أنباء وآراء

أبحاث السرطان: عدّة طفرات في سلّة تجارب إكلينيكية واحدة

عندما يرتبط تشوّه جيني بالسرطان، ويستهدف عقارٌ ما البروتين المرمَّز، كيف يمكن تحديد المرضى الذين سيستجيبون للعقار، إذا كان الجين طافرًا بعدة صور متنوعة في عدد كبير من السرطانات المختلفة؟ 

إيلين ر. مارديس

  • Published online:

ينشأ السرطان عادةً من التشوهات الجينومية، لكن عدد التحوّلات الجينية وتعقيدها في الأورام قد يجعل من الصعب التنبؤ بما إذا كانت طفرة محددة في جين نوعي مرتبط بالسرطان ستؤدي إلى نمو ورم ما، أم لا، وكذلك التنبؤ بالأنسجة التي سيحدث فيها ذلك. ويُشكّل هذا الأمر تحديًا عند محاولة تحديد العلاجات الفعّالة. فعلى سبيل المثال.. إذا كان بإمكان دواء يستهدف بروتينًا معينًا علاج سيدة مصابة بسرطان الثدي تحمل طفرة في الجين المرمّز للبروتين، فهل يتمكن الدواء نفسه من علاج مريضة أخرى لديها طفرة مختلفة في ذلك الجين؟ وهل يتمكن من علاج شخص يحمل طفرة في الجين نفسه، لكنْ في ورم تطوَّر في نسيج مختلف؟ في بحث نُشِر في دوريةNature، أشار هيمان وزملاؤه1 إلى نتيجة تجربة إكلينيكية اختَبرت قدرة عقار "نيراتينيب"، الذي يثبط إنزيمي التيروسين كيناز HER2، وHER3، على تقليص الأورام، أو القضاء عليها. وقد اختُبِر الدواء على 21 نوعًا من السرطان لدى 141 شخصًا يحملون ما مجموعه 42 طفرة مختلفة تؤثر على أحد الإنزيمين.

كَشفَت دراسات أُجريت في سبعينات القرن العشرين أن حالات معيّنة من زيغ الحمض النووي الكروموزومي يمكن ربطها بتطوّر أنواع معينة من السرطان، وأن تضخيم عدد نسخ جينات معيّنة قد يكون له أثر معزِّز للورم2. فعلى سبيل المثال.. يرتبط نوع شديد الفتك من سرطان الثدي3 بتضخيم الجين ERBB2 وزيادة معّدل بروتين HER2 الذي يرمّزه. ويحدث تضخيم HER2 في عدة أنواع أخرى من السرطان4، من ضمنها السرطان الغدّي في القولون والمستقيم، وسرطان المثانة. وقد أدى هذا الفهم إلى بذل جهود لتطوير علاجات لإيقاف عمل هذه البروتينات المعبَّر عنها بإفراط؛ ما أدى إلى عدة علاجات تستهدف HER2، وتُستخدَم في العيادات5 لإطالة بقاء الأفراد المصابين بأورام سرطانية على قيد الحياة، تتميز بتضخيم ERBB2. وقد تم التعرُّف على ارتباطات أخرى بين تشوّهات ERBB2 والسرطان؛ فعلى سبيل المثال.. عُثِر على طفرات في نوكليوتيد مفرد في ERBB2 في سرطانات الثدي6 التي لا يوجد فيها تضخيم ERBB2، وفي السرطانات الغدية في الرئة7.

