماش هذه ثماني مرات على الأقل، من دون تغيُّر ملحوظ في ترتيب "الفيريتين"، بل ولاحظ الباحثون أن صور الأشعة السينية المأخوذة لبِنَى المواد الهجينة المكوّنة من "الفيريتين" والهلام المائي، التي مرت بدورة تمدُّد وانكماش واحدة، كانت أكثر وضوحًا مما يمكن الحصول عليه باستخدام بلورات "الفيريتين" المجهزة بالطريقة التقليدية، التي كات تفتقر إلى الهلام المائي. ويشير ذلك إلى أن شبكات هذه المركّبات الهجينة مرتَّبة بصورة أدقّ من تلك الخاصة بالفيريتين المُنتَج بالطريقة التقليدية. وبهذا.. يمكن أن يكون التشريب بالبوليمرات طريقة مفيدة لتحسين جودة البِنَى البروتينة الأخرى، أو للاطلاع على حالات بنيوية بديلة للبروتين.

الشكل 1 | تمدُّد وانكماش مركّب من البروتين والهلام المائي. أعد تشانج وزملاؤه1مادة مركّبة، يملأ فيها هلام مائي (وهو شبكة ماصّة للماء، مكوَّنة من بوليمرات متشابكة) الفراغات داخل الشبكة البلورية لبروتين "الفيريتين" شبه الكروي، وتتماسك الشبيكة بأيونات الكالسيوم (غير مبينة بالشكل)، التي تشكل جسورًا بين جزيئات "الفيريتين". عند نقع البلورات في الماء، فإنها تتمدد بصورة متساوية في كل الاتجاهات، بينما يتموّه الهلام المائي. ومن ثم، فغالبية الترتيب في الشبيكة يُفقد، لكنّ قدرًا من الترتيب طويل المدى يظل محفوظًا في الاتجاه القطري المبيّن (السطح (111)). وعند غمر البلورات المتمددة في محلول من كلوريد الصوديوم المركز (الذي يجفف الهلام المائي)، ثم في محلول كلوريد الكالسيوم (الذي يعيد تشكيل الجسور بين جزيئات "الفيريتين")؛ تنكمش البلورات، وتعود مجددًا إلى حجمها الطبيعي، ويُستعاد الترتيب الشبكي.

الشكل 1 | تمدُّد وانكماش مركّب من البروتين والهلام المائي. أعد تشانج وزملاؤه1مادة مركّبة، يملأ فيها هلام مائي (وهو شبكة ماصّة للماء، مكوَّنة من بوليمرات متشابكة) الفراغات داخل الشبكة البلورية لبروتين "الفيريتين" شبه الكروي، وتتماسك الشبيكة بأيونات الكالسيوم (غير مبينة بالشكل)، التي تشكل جسورًا بين جزيئات "الفيريتين". عند نقع البلورات في الماء، فإنها تتمدد بصورة متساوية في كل الاتجاهات، بينما يتموّه الهلام المائي. ومن ثم، فغالبية الترتيب في الشبيكة يُفقد، لكنّ قدرًا من الترتيب طويل المدى يظل محفوظًا في الاتجاه القطري المبيّن (السطح (111)). وعند غمر البلورات المتمددة في محلول من كلوريد الصوديوم المركز (الذي يجفف الهلام المائي)، ثم في محلول كلوريد الكالسيوم (الذي يعيد تشكيل الجسور بين جزيئات "الفيريتين")؛ تنكمش البلورات، وتعود مجددًا إلى حجمها الطبيعي، ويُستعاد الترتيب الشبكي.

كبر الصورة

وثمة عدد من الملاحظات الإضافية التي تستحق إلقاء الضوء عليها، أولًا: وجد تشانج وزملاؤه أنه لم تكن كل أنواع الهلام المائي جيدة بالقدر ذاته لدعم عملية التمدد والانكماش؛ نظرًا إلى ضرورة وجود تفاعلات كبيرة كهروستاتيكية، وخاصة بالترابط الهيدورجيني بين سلاسل البوليمرات الجانبية، وجزيئات "الفيريتين"؛ من أجل استعادة الترتيب. وثانيًا: قابلية عكس هذه العملية ليست مثالية، فأيونات الكالسيوم تساعد شبيكة "الفيريتين" على "الارتداد" إلى موضعها، عن طريق حجب التفاعلات الكهروستاتيكية غير المرغوب فيها، وأيضًا الربط بين جزيئات الفيريتين، غير أن بِنْية حوالي نصف هذه الروابط تتغير بعد دورة من التمدد والانكماش. وثالثًا: عادة ما كانت البلورات المتشربة بالبوليمرات تتشقق عند التعرض لتمدد أو انكماش مفاجئ. ومع ذلك.. فقد كانت هذه الشروخ تلتئم بسرعة، لأن الشبكة البوليمرية كانت تتفاعل ديناميكيًّا مع جزيئات "الفيريتين"، ويعاد ترتيبها حولها، رغم أن الهلام المائي لم يجرِ تصنيعه ليتسم بخصائص الالتئام الذاتي الجوهرية3.

