أخبار

موازنة ترامب تُخيّب الآمال

سيشهد الكثير من الهيئات العلمية الرئيسة ثباتًا في التمويل بموجب هذه الموازنة.

لورين موريللو، وجيورجيا جوجليلمي، وسارة ريردون، وجيف توليفسون، وألكساندرا ويتز
  • Published online:
موازنة ترامب المطروحة ستزيد من تمويل البحوث عن الوقود الأحفوري، مثل الفحم المُستخدَم في محطة توليد الطاقة الموضحة في هذه الصورة.

موازنة ترامب المطروحة ستزيد من تمويل البحوث عن الوقود الأحفوري، مثل الفحم المُستخدَم في محطة توليد الطاقة الموضحة في هذه الصورة.  

ROBERT NICKELSBERG/GETTY

ساد الارتباك في 12 فبراير 2018، عندما أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلب موازنته للسنة المالية 2019. فقبل أربعة أيام فقط من ذلك التاريخ، كان الكونجرس قد رفع الحدود القصوى الإلزامية عن الإنفاق الحكومي؛ ما دفع إدارة ترامب إلى مراجعة اقتراح موازنتها على عجل في اللحظات الأخيرة. وقد تخلّى البيت الأبيض عن خطّته الأصلية للسعي لخفض تمويل معاهد الصحة الوطنية الأمريكية بنسبة 27%، وتمويل مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية بنسبة 29%، وتمويل مكتب العلوم، التابع لوزارة الطاقة الأمريكية بنسبة 22%، محافظًا بذلك على تمويل هذه المؤسسات ثابتًا، لكن تفاصيل رؤية ترامب للكثير من الهيئات العلمية لا تزال غامضة؛ ما يُسبِّب إحباطًا لأنصار العِلْم.

يقول مات هوريهان، مدير موازنة البحث والتطوير وبرنامج السياسات في الجمعية الأمريكية لتطوير العلوم بالعاصمة واشنطن: "إن العنوان الرئيس لما حدث هو أنه في الساعة الحادية عشرة تَراجَع [البيت الأبيض] عن نيّته تخفيض موازنته للبحوث الأساسية تخفيضًا هائلًا"، لكن هوريهان يُحذّر من أن الهيئات العلمية لم تتجاوز بعد مرحلة الخطر، إذ يشير إلى أنه حتى في موازنةٍ توحي بأنها تدعم العلوم الأساسية، "لا تزال الإدارة تستهدف برامج مثل البرامج البيئية، التي تعتقد أنها تقع خارج النطاق الحكومي"، على حدّ قوله.

وتشمل الآثار المترتبة على طلب ترامب - على سبيل المثال، لا الحصر - تقليص موازنة وكالة حماية البيئة الأمريكية لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، والقضاء على أبحاث التغيّر المناخي في الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، وإلغاء خمس مهمّات ومعدات لرصد الأرض في وكالة ناسا.

وعلى الرغم من أن الأبحاث الطبية الحيوية ستظل ثابتة، وفقًا لخطة ترامب النهائية لعام 2019، فإن مراقبي السياسات ما زالوا مرتابين من نِيّات الرئيس. صحيحٌ أن البيت الأبيض ربما يكون قد غيّر مسار التخفيضات المحتملة لكلٍّ من معاهد الصحة الوطنية، ومؤسسة العلوم الوطنية، إلا أن ترامب ما زال يعارض أي زيادات في تمويل البرامج غير العسكرية، حسب قول جينيفر زايتسر، مديرة قسم العلاقات التشريعية في اتحاد الجمعيات الأمريكية لعلم الأحياء التجريبي في مدينة بيثيسدا بولاية ميريلاند. وتقول زايتسر: "أعتقد أنه سيكون من الكرم حقًّا أن نقرأ أن معاهد الصحة الوطنية، ومؤسسة العلوم الوطنية صارتا فجأة أولويةً لدى هذه الحكومة".