وتزامن التطوّر السريع للعلاجات التي تستهدف بروتينات نوعية مرتبطة بالسرطان مع صعود نجم تقنية تعيين تسلسل الحمض النووي للأورام. وفي العقد الماضي، وُصِفت التحوّلات الجينومية في عشرات الآلاف من السرطانات بدقة تصل إلى نوكليوتيد واحد. وقد كشف ذلك عن إمكانية تحوُّل الجينات المرتبطة بالسرطان بطرق لا تُحصَى، والعثور على مثل هذه التحوّلات في الأورام الأولية التي تنشأ في العديد من الأنسجة المختلفة، بيد أن هذا التغيّر يجعل من الصعب التنبؤ بما إذا كان بوسع دواء معين التأثير على سرطان أحد المرضى، أم لا؛ وهذا بدوره يجعل القرار بإدراج أحد المرضى في تجربة إكلينيكية أمرًا معقدًا. وينطوي أحد الأساليب المتّبعة لمواجهة هذه المشكلة على إدخال الجينات الطافرة المعنيّة في أنظمة نموذجية ما قبل إكلينيكية، مثل الفئران المعدلة وراثيًّا، أو نماذج الخطوط الخلوية، لكنّ هذه النماذج غير عملية للاستقصاءات واسعة النطاق، التي تتناول العديد من التحولّات الجينية المختلفة في أنواع الأنسجة المتباينة.

وقد تغيّر تصميم التجارب الإكلينيكية التي تَختبِر العلاجات المستهدفة بشكل كبير في عصر علم جينوم السرطان، فتجارب المرحلة المبكرة تحديدًا تضمّ الآن غالبًا أفرادًا يحملون جينًا مستهدفًا متحولًا، بغضّ النظر عن النسيج الذي يوجد فيه الورم. وتسعى تجارب "السلّة الواحدة" هذه إلى تحديد مجموعة الطفرات، والأنسجة التي تتجاوب مع العلاج، مانحةً الفرصة - إذا تقدمت التجربة إلى مرحلة لاحقة - للتركيز على الأورام المرجَّحة استجابتها للعلاج في هذه الأنسجة.

أُثبتت6 قدرة عقار "نيراتينيب" على استهداف الأورام التي تحمل طفرات ERBB2 في عينات الأورام البشرية المزروعة في الفئران. واستخدم هيمان وزملاؤه نهج تجارب السلّة الواحدة؛ لاختبار تأثيرات الدواء على العديد من المرضى الذين يحملون طفرات معروفة مسبِّبة للأورام في ERBB2. ودرسوا كذلك تأثيراته على عدد قليل من المرضى الذين يحملون إمّا طفرات نادرة في ERBB2، أو طفرات في ERBB3، وهو الجين الذي يُرمِّز HER3، ورُبِط أيضًا بنمو الأورام8. وثمّة ميزة مثيرة للاهتمام في تصميم هذه التجربة؛ وهي أنها ضمّت أفرادًا يحملون طفرات لم يسبق اختبار استجابتها للدواء. وبعض أنواع الأورام التي درسها هيمان وزملاؤه لم تكن مُمثَّلة بأعداد كافية تُمَكِّن الفريق من تقييم ما إذا كان للعلاج أثر مهم إحصائيًّا، ولا يزال الإدراج في التجربة مستمرًّا لأنسجة معيّنة، أم لا.

وجد الباحثون أن تأثير العلاج بعقار "نيراتينيب" تنوَّع في السياقات الطفرية والنسيجية المختلفة. فعلى سبيل المثال.. استجاب للعلاج بعض المصابين بسرطان الخلايا الصغيرة الرئوي، أو سرطان الثدي، أو عنق الرحم، أو القنوات الصفراوية، أو الغدد اللعابية، ممن يحملون طفرات معينة في ERBB2. ولوحِظ التأثير الأكبر في سرطانات الثدي التي تحمل تحوّلات في الأحماض الأمينية في مجالات الكيناز، أو المجالات خارج الخلوية لبروتين HER2 (الشكل 1). واستجاب العديد من المرضى الذين يحملون مغايرات من ERBB2 لم يسبق توصيفها للعلاج بعقار "نيراتينيب"؛ ما يدعم دور هذه الطفرات كمحركات للأورام. ولم يكن لعقار "نيراتينيب" أي تأثير على الأورام التي تحمل طفرات في ERBB3، كما لم يؤثر على سرطانات القولون، والمستقيم، أو سرطانات المثانة التي تحمل طفرات في ERBB2. وتتسق نتيجة سرطانات المثانة مع دراسات سابقة10،9، لم يؤثر فيها استهداف بروتين HER2 على هذا النوع من السرطان. وغياب الاستجابة لعقار "نيراتينيب" يقدّم أدلة ظرفية على أن التحوّلات النادرة في ERBB2 لا يُرجَّح أن تكون محرِّكة للأورام.