وأخيرًا، أظهر الباحثون أن البلورات المحمَّلة بأكسيد الحديد المائي، وكذلك المصنوعة باستخدام الفيريتين الموسوم فلوريًّا، لم تعان من ضعف في قدرتها على التمدد والانكماش متسق الاتجاهات عند تشرُّبها بالهلام المائي. كما أوضحوا أن تمدد وانكماش هذه البلورات لم يتأثر عند نمو قشرة من "الفيريتين" فوقها، وحين تشرَّب المركّب بالهلام المائي. وعلى النقيض من ذلك.. حين نمت قشرة من "الفيريتين" على لُب من بلورات "الفيريتين" الموسوم فلوريًّا، التي تم تشبيك جزيئاتها كيميائيًّا لمنع التمدد، وأُدخل الهلام المائي في البِنْية المكوّنة من اللُّب والقشرة، تهشمت القشرة عند معالجة البلورات بالماء، وذلك بسبب ظهور عدم توافق في الشبيكة بين اللب والقشرة مع تمددها.

وقد استُخدمت الفجوة الداخلية في "الفيريتين" كوعاء تفاعل نانوي الحجم، حيث تُنتَج داخله جزيئات نانوية مُمعدنة، لها نشاط بصري، أو تحفيزي، أو مغناطيسي4، ويؤدي فيه حشد الجزيئات النانوية في تجميعات مرتبة إلى ظهور سلوكيات جمعية، صارت لها تطبيقات في مجال الإلكترونيات البصرية، والطب، والاستشعار5. ومن ثم، فإن النتائج التي توصّل إليها تشانج وزملاؤه ربما تطرح طريقة مفيدة لتنقيح هذه الظواهر الجمعية، عن طريق إتاحة عمليات الترتيب البنيوي، القابلة للتحكم، وللعكس في مصفوفات الجسيمات النانوية ثلاثية الأبعاد. وسيعتمد النجاح على هوية وخصائص الجزيئات المُنتَجة داخل تجويف جزيئات "الفيريتين"، وعلى المسافات الفاصلة، والترتيب الذي تفرضه بِنْية البروتين والشبيكة البلورية على هذه الجزيئات النانوية، وعلى ما إذا كانت الخصائص الحركية لتمدُّد وانكماش البوليمرات يمكن تسريعها، أو إخضاعها لغير ذلك من صور التحكم الدقيق، أم لا.

وبخلاف "الفيريتين"، مِن المفترض لاستخدام الأقفاص البروتينية4 الطبيعية الأخرى - وكذلك، وهو الأمر الأكثر إثارة للحماس، استخدام أقفاص بروتينية اصطناعية مصمَّمة من الصفر7،6 - أن يوفر طلاقة الحركة المطلوبة للتحكم في المسافات الفاصلة بين الجسيمات النانوية، وفي المنظومات الشبكية. وإضافة إلى ذلك.. فإن تطوير عمليات كيميائية بوليمرية إبداعية سيدعم الجهود الهادفة إلى تعديل الخصائص الحركية للتمدد والانكماش.

References

  1. Zhang, L., Bailey, J. B., Subramanian, R. H. & Tezcan, F. Nature 557, 86–91 (2018).  | article
  2. Lawson, D. M. et al. Nature 349, 541–544 (1991).  | article
  3. Roy, N., Bruchmann, B. & Lehn, J.-M. Chem. Soc. Rev. 44, 3786–3807 (2015).  | article
  4. Rother, M., Nussbaumer, M. G., Renggli, K. & Bruns, N. Chem. Soc. Rev. 45, 6213–6249 (2016). | article
  5. Mann, S. Nature Mater. 8, 781–792 (2009). | article
  6. Bale, J. B. et al. Science 353, 389–394 (2016).  | article
  7. Hsia, Y. et al. Nature 535, 136–139 (2016). | article

فرانسوا بينيكس يعمل في قسم الهندسة الكيميائية بجامعة واشنطن، سياتل، واشنطن 98195، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني:  baneyx@uw.edu