يسعى ترامب إلى الحصول على 34.8 مليار دولار لصالح معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، أي ما يقارب مستوى تمويلها في عام 2017، وهو آخِر عام اتفق فيه الكونجرس والبيت الأبيض على موازنة نهائية (انظر: "تقلّبات عنيفة")، لكن البيت الأبيض يريد لهذا المال أن يؤدي دورًا أكبر مما يؤديه الآن، وذلك بإنشاء ثلاثة معاهد جديدة في معاهد الصحة الوطنية، وسيكون من بينها المعهد الوطني لأبحاث السلامة والجودة، الذي سيحلّ محل هيئة أبحاث الرعاية الصحية وجودتها، التي تتلقّى حاليًا تمويلًا قدره 324 مليون دولار، والتابعة لوزارة الصحة والخدمات البشرية الأمريكية.

كبر الصورة

SOURCE: AMERICAN ASSOCIATION FOR THE ADVANCEMENT OF SCIENCE

ستشهد مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية كذلك ثباتًا في التمويل، وفق خطة ترامب، إذ ستُخصَّص لها موازنة تبلغ 7.47 مليار دولار. ويشمل هذا الرقم 2.2 مليار دولار، كان البيت الأبيض قد أضافها في اللحظات الأخيرة، ويقول إنها ستدعم البحوث العلمية الأساسية، والبرامج التعليمية، وتحديث المنشآت البحثية في القارة القطبية الجنوبية وغيرها من المناطق الأخرى، والأنشطة البحثية متعددة التخصصات، لكن البيت الأبيض لم يشرح بتفصيل أكثر كيفية توزيع هذه الأموال.

ويشير مقترح ترامب الأخير لموازنة عام 2019 إلى زيادة الإنفاق على الدوائر السبع البحثية لمؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية بمقدار 2%، لتبلغ موازنتها بذلك 6.151 مليار دولار، لكن، بموجب هذه الموازنة، سيُخفِّض التمويل المخصص لإنشاء المنصات البحثية (مثل مجموعة تليسكوبات المؤسسة)، والحصول على الأجهزة العلمية بنسبة 56%. وهكذا، سوف ينخفض تمويل هذا المجال من 215 مليون دولار في عام 2017 إلى 95 مليون دولار في عام 2019.

وستتخلى وكالة ناسا عن محطة الفضاء الدولية، وفق خطة ترامب، التي تطالب وكالة الفضاء الأمريكية بإنهاء إسهامها في هذه المنشأة، التي تشترك فيها 15 دولة، في عام 2024، بعد أن ينتهي الالتزام الأمريكي الحالي. وتريد إدارة ترامب من ناسا أن تستكشف كيفية نقل عمليات المحطة الفضائية إلى قطاع الصناعة الخاص في عام 2025، لكن من غير المرجّح أن تحظى الخطة بموافقة عدد كبير من أعضاء الكونجرس.

وستلغي الموازنة المقترحة أيضًا تليسكوب المسح واسع المجال بالأشعة تحت الحمراء، الذي صُمِّم للبحث عن الكواكب خارج المجموعة الشمسية والمادة المظلمة. وقد كان من المقرّر أن يكون هذا التليسكوب مهمة ناسا الكبيرة التالية في مجال الفيزياء الفلكية، بعد تليسكوب جيمس ويب الفضائي، المزمَع إطلاقه خلال العام المقبل.

وقد وجدت مراجعة حديثة مستقلة أنه لا يمكن المحافظة على تكلفة تليسكوب المسح واسع المجال بالأشعة تحت الحمراء، دون الحد الأقصى الذي حدّدته لها وكالة ناسا عند 3.2 مليار دولار (طالع الرابط: go.nature.com/2btsw3z)، وقد عمدت الوكالة إلى مراجعة هدف المهمة؛ لتقليص تكلفتها. وقد تصدر هذا التليسكوب قائمة المهمات الكبيرة، وفقًا لتصنيف علماء الفلك الأمركيين في استقصاء أُجري عام 2010 حول الأولويات العلمية للعقد التالي.

وتعليقًا على الموضوع، يقول جون مورس، الرئيس التنفيذي لمعهد "بولدلي جو" في مدينة نيويورك سيتي، والرئيس السابق لقسم الفيزياء الفلكية في وكالة ناسا: "إن إلغاء تليسكوب المسح واسع المجال بالأشعة تحت الحمراء كارثة عظيمة لمعشر الفلكيين". وإذا لم يتحرك الكونجرس لاستكمال المهمة؛ "فستكون هذه المرّة الأولى التي لا تُنفَّذ فيها المهمة ذات الأولوية الكبرى في تاريخ الاستقصاءات العَــقْــدية للفيزياء الفلكية، التي تعود إلى ستينيات القرن الماضي".