الشكل 1 | نتائج تجربة إكلينيكية خاصة بالسرطان. يشير هيمان وزملاؤه1 إلى نتيجة دراسة اختَبرت مدى فعالية عقار "نيراتينيب" في علاج الأورام. رُبِط إنزيما التيروسين كيناز HER2، وHER3 بنمو الأورام، ويمكن تثبيطهما باستعمال "نيراتينيب". كان لدى المرضى الذين خضعوا للاختبار،البالغ عددهم 141، مجموعة متنوعة من الطفرات التي حوّلت إنزيم HER2، أو HER3، وعانوا من العديد من أنواع الأورام المختلفة. يوضح الشكل البِنَى البروتينية، وتشير الأسهم إلى المجالات أو المواقع بين المجالات التي عُثِر فيها على تحوّلات في البروتين بسبب الطفرات. وفيما يخص بيانات HER2 الموضّحة، جُمّعت السرطانات في عشر فئات لأنواع السرطان؛ هي: القنوات الصفراوية، والمثانة، والثدي، وعنق الرحم، والقولون، والمستقيم، وبطانة الرحم، والمعدة، والمريء، والرئة، والمبايض، وأخرى (إشارة إلى كافة أنواع السرطان الأخرى). وتشير أعداد المرضى المستجيبين للعلاج إلى مَن كان أفضل تجاوبًا له، جزئيًّا أو بشكل تام؛ وإلى أيّ تناقص أو غياب للسرطان، يمكن اكتشافه في نهاية التجربة.

الشكل 1 | نتائج تجربة إكلينيكية خاصة بالسرطان. يشير هيمان وزملاؤه1 إلى نتيجة دراسة اختَبرت مدى فعالية عقار "نيراتينيب" في علاج الأورام. رُبِط إنزيما التيروسين كيناز HER2، وHER3 بنمو الأورام، ويمكن تثبيطهما باستعمال "نيراتينيب". كان لدى المرضى الذين خضعوا للاختبار،البالغ عددهم 141، مجموعة متنوعة من الطفرات التي حوّلت إنزيم HER2، أو HER3، وعانوا من العديد من أنواع الأورام المختلفة. يوضح الشكل البِنَى البروتينية، وتشير الأسهم إلى المجالات أو المواقع بين المجالات التي عُثِر فيها على تحوّلات في البروتين بسبب الطفرات. وفيما يخص بيانات HER2 الموضّحة، جُمّعت السرطانات في عشر فئات لأنواع السرطان؛ هي: القنوات الصفراوية، والمثانة، والثدي، وعنق الرحم، والقولون، والمستقيم، وبطانة الرحم، والمعدة، والمريء، والرئة، والمبايض، وأخرى (إشارة إلى كافة أنواع السرطان الأخرى). وتشير أعداد المرضى المستجيبين للعلاج إلى مَن كان أفضل تجاوبًا له، جزئيًّا أو بشكل تام؛ وإلى أيّ تناقص أو غياب للسرطان، يمكن اكتشافه في نهاية التجربة. 