وبوجه عام، ستتلقّى وكالة ناسا 19.9 مليار دولار وفق خطة ترامب، ما يمثّل زيادة بمقدار 1.3% عن مستوى تمويلها في عام 2017. وستحصل دائرة العلوم في الوكالة على 5.895 مليار دولار، بزيادة قدرها 2.3%.

أما تمويل البحوث الأساسية في مكتب العلوم التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، فسيظل ثابتًا عند 5.4 مليار دولار. وستشهد علوم الطاقة الأساسية زيادة بحوالي 2%؛ لتبلغ 1.85 مليار دولار، لكن الفائز الأكبر سيكون الحوسبة العلمية المتقدّمة، إذ ستشهد موازنتها زيادة بحوالي 42%؛ لتبلغ 899 مليون دولار. أما مشروع الاندماج النووي المُسمَّى المفاعل النووي الحراري التجريبي الدولي (إيتر)، الذي لا يزال قيد الإنشاء في فرنسا، فسيتلقى 75 مليون دولار، بزيادة قدرها 25 مليون دولار عن مستوى تمويله في عام 2017.

وللعام الثاني على التوالي، يقترح البيت الأبيض الاستغناء عن هيئة مشروعات أبحاث الطاقة المتجددة (إنيرجي)، التي تدعم أبحاث الطاقة عالية الخطورة. كانت هذه الهيئة قد حصلت على 306 ملايين دولار في عام 2017، لكن الكونجرس منقسم على نفسه بشأن مستقبلها. فمشروع قانون تمويل وزارة الطاقة الأمريكية لعام 2018، الذي أصدره مجلس النواب، كان سيلغي الهيئة، لكنّ مسؤولي تخصيص التمويل في مجلس الشيوخ وافقوا على دعم تمويلها، ليبلغ 330 مليون دولار.

وستتلقّى برامج التغيّر المناخي ضربات في العديد من الهيئات، حيث ستلغي موازنة ترامب تمويل أبحاث الاحترار العالمي في وكالة حماية البيئة، التي سيتقلّص إجمالي الأموال المخصّصة لها إلى 6.1 مليار دولار، بعد أن كانت 8.1 مليار دولار في عام 2017. وستلغي الخطة كذلك المِنح التنافسية لأبحاث التغيّر المناخي في الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، وستوقِف الأبحاث التي تهدف إلى الوصول إلى فهم أفضل لكيفية تأثير الاحترار العالمي على القطب الشمالي. وهكذا، ستتقلّص الموازنة الإجمالية المخصصة للإدارة بواقع 20%، لتصبح 4.6 مليار دولار.

ليس من الواضح كيف سيستجيب الكونجرس لخطة ترامب. فحتى الآن، رفض المُشرّعون – إلى حد كبير - ضغط الرئيس المتواصل لإجراء تخفيضات كبيرة في تمويل الهيئات العلمية الفيدرالية، إذ تَضَمّن اتفاق الموازنة - الصادر بتاريخ 9 فبراير، على سبيل المثال - بندًا يدعم الإنفاق على معاهد الصحة الوطنية الأمريكية بمقدار ملياري دولار في عام 2018، على الرغم من أن معظم الحكومة يعمل وفق خطة إنفاق مؤقتة، يُفتَرَض انتهاؤها في أواخر شهر مارس الماضي.

يقول مايكل لوبيل، وهو عالِم فيزياء، يعمل بسيتي كوليدج في نيويورك: "بما أنه قد أُزيل الحد الأقصى الآن عن الإنفاق لعام 2019، فستتنافس الهيئات العلمية مع جهات أخرى في الحكومة الفيدرالية للحصول على الأموال الإضافية". وقد بدأت هذه العملية للتو. ويضيف لوبيل: "هناك الكثير من الرؤوس المتزاحمة عند المعلف، والزمن وحده كفيل بكشف مَن سيفوز بمبتغاه".