كبر الصورة

وتشير النتائج التي توصّل إليها هيمان وزملاؤه إلى أن الدراسات النموذجية قبل الإكلينيكية، كتلك التي تشير إلى أن ERBB3 قد يؤدي إلى نمو الأورام8، قد تكون مضللة أحيانًا عند محاولة استنتاج ما يحدث في ورم بشري ما. وقد يرجع ذلك إلى الطريقة التي يؤثر بها السياق الجينومي العام على تأثير الطفرة. فالورم الذي يحتوي على جين مستهدف متحوّل قد يُحدِث أيضًا تحوّلات في جينات أخرى معزّزة للسرطان. وقد يُشكِّل السياق النسيجي المحدد مصدرًا آخر لعدم الاتساق بين الدراسات على البشر والفئران.

وأخيرًا، قد يكون التغيّر الجينومي للخلايا الورمية (أي وجود مجموعات من الخلايا في الورم تحتوي على تغيرات وراثية مختلفة) مهمًّا في تحديد الاستجابة للعلاج. فقد أظهر تحليل التسلسل الذي أجراه هيمان وزملاؤه لطفرات ERBB2 معينة أن معظم المرضى الذين كانت طفرات ERBB2 موجودة في جميع خلاياهم السرطانية استجابوا للعلاج بعقار "نيراتينيب"، في حين لم يستجب له مَن كانت طفرات ERBB2 لديهم موجودة في مجموعة فرعية فقط من خلاياهم السرطانية.

وأشار المؤلفون إلى أن الاستجابة للعلاج قد تتأثر بكل من الطفرة الجينية المعينة، وموقع الورم، والنمط المعين للجينات الطافرة الأخرى الموجودة والمرتبطة بالسرطان. ومن المرجح أن يكون هذا صحيحًا في معظم - إن لم يكن كافة - تجارب السلّة الواحدة المستقبلية التي ستدرس العلاجات المثبطة المستهدفة. وهذا مفيد جدًّا لمثل هذه الدراسات. وستكون ثمة حاجة إلى توصيف أكثر اكتمالًا لجينومات الأورام، بما يتجاوز الجين المستهدف (الجينات المستهدفة)، لتحديد السياق الجينومي المرتبط بالاستجابة للعلاج، أو مقاومته. وينبغي أن تكون السمات الجينومية وبيانات الاستجابة العلاجية المستقاة من تجارب السلّة الواحدة المشابِهة لهذه الدراسة متاحة للجمهور، كوسيلة لتحسين تصميم التجارب الإكلينيكية التي ستُجرَى على عوامل علاجية أخرى. وقد تسهم مجموعات البيانات من هذا النوع في تطوير وسائل تشخيصية تتيح التحديد الدقيق للمرضى الذين سيستفيدون - على الأرجح - من العلاج المستهدف. ويمكن أن تساعد البيانات أيضًا على تيسير تصميم التجارب الإكلينيكية، وتسرِّع بالتالي من الوصول بعلاجات السرطان إلى الموافقات التنظيمية.

References

  1. Hyman, D. M. et al. Nature 554, 189–194 (2018). | article
  2. Semba, K. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 82, 6497–6501 (1985). | article
  3. Slamon, D. J. Science 235, 177–182 (1987).  | article
  4. Scholl, S., Beuzeboc, P. & Pouillart P. Ann. Oncol. 12, S81–S87 (2001). | article
  5. Slamon, D. J. et al. N. Engl. J. Med. 344, 783–792 (2001).  | article
  6. Bose, R. et al. Cancer Discov. 3, 224–237 (2013). 

     | article
  7. Stephens, P. et al. Nature 431, 525–526 (2004). | article
  8. Jaiswal, B. S. et al. Cancer Cell 23, 603–617 (2013). | article
  9. Oudard, S. et al. Eur J. Cancer 51, 45–54 (2015).  | article
  10. Powles, T. et al. J. Clin. Oncol. 35, 48–55 (2017). 

    | article

إيلين ر. مارديس تعمل في معهد الطب الجينومي، التابع لمستشفى "نيشن وايد" للأطفال، كولومبس، أوهايو، 43205، الولايات المتحدة الأمريكية. 

البريد الالكتروني: elaine.mardis@nationwidechildrens